(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)


 

لماذا سفارة "منظمة فرسان مالطا" في الأردن؟!

 

د. إبراهيم علوش

 

على موقع وزارة الخارجية الأردنية، ضمن قائمة البعثات الديبلوماسية، يجد المتصفح للموقع  على البطاقة التعريفية لسفارة "منظمة فرسان مالطا" عنوانها في شارع المدينة المنورة في عمان وساعات عملها، تماماً كما على البطاقة التعريفية لأية سفارة أخرى في عمان.  

 

ولكن "فرسان مالطا" ليسوا دولة، بل منظمة دولية تعود جذورها للقرن الحادي عشر، ثم بقايا دولة كانوا يحكمونها في مالطا بين القرنين السادس عشر والثامن عشر، وأخيراً عصعوصاً تاريخياً من بقايا غزوات الفرنجة التي زعموا بأنها كانت "حملات صليبية"!

 

ويحمل سفير "منظمة فرسان مالطة" في الأردن صفة "مستشار عسكري"، وهو أمر غريب بالنظر إلى أن "دولة الفرسان" كما تعرف نفسها، أو "مسلك مالطا العسكري المستقل"، تقدم نفسها رسمياً كجمعية خيرية تعمل في المجال الطبي وتبرر إصرارها على إقامة علاقات ديبلوماسية بالدول بهذا الغرض، حيث يوجد لها مثلاً مستشفىً قديمٌ للولادة في مدينة بيت لحم. 

 

ويذكر أن لفرسان مالطا تمثيلاً ديبلوماسياً في مصر منذ العام 1980، وفي لبنان وموريتانيا وأرتيريا والمغرب والسودان وتشاد وغيرها.. ويقول وليد الخازن اللبناني الأصل سفير "الفرسان" في الأردن "إن لـ«فرسان مالطا» دستورها الخاص، وجوازات سفر خاصة بها تصدرها لأعضائها، وطوابع، كما ترتبط بعلاقات دبلوماسية مع 94 دولة .وأن هناك 16 دولة إسلامية وثماني دول عربية لها علاقات مع فرسان مالطا."

 

وقد تشكلت الجماعة في البداية كجمعية خيرية لإغاثة المرضى من الحجاج المسيحيين القادمين إلى القدس في القرن الحادي عشر قبيل غزوات الفرنجة، ولكن بسرعة بعد الاحتلال، تحولت الجماعة بقدرة قادر إلى قوة عسكرية مقاتلة، ومن ثم إلى جماعة أصولية مشعوطة منشقة عن منظمة "فرسان المعبد" التي كانوا جزءاً منها. 

 

وبعد تحرير فلسطين وبقية بلاد الشام من الفرنجة في القرن الثالث عشر (عام 1291) انطلقت الجماعة إلى قبرص ثم إلى جزيرة رودس وواظبت على ممارسة القرصنة ضد سفن وسواحل العرب والمسلمين.  وبقيت الجماعة هكذا حتى القرن السادس عشر عندما تولت جزيرة مالطا عام 1530، وهو الأمر الذي يفسر اكتسابها اسم "فرسان مالطة" المشتهرين بالإغارة على سواحل ليبيا وتونس.  وقد اعُترف بهم رسمياً من قبل الفاتيكان وبعض الدول الأوروبية لتكون نهايتهم على يد نابليون، زعيم فرنسا العلماني، في نهاية القرن الثامن عشر.  وعندما هُزم نابليون، لم يتمكنوا من العودة إلى حكم مالطة، وانتقل مقرهم رسمياً، بصفتهم الخيرية، إلى الفاتيكان في الثلاثينات من القرن التاسع عشر، فترة الحركات الثورية في أوروبا.

 

وقد أثار الصحافي المعروف محمد حسنين هيكل الاهتمام بهذه الجماعة في إشارته إلى مقاطع في كتاب الأمريكي جيريمي سيكل يقول أنها تدل على علاقة وثيقة بين جماعة "فرسان مالطا" وشركة بلاك ووتر للمرتزقة التي توظف عشرات الآلاف من حول العالم لدعم قوات الاحتلال الأمريكي في العراق، وقوات حلف الناتو في أفغانستان. 

 

وعلى الرغم من أن وليد الخازن ينفي ذلك بشدة، تقول مواقع إنترنت عدة أن "فرسان مالطة" تزود شركة بلاك ووتر، وغيرها من شركات المرتزقة الدولية، بمقاتلين تحركهم الحمية  الأصولية المسيحية ليستخدموا في الأماكن الخطرة التي يتردد باقي المرتزقة في دخولها، وتذكر بعض هذه المواقع أن هذه العناصر استخدمت في معركة الفلوجة في العراق عام 2004، وأنهم مسؤولون عن الكثير من الفظائع والانتهاكات التي جرت فيها.

 

ومن الواضح أن السجل التاريخي لهذه الجماعة على الأقل، ولو أخذنا تصريحات "سفيرها" في الأردن على محمل الجد، يدل بأنها: 1) مارست العمل العسكري على مدى قرون، 2) كانت قادرة على التحول الكامل من العمل الخيري إلى العمل العسكري وبالعكس حسب الظرف السياسي، 3) تمتعت بدعم واعتراف أوروبي للقيام بدورها في منطقة البحر المتوسط كموقع متقدم لمواجهة الدول الإسلامية، 4) تستبطن في داخلها آلية عقائدية وتنظيمية ما للاستمرار عبر عشرة قرون لا أقل! 5) يأتي تواجدها الحالي في السودان وتيمور الشرقية، بصفتها الخيرية، في سياق دعم الحركات الانفصالية هناك.

 

وتقول مصادر أخرى أن جد جورج بوش، بريسكوت بوش، والرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان، كانا عضوين فاعلين في المنظمة، وليس من المستبعد أن يكون ضغطاً أمريكياً قد أسهم بتحقيق الاعتراف الديبلوماسي بها، ضمن رؤية "صراع الحضارات" للمحافظين الجدد!  وسوف تبقى مثل هذه السفارات ضمن إرثهم الذي يخلفونه في المنطقة على شكل "خلايا نائمة".  وإذا كانت الجماعة جمعية خيرية، فلمَ التمثيل الديبلوماسي الذي يعطي من يكتسبه الحصانة؟! وإذا كانت ذريعة منح الجماعة التمثيل الديبلوماسي أنها منظمة دولية، فهل يعني ذلك مثلاً أن باستطاعة تنظيم القاعدة الآن أن يقدم بدوره طلباً للحصول على سفارات تتمتع بالحصانة الديبلوماسية أيضاً؟!

 

أخيراً وليس أخراً، ألا يثير تاريخ مثل هذه المنظمات وسجلها أسئلة كثيرة عن ارتباطاتها وأجندتها الحقيقية وسر قوتها واستمراريتها؟!  وهل تبحث هذه "السفارة بلا دولة" في بلادنا عن دولٍ تحت الرماد ما برحت حتى الآن بلا سفارة؟!