(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)


افتتاحية الصوت العربي الحر

"تغيير النظام"... هذا هو الشعار المستخدم الآن في واشنطن، بينما السفن المحملة بأطنان الأسلحة الأمريكية تسدّ موانئ قطر والكويت وجيبوتي والكيان الصهيوني، وبينما زمرة مستشاري جورج بوش الابن من المحافظين الجدد يدبجون المقالات ويعقدون المؤتمرات التي تنتقد وتدين البلدان العربية الواحدة تلو الأخرى في سعيهم لإعداد الإعلام العالمي وشعوب العالم بأسره لحملة شاسعة لقلب الأنظمة والحكومات، وإعادة رسم الحدود في المنطقة العربية بما يتلائم مع المصالح الأمريكيّة والصّهيونيّة . 
وهاهم الآن يتهمون العراق "بمحاولة الحصول على أسلحة الدمار الشامل"، وينتقدون السلطة الفلسطينية، التي فشلت الإعتقالات الجماعية التي تقوم بها ضد مواطنيها وتعاونها الحثيث مع سلطات الأمن "الإسرائيلي" والمخابرات الأمريكيّة المركزيّة في إيقاف هجمات المقاومة الفلسطينية داخل الكيان الصهيونيّ. وبينما يحرّر الكونجرس قانون العقوبات لسوريا, يعلن ريتشارد أرميتاج في وزارة الخارجيّة الأمريكية بأنّ حزب اللّه في لبنان, حليف دمشق, هو على قائمة الأهداف الأمريكية المستقبليّة لأنه يدين للولايات المتّحدة "بدين دم". حتى أكبر حليف عربيّ مخلص لأمريكا, المملكة العربيّة السّعوديّة, لم تسلم من الوعيد الأمريكي، إذ لُقِّبت ب "نواة الشرّ" بسبب النّسبة العالية للمواطنين السعوديين الذين كانوا من بين المختطفين ال 19 في الحادي عشر من سبتمبر.
وعلى الرغم من كل هذه الخطابات الصمّاء عن الديمقراطية والانتشار النووي و"الإرهاب" و"ديون الدم"، فإنّ هدف واشنطن الحقيقي – إحكام سيطرتها المباشرة على الأمة العربية – يظهر بوضوح عندما نلاحظ أنّ أمريكا لديها "علاج" واحد فقط لكل هذه المخاوف المختلفة المزعومة – تغيير النظام. وبالطبع، ليس مهما أبداً لدى أمريكا أنه يمكن القول بأنّ الصهاينة يدينون بدين دمٍ للأمريكيين أنفسهم، على الأقل بسبب هجومهم على سفينة التجسس الأمريكية (U.S.S. Liberty) في عام 1967، أو بأنّ الدولة اليهودية، طبقًا للتّقارير، تمتلك ترسانة بما يقارب 400 رؤوس نووية، هذا بالإضافة إلى مخزونها من الأسلحة الكيميائيّة والبيولوجيّة. أولئك الذين بيننا، ممن يعتبرون الديمقراطية شيئا أكبر بكثير من مجرّد شعار غوغائيّ، يرون أنه من المثير للحنق فعلا أنّ تدّعي الولايات المتحدة بأنها تتمنى "الديمقراطية" للفلسطينيين! ولكن يبدو أنّ واشنطن لها تعريفها الخاص جداً "للديمقراطية"!! هذا يتضمن حظر أي مجموعة فلسطينية تنشط في معارضة الاحتلال الصهيونيّ لأرضها، واعتقال الأفراد الذين ينتقدون مساعي السلطة الفلسطينية للقضاء على المقاومة للاحتلال الصهيونيّ. لقد عرّفت الولايات المتحدة "حكم القانون" على أنّه شطب قرارات المحكمة العليا الفلسطينية إذا ما طالبت بإطلاق سراح شخصيات المعارضة المعتقلين من قِبَل السلطة الفلسطينية دون محاكمة أو إدانة.
وفي محاولة منها التوفير على أمريكا عناء تغيير أنظمتها، أسرعت عدة عواصم عربية للرّد على التحدّي الأمريكي الحادّ اللهجة بطمأنة واشنطن بأنها أنظمة تسمع وتطيع الأوامر، وبأنّّ حدودها مفتوحة "للمستشارين" العسكريين الأمريكيين "لتوجيه" معركتهم ضد "الإرهاب". كما تم نقل عدة تقارير غير مؤكدة عن أنّ المملكة العربية السعودية عرضت دفع نصف تكلفة الحرب الأمريكيّة على العراق. 
