(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)


لعنة الضرائب في الأردن

د. إبراهيم علوش

 

تظهر النشرات الشهرية الصادرة عن وزارة المالية الأردنية نمواً انفجارياً في حصيلة الإيرادات الضريبية في الأردن خلال السنوات الماضية.  وبينما كانت حصيلة العائدات الضريبية للدولة مثلاً حوالي مليار دينار عام 2002، تقدر الإحصاءات الرسمية بأنها سوف تكون أقل بقليل من مليارين ونصف المليار دينار مع نهاية عام 2007، وهو ما يمثل زيادة في مستوى التحصيل الضريبي  بمقدار ضعفين ونصف تقريباً.

 

ولكن الناتج المحلي الإجمالي خلال سنوات 2002 – 2007 لم يزدد بمقدار ضعفين ونصف، بل ازداد من أقل من سبعة مليارات من الدنانير إلى أكثر من أحد عشر ملياراً خلال تلك الفترة (بالأسعار الجارية، أي بدون أخذ التضخم بعين الاعتبار)، وهو ما يمثل زيادة مقدارها 66 بالمئة فقط بالناتج المحلي الإجمالي.  وهذا يعني أن التحصيل الضريبي (لو افترضنا ثبات المعدل الضريبي) لا تبرره زيادة الدخل الوطني.  كما أنه يعني أن أغلبية الزيادة في التحصيل الضريبي في الأردن تعود لزيادة التحصيل الضريبي من نفس الوعاء كماً ونوعاً ونسبةً، وليس لزيادة الدخل الوطني.  وتظهر بيانات وزارة المالية نفسها أن المعدل السنوي لتزايد التحصيل الضريبي أعلى بكثير من معدلات نمو الاقتصاد لنفس الفترة.

 

باختصار، تعود معظم الزيادة في التحصيل الضريبي للولوغ أكثر في جيب المواطن.  فالجباية الحكومية في الأردن أصبحت من أهم عوامل ارتفاع متوسط الأسعار أو التضخم، وهي حالة فريدة من نوعها عالمياً، تضيف معاناة إلى معاناة المواطن، وهو يرى قوته الشرائية المحدودