(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)


 سكر بنات: فيلم عربي لجمهور غربي

 وإخراج متميز لرسالة سياسية غير متميزة

 

د. إبراهيم علوش

 

باتت الأفلام السينمائية في تعبيرها عن مكنون القرن الواحد والعشرين كقصائد القرون الغابرة في تعبيرها عن مكنون عصرها... سوى أن صناعة الأفلام تقوم اليوم على المزج الفني للوحات المتعاقبة مع الموسيقى المصاحبة مع الحوار الروائي مع الفكرة المبدعة لتنتج قصائدها.  وعندما يكون مخرج الفيلم السينمائي نادين لبكي التي اكتسبت خبرتها الإخراجية في ميدان الإعلانات والفيديو كليب، وهو الميدان الذي يتطلب من المخرج أن ينتج شريطاً قصيراً "لا يمل"، شريطاً لا يسأمه جمهور المشاهدين مع التكرار، فإن تلك المهارة والقدرة المتميزة على جذب المشاهد لا يمكن إلا أن تنعكس على باكورة أعمالها السينمائية في فيلم "سكر بنات"، أو "كراميل" باللغة الإنكليزية.

 

وقد تميز فيديو كليب نادين لبكي عامة بلمسة فنية خاصة تركز على الأنوثة دونما إسفاف أو ابتذال، وفي "سكر بنات" تضفي لبكي نفس تلك اللمسة الخاصة على فيلمها الذي تلعب دور البطولة الرئيسية فيه.  فيلم سكر بنات افتتح رسمياً في 20/5/2007 في مهرجان كان السينمائي في أسبوع مخرجي الأعمال الأولى، وقد انتهى تصويره قبل عشر أيام من العدوان الصهيوني على لبنان في صيف عام 2006.  وهو فيلم نسائي بامتياز، يعالج من خلال أدوار ممثلاته الرئيسيات مشكلة وضعية المرأة في المجتمع الشرقي، ليرسل رسالة مفادها بأن المرأة كائن مضطهد اجتماعياً، وهي كذلك في لبنان، وفي المجتمع المسيحي في لبنان، وكذلك في غيره...  ليترك الفيلم القضية هكذا دونما حل!  ويمكن اعتبار فيلم "سكر بنات" النسخة اللبنانية من "الباحثات عن الحرية" لإيناس الدغيدي، ولكن بذوق فني أرقى بكثير.

 

وبالرغم من تميز الصورة والموسيقى والفكرة والإخراج، والجهد المنهجي الواضح المبثوث في ثنايا الفيلم، وهو ما يشهد على كفاءة نادين لبكي وفريقها، فإن ما يعنينا هنا هو البعد السياسي المتضمن في الفيلم في سياق مشاريع "الإصلاح" الغربية للمجتمع العربي، خاصة تلك المنصبة منها على قضية المرأة العربية.

 

وقبل معالجة هذا البعد السياسي، لا بد من الإشارة إلى أن ما سيأتي لا يساق من قبيل الاتهام أو التخوين، بل حرصاً على الإبداع الفني والسينمائي العربي، وعلى القائمين عليه، خاصة إذا كانوا مبدعين متميزين مثل نادين لبكي، من التورط في مشاريع سياسية معادية للرجل وللمرأة في بلادنا على حدٍ سواء.  ولا يقودنا هذا الحرص أبداً للزعم أن المرأة ليست لها قضية عادلة أو حقوق مهضومة في مجتمعنا... على العكس من ذلك!  ولكن كم من قضية محقة تم توظيفها سياسياً في مشاريع غير محقة، بالتحديد مشاريع تدخل خارجي، من كردستان إلى دارفور، ومن المرأة العربية إلى أية قضية أقليات في بلادنا!!  والأقليات طبعاً تعرف بوضعها الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي المهمش، لا بعدد أفرادها.   

 

ولنبدأ بالتمويل الفرنسي للفيلم.  فموازنة الفيلم بلغت مليوناً وستمئة ألف دولار حسب بعض المواقع على النت، وهو مبلغ تافه بالنسبة للأفلام الهوليودية مثلاً، وبالتأكيد بالنسبة للنجاح الذي حققه الفيلم، والجوائز العالمية الستة التي حصدها أو الجوائز الثلاثة التي رُشح لها. 

 

وفي مستهل الفيلم، نقرأ على الشاشة بأنه تلقى دعماً مالياً من وزارة الشؤون الخارجية الفرنسية... وهذه لا بد لها أن تكون نقطة البداية لتحليله.

 

فضمن أي سياق تمول وزارة الخارجية الفرنسية فيلماً يعالج قضية المرأة العربية؟  ولماذا؟  ومن الذي دفع للزمَّار؟  كما جاء العنوان الفرعي مثلاً لكتاب "الحرب الباردة الثقافية" لمؤلفته فرانسيس سوندرز الصادر عام 2000 عن تمويل وكالة المخابرات المركزية الأمريكية CIA للمنظمات غير الحكومية ومراكز الأبحاث خلال الحرب الباردة بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي.  وقد اتبعت أيضاً إستراتيجية تمويل بعض الجمعيات الثقافية لدفع الخطاب الثقافي والفني، حتى في مجالات الرسم والموسيقى، باتجاهات تخدم مصلحة حلف الناتو، دون أن يكون من تلقوا هذا التمويل على أدنى معرفة بالمشروع السياسي الذي انخرطوا في تنفيذه.  ويسوق الكتاب على ذلك شواهد عديدة منها تشجيع وكالة المخابرات المركزية لموسيقى الروك الصاخبة في أوروبا لمحاربة الحس الجماعي والمتجانس للموسيقى الكلاسيكية التي كانت ترعاها الدول الاشتراكية للطبقة العاملة في بلدانها، والترويج لنوع متطرف من الرسم التجريدي، يخلو من الأشكال بشكل شبه تام ويقوم على اختلاط الألوان، في سياق محاربة مدرسة الواقعية الثورية في الفنون.

 

وعودة إلى فيلم "سكر بنات" أو "كراميل"، بترجمة إنكليزية في أسفل الشاشة، فإن المشكلة الأساسية فيه ليست أنه طرح قضية المرأة، على العكس، بل أنه طرحها من منظور إستشراقي، يروق للمشاهد الغربي، قد يوصل المخرجة لبكي إلى العالمية دون معالجة قضية المرأة في مجتمعنا العربي فعلاً.  وفيلم "سكر بنات" لا يلعب فيه أي رجل دوراً رئيسياً، أما الرجال الذين يظهرون فيه، فإنما يظهرون ليلعبوا أدواراً هامشية أو ليصوروا كشخصيات حقيرة.  حتى عشيق ليال (نادين لبكي) لا نرى وجهه مرة واحدة، ويبقى نكرة لا نسمع له صوتاً إلا ببضع كلمات عابرة، وكأن هناك رفضاً لحقه بالوجود وإصراراً على تهميشه.  وتصبح قضية ليال هي التعارف والود الذي يقوم بينها وبين زوجة عشيقها، بصفة الاثنتين ضحية لأنانية ذلك الرجل، وليس بصفتها طرف مشارك بوعي في علاقة مع رجل متزوج من امرأة أخرى!

 

وكذلك الأمر بالنسبة للممثلات الأخريات في الفيلم.  فخلال البحث عن هويتهن، تتجلى مثلية الجنس – وهي موضوعة مفضلة عند المانحين في الغرب - في دور ريما (الممثلة جوانا مكرزل) بالفيلم، ليقدم الرجل من خلال عينيها باعتباره عدو، كضد، أو كصياد للعلاقات السريعة يكر ويفر بدراجته النارية المتخلفة كأنها بغل القرون الأولى في القرن الواحد والعشرين، مما يضفي على كل وجوده جواً من السخافة والسطحية. 

 

وإلا، فإن الرجل في حالة دور نسرين (الممثلة ياسمين المصري) منافقٌ يطلب من خطيبته أن تتسر بلباسها عندما تذهب لتناول العشاء مع عائلته لكي يمد يده إليها سراً من تحت الطاولة، ويشكل نفاقه هنا مقدمة وتبرير للنفاق الذي نكتشف فيما بعد أن نسرين تمارسه عليه.  ويصادف أن يعاني هذا الخطيب المحافظ نفسه، واسمه بسام عنتر (الممثل إسماعيل عنتر) من تضخم في الأنا العليا والعدوانية، كما هو حال معظم الرجال طبعاً حسب الأيديولوجيا النسوية الغربية، وهو ما يجعله يصطدم جسدياً مع رجل أخر يعاني من نفس المشكلة تحت احتجاج خطيبته واستنكارها من "تفاهة الرجل وضيق أفقه" المتجلي بنزعته للاقتتال، ومن هنا سبب الاحتفاظ باسم "عنتر" في الفيلم، ولكنها تنال منه بالكذب عليه حول علاقاتها السابقة، وهو ما يفهم منه بأنه من ضرورات التأقلم مع قمع المرأة في المجتمع الشرقي... 

 

وهناك أيضاً دور الممثلة المتصابية جمال (الممثلة جيزيل عواد) التي تصل سن اليأس بعد أن تركها زوجها مع ولدين ليصاحب أخرى، فتحاول بشتى الطرق أن تقلد من هم بجيل بناتها، فتلبس أعرض الأساور والأحزمة، وتتبع الموضة حرفياً، وتحاول أن تصبح ممثلة.  ومرة أخرى، لا نرى وجه زوجها ولا نسمعه إلا من خلال ما تردده على لسانه على الهاتف لنعرف كم هو حقير طبعاً!!. 

 

ثم هناك الخياطة روز (الممثلة سهام حداد) التي فاتها القطار منذ أمدٍ بعيدٍ ليأتي الحب طارقاً بابها على شاكلة عجوز فرنسي رقيق اسمه تشارلز تتعرف عليه عندما يدق باب محلها لكي تعدل مقاسات بذلته.  ولكن حتى هذا الرجل الرزين كريم الطبع - غير العربي طبعاً - الذي لا يتحدث أيضاً إلا لماماً، نرى ظهره وهو يغادر متكئاً على عكازه في بنطاله الهزلي الذي تم تقصيره حتى الكاحل، بعد أن تقرر الخياطة روز التي أعجب بها أن تتركه ينتظر في المقهى وحده. 

 

وهكذا تختار الخياطة أن تظل مع أختها السيدة العجوز ليلي (الممثلة عزيزة سمعان) التي تبقى منذ بداية الفيلم حتى نهايته وهي تجمع الأوراق الملقاة في الشوارع معتقدةً بأنها رسائل من حبيبها الغائب.  والفيلم برمته عبارة عن بحثٍ نسويٍ عن الذات المفقودة وعن الحب المفقود.  والسيدة العجوز تلخص الفيلم، وتبقى تجمع الأوراق المتناثرة في الشوارع (الرجال؟) دون أن تجد حبيبها.

 

والرجل الوحيد في الفيلم الذي يتم قبوله جزئياً هو الدركي أو الشرطي يوسف (الممثل عادل كرم) المعجب بليال (نادين لبكي) عن بعد، والذي قلما يذكر اسمه خلال الفيلم.  ويساعد رجل الشرطة يوسف في الإفراج عن بسام عنتر، خطيب نسرين صديقة ليال وزميلتها في صالون تصفيف الشعر، بعد المشكلة التي أودت به إلى المخفر، فتدعوه لزيارة الصالون يوماً لتعبر عن امتنانها وشكرها، وعندما يدخل يسلم مرتين فلا يسمعه ولا يرد عليه أحد، ويختنق صوته، وتكون لحظة ضياع للرجل ونصر نسائي صغير عليه في ملعبهن وهو صالون تصفيف الشعر.  وبعدما يصيح بصوت أعلى تتسلمنه مصففات الشعر ويقررن أن يجرين عليه تجربة نزع لشعر الوجه بالسكر، ويخرج بلا شارب....  ويتم التمهيد لتقبله بعد اقترابه من الصفات الأنثوية، بعد استسلامه طوعاً.    وفي نهاية الفيلم، نراه يرقص في عرس نسرين، ولكن ليقفز قفزاً كالمهرج، لا ليرقص بكرامته كزوربا الإغريقي أو كما يدبك شبابنا.

 

والخلاصة أن هذا الفيلم يجعل المرأة عدواً للرجل، ويسهم عملياً في نشر وعي التفكيك، ولا يعالج قضية المرأة في سياقها الطبيعي باعتبارها قضية تحرير لكل المجتمع من الظلم والتبعية والاحتلال.  ولا يوجد في الفيلم مثلاً دورٌ فاعلٌ لرجل يدعم قضية المرأة... وإذا كانت نادين لبكي قد قدمت عملاً فنياً متميزاً ومبدعاً بدون أدنى شك من حيث الشكل والأداة، في الإخراج والتمثيل، فإنها قد فعلت ذلك في سياق رسالة سياسية غير متميزة أبداً.  وعندما قالت للنقاد أنها تجنبت موضوع الحرب اللبنانية في الفيلم لأنه بات ممجوجاً، فإنها كانت تفكر بالتأكيد بما يرضي الحكام في مهرجان كان السينمائي، وهو طرح قضية المرأة خارج سياقها السياسي العربي، أي كصراع جنسوي فحسب، صراع رأينا في حالات أخرى، عند نساء أخريات، أنه يجعل المرأة اليهودية مثلاً أقرب للمرأة العربية من الرجل العربي، وهو مقدمة ليس فقط للتفكيك، ولكن أيضاً للتطبيع، دون أن تكون لبكي مدركة بالضرورة للرسالة السياسية التي قدمتها من خلال "اكتشافها للمعادلة" الفنية التي ترضي حكام مهرجان كان وتحقق لها الشهرة العالمية، واستمرار التمويل...