وبالتماشي مع هذا الخط، بدأت عدة دول عربية ودول أخرى يفترض بأنها "صديقة" أو "حيادية" تجاه العراق (مثل روسيا وفرنسا والصّين) بالضغط على العراق لفتح حدوده، دون قيدٍ أو شرط، أمام مفتشي الأسلحة الذين تم إخراجهم من قِبَل الولايات المتحدة مباشرة قبل البدء بهجومها الجويّ على العراق في ديسمبر 1998. هذا الضغط الذي تمتّ صياغته بلغة "تجنّب إراقة الدماء" كان أسوء أنواع الطعن بالظهر. في 16 سبتمبر، أعلن العراق السماح بعودة المفتشين. هذه الخطوة التكتيكية – الصحيحة على الأغلب – عملت على احتواء تأثير ذلك الغدر، إلا أنّ ذلك الضغط الذي مارسته تلك الدول على العراق كان له معنى مختلفا تماما: لقد أعطى الشرعية للطلب الأمريكي-البريطاني بالسماح بعودة المفتشين لاستئناف نشاطهم دون قيد أو شرط، دون مراعاة المطالب العراقية بالا يستمر التفتيش لزمن غير محدد، وبربط عودة المفتشين برفع العقوبات عن العراق، وبأن يتم دمج عملية نزع السلاح في العراق بنزع السلاح في المنطقة كلها، بما في ذلك الكيان الصهيونيّ. إنّ ذلك الضغط "الأخوي والصديق" الذي مارسته تلك الدول كان بمثابة تأييد كامل لمطالب الولايات المتحدة ومجلس الأمن المنافية للعقل، كما هدد موقف العراق الاستراتيجيّ، في الوقت الذي تملي فيه المصالح الاستراتيجية لهذه الدول نفسها بأن تقف وقفة غير مشروطة مع العراق في هذا الوضع الحرج بالذات. لكنّها آثرت استرضاء العدوان في بحثها عن سراب الأمن. هنا بالتحديد يكون هذا النوع من الاستسلام ضربا من الانتحار. 
ومستمرّة أكثر فأكثر في ذلك المسار الانتحاري، متناسية بذلك الموقف الذي اتخذته في قمة جامعة الدول العربية في شهر مارس ضد أيّ هجوم أمريكي على العراق، أعلنت العواصم العربية، الواحدة تلو الأخرى، بأن "لا خيار" لديها إلا مساندة هذا العدوان، شرط أن تحصل واشنطن أولا على موافقة الأمم المتحدة.
وفي تناقض تام مع المشهد المشين لهذه الأنظمة المهرولة لتنفيذ أوامر أمريكا، وللتعاون مع الكيان الصهيوني، تقف المقاومة الفلسطينية، منفذو العمليات الاستشهادية بوجه خاص، والعراق – قيادة وشعبا – وقفة تحدي. إنّه من غير الصعب تخيّل أنّ نهاية الانتفاضة والمقاومة في فلسطين، لو تم للتحالف الأمريكي-الصهيوني ما يريد لا سمح الله، سيكوّنان نصرا كبيرا للعدوان الصهيونيّ، ليس على الشعب الفلسطينيّ فحسب، بل على جميع العرب والمسلمين، وشعوب العالم الشريفة التي سيقوم طغاتها بتذكيرها يوميّا بأنّ مقاومة الطغيان والظلم أمر فاشل و"انتحاريّ".
ولن يكون النصر الإمبريالي على العراق، لو تم للتحالف الأمريكي-الصهيوني ما يريد لا سمح الله، كارثة أقل لجميع الشعوب المستقلة في المنطقة والعالم بأسره. فكما ترك انهيار الاتحاد السوفياتي، بكل عيوبه وأخطائه، العالم تحت رحمة القوة العظمى الوحيدة المتبقية لتملي شروطها على الجميع دون أي معارضة تُذكر، فإنّ إنشاء نظام صوريّ في العراق موالي لأمريكا، وما سيتبعه من افتتاح حتمي "للسفارة" الصهيونية في بغداد، سوف يقود بقية الأنظمة العربية والإسلامية، التي ترتعد الآن فزعا في مواجهة التهديدات الأمريكية، إلى تبعيّة ذليلة للترسانة الأمريكية-الصهيونية. وبوجود 65 بالمائة من نفط العالم، بالإضافة إلى العائدات النفطية لبحر قزوين وخط الأنابيب الأفغاني تحت تصرّفهم، ناهيك عن سيطرتهم على أهم الطرق الاستراتيجية البرية والبحرية والجوية في المعمورة، فإنّ السلطة العالمية الأمريكية-الصهيونية سوف تحكم قبضتها على تطوّر جميع الشعوب على وجه الأرض.
لذا، فإنّه في مواجهة هذه الحملة الهوجاء لتغيير ملامح الوطن العربي، تحت شعار "تغيير النظام"، فإنّ مساندة الانتفاضة والمقاومة العراقية لم تعد مجرّد خيار أخلاقي فحسب. إنّ هذه المساندة أصبحت الآن حاجة ملحة لجميع الشعوب الحرّة في هذا العالم.

الصوت العربي الحرّ