(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)
قناة الزوراء العراقية
قناة مقاومة؟ أم مشروع سياسي؟
أحمد عدنان الرمحي
في
الإعلام الفضائي المقاوم:
يذكر أن الإعلام الفضائي المقاوم هو فكرة وليدة كان العرب سباقين إليها في عصر انتشار أطباق الفضائيات فوق أسطح المنازل من المحيط إلى الخليج.
وكان الإعلام المقاوم قد مر بمراحل عدة قبل أن يصلنا بالشكل الذي عهدناه اليوم. فقد كان من المألوف وجود صحف مقاومة رافقت مرحلة التحرر من الاستعمار الأجنبي في العصر الحديث كصحيفة الوفد المصرية، وكذلك في مرحلة التحركات الفلسطينية الأولى في بداية القرن العشرين فكانت صحيفتي الكرمل و الاصمعي.. كما برزت مجلات تتحدث باسم المقاومة الفلسطينية، خاصة في السبعينات، حين استغلت المقاومة الفلسطينية وفصائلها أجواء الحرية الصحفية في لبنان خير استغلال لتنتج مجلات دورية متميزة باسمها أو بتمويلها كمجلة الهدف (للجبهة الشعبية) ومجلة فلسطين الثورة التابعة لـ(حركة فتح)...
وتطور الإعلام المقاوم في عصر الثمانينات ليقتحم أثير الموجات الإذاعية، فتم تأسيس إذاعة القدس التابعة لتنظيم (القيادة العامة) الفلسطيني التي تبث من دمشق. وكان لتلك الإذاعة الدور الكبير في كسر الحصار الإعلامي المفروض من (الإسرائيليين) على نشاطات المقاومة الفلسطينية وتميزت الإذاعة بقدرتها على التفاعل مع الشارع والمشاركة في تعبئة فلسطينيي الداخل الذين طالما تعرضوا إلى محاولات الإحباط والتضليل من قبل إذاعات العدو الناطقة باللغة العربية...
وفي العصر التسعيني دخلت المنار التابعة لحزب الله مضمار الإعلام المقاوم لتكون صوت المقاومة اللبنانية وأول الداخلين عالم الشاشة الصغيرة عبر الإرسال الأرضي والذي وصل إلى منازل معظم المواطنين اللبنانيين.. ألا أن المنار تمكنت من تطوير بثها في بدايات الألفية الثانية من الأرضي إلى الفضائي مطورةً خطابها أيضاً ليشمل المقاومتين اللبنانية والفلسطينية فيما امتنعت عن بث أخبار المقاومة العراقية.. وتميزت المنار ببرامجها المتنوعة الحوارية بالإضافة إلى قوة مضمون وحرفية الكليبات والسكيتشات التعبوية التي بثتها بين برامجها..
وتقف التكلفة العالية للفضائية حائلاً بينها وبين انتشارها بشكل واسع. فالفضائية المقاومة هي قناة غير ربحية لا توجد فيها إعلانات أو مصادر دخل غير التبرعات الشحيحة، خاصة بعد قوانين ما يسمى بـ(مكافحة الإرهاب) المعمول بها في عدة دول في العالم..... وهي معرضة للإغلاق بأي لحظة بسبب تدخل أو ضغوط من قبل جهة ما أو لوبي ما... كما أن عدد الأقمار الاصطناعية التي تسمح بوجود مثل هذه المحطات على باقاتها وحزمها قليل وتفرض إدارات الأقمار على القنوات المشتركة معها شروطاً تقيد من حرياتها.. ونذكر هنا ما تعرضت له قناة المنار من حصار ومن ثم المنع في أوروبا بعد الضغوط الرهيبة التي مارسها اللوبي الصهيوني في فرنسا..
الزوراء: قناة مقاومة أم مشروع سياسي؟
وبعد الاحتلال الأمريكي للعاصمة العراقية بغداد قامت قوات الاحتلال بطرح نفسها رسولاً للديمقراطية والحرية في "الشرق الأوسط" - الكبير أو الجديد، لا فرق! - وأعلنت أن حرية الصحافة هي إحدى النعم التي سيغدق بها المحتل على العراقيين, فسمحت للقوى الموالية لها ولحلفائها في العراق بافتتاح وسائل إعلامية لبث أفكارها.. محاولةً تبرير اجتياح المنطقة بمزاعم حرية التعبير والمساواة والعدالة، وهي المبادئ التي يفترض أن الولايات المتحدة تأسست عليها..
فازدادت الصحف اليومية والأسبوعية الصادرة لتملأ نواصي شوارع بغداد وضاع المشاهد العراقي في زحمة القنوات التلفزيونية الأرضية والفضائية المحلية, التي كان لمعظمها أجندات غير وطنية أو متوافقة مع تيارات العراق الجديد التي تسللت بأجنداتها في عتمة الاجتياح الأمريكي البريطاني .. وكان من تلك الفضائيات قناة العراقية, الفيحاء, البغدادية, وغيرها..
واغتنمت عائلة الجبوري الفرصة التي توفرت في معمعة انتشار وسائل الإعلام بافتتاحهم قناة الزوراء فبدأت بإرسال أرضي من مكتب في بغداد وكان ذلك ابتداءً بعرض مسلسلات وبرامج متنوعة بعيدةً عن السياسة..
وفي تطور مفاجئ تحولت فضائية الزوراء العراقية إلى منبر إعلامي للمقاومة العراقية وتحديدا الجيش الإسلامي وكتائب ثورة العشرين، حيث ألغت الفضائية كافة برامجها المنوعة التي كانت تبثها في السابق.
وعلى مدار الساعة أصبحت فضائية الزوراء تبث تسجيلات مصورة بالفيديو لعمليات الجيش
الإسلامي وجيش الراشدين وكتائب ثورة العشرين وجيش الفاتحين والحركة الإسلامية
لمجاهدي العراق....والتي تتمثل بقصف مواقع عسكرية للقوات الأمريكية ولاسيما شريط
مثير عن قناص بغداد وكيفية قنص الجنود الأمريكيين بصور وثائقية بالفيديو، وفيلم
متميز آخر موجه للمشاهد الغربي بعنوان "شيفرة الصمت"...كما قدمت القناة
برامج وفقرات مؤيدة للمقاومة العراقية ومحرضة ضد حكومة المالكى المدعومة من ائتلاف
شيعى وكردي وإخواني.
ويلاحظ أن الشريط الإخباري في أسفل الشاشة للزوراء يبث رسائل القائمين على المحطة
إلى المشاهدين العراقيين بمختلف طوائفهم تدعوهم إلى رفض الاحتلال ومقاومته ورفض
الطائفية ومحاربة المشروع الصفوي على حد تعبير الزوراء...
الزوراء تعود ملكيتها لعائلة عضو البرلمان العراقى مشعان الجبورى الذي علق عضويته في البرلمان إثر توجيه اتهام له بتزوير أوراق رسمية وسرقة مبالغ كانت مرصودة لتشكيلات حماية خطوط النفط العراقية ويديرها نجله يزن الجبوري.
ويقول محللون أن السبب الحقيقي وراء خروج الجبوري من البرلمان هو انه كان يطرح نفسه ممثلاً للسنة ألا أنه آثر الخروج بعدما سيطرت عليه القوى الطائفية الشيعية والمتعاونة مع الاحتلال التي راحت تحيك له الاتهامات.. وكان هذا كان السبب أيضاً في تحول القناة إلى نهجها الجديد بعد إدراك الجبوري فشل الحلول السياسية في العراق وزيف مؤسساته القائمة..
وقد قامت الحكومة العراقية المتعاونة في العراق بإغلاق المحطة ومكتبها في بغداد, وقال المتحدث باسم وزارة الداخلية أن (رئيس الوزراء) نوري المالكي أمر بإغلاق فضائية (الزوراء) التابعة للجبوري بعد أن سحبت الحصانة منه في جلسة سابقة بالبرلمان، وكان المتحدث قد علق للصحافيين أن قرار الغلق " يأتي لمخالفة القناة قانون السلامة الوطنية ومخالفتها تعليمات وبيانات الحكومة ووزارة الداخلية بخصوص تغطية وسائل الإعلام ويندرج ضمن إجراءات قانون مكافحة الإرهاب".
إلا أن القناة انتقلت بعدها للبث الفضائي، ونقلت مكتبها إلى العاصمة السورية دمشق لتواصل البث عبر قمر النايل سات المصري، ولتصل للمشاهد العربي الذي فوجئ بانجازات وقدرات المقاومة العراقية التي طال حصارها إعلاميا منذ التاسع من نيسان من قبل الفضائيات العربية.
وكانت الحكومة المصرية قد رفضت طلباً أمريكيا وآخر من حكومة المالكي فى بغداد بوقف عمل قناة الزوراء العراقية التي تبث على قمر صناعي مصري بزعم أنها تحرض على العنف فى العراق.
وكان قد تردد أن قناة "الزوراء" تم وقف بثها على القمر المصري "نايل سات" اعتبارًا من منتصف ديسمبر الماضي 2006، بعد ضغوط مارسها السفير الأمريكي بالقاهرة من جانبه، بيد أن مصادر في وزارة الإعلام المصرية ومسؤول بفضائية عراقية بالقاهرة قالوا أن القناة لا تزال تبث برامجها علي القمر بصورة عادية ولم يتم منع بثها لأنه ليس من حق إدارة القمر المصري منع بث القناة طالما تقوم بدفع الإيجار الشهري الذي يقدر بحوالي 32 ألف دولار شهرياً.
وعلى نقيض من تلك التصريحات , كان مشعان الجبوري قد صرح لبرنامج الاتجاه المعاكس الشهير، الذي تبثه فضائية الجزيرة، تعقيباً على توقف تجديد برامج الزوراء: "ربما المشاهدين يتساءلون لماذا الزوراء غائبة عن هذا الحدث الخطير - أي إعدام الرئيس صدام- , أريد أن أقول إنه من سبعة أيام السلطات المصرية سلطات النايل سات تمنع الزوراء من تجديد البث وبث أي شيء تفرض علينا شروط ونحن نرفض هذه الشروط ..."
ويؤخذ على الزوراء بضع ملاحظات منها أنها تطرح نفسها صوتاَ للمقاومة بالرغم أن لكل فصيل من فصائل المقاومة موقع على الانترنت ومتحدث إعلامي.. كما أخذ عليها أيضاً تسويقها لحارث الضاري على أنه رمز للمقاومة وتلقيبه بشيخ الإسلام بالرغم أن الضاري أبدى نفيه لذلك, كما تسوق القناة لصاحبها مشعان الجبوري حيث تكرر إدخال مشاهد للجبوري بشكل غير مبرر في وسط كليبات وطنية وهو يزور مجالس قبائل وعشائر عراقية مما يضفي شعوراً على وجود البعد الذاتي في الطرح على حساب البعد الوطني...
و يظهر من الحين إلى أخر مراسل أو مذيع على شاشة الزوراء يلبس بزة عسكرية ويرتسم على وجهه الغضب ليعلن على الشاشة بيانات أو أخبار للمقاومة بصورة تترك المشاهد متفآجئاً من الأسلوب الذي قد لا يلقى تجاوباً من المتلقي... كما يلاحظ التناقض ما بين التوجه الواضح للمقاومة العراقية في رفض المشاركة في العملية السياسية، أو حتى الاتصال بها، وما بين موقف الجبوري – مالك المحطة - الذي شارك في العملية السياسية بدخوله البرلمان مما يضع المشاهد الواعي في شك من مصداقية توجه المحطة المفاجئ في تأييد المقاومة والتسويق لها.
لكن... بالرغم من كل الملاحظات على الزوراء ألا أن أنها كانت السباقة في تبني المقاومة العراقية والأكثر جرأة بدخولها عالم الإعلام المقاوم الذي كشف عن حقيقة الوضع في العراق ورفع الغطاء عن الكتمان الإعلامي على خسائر العدو, لتكون الزوراء بذلك أحد المنابر القليلة المتاحة للمقاومة في الوقت الذي تفتح الأبواب الفضائيات مشّرعة للمحتل ليبث أكاذيبه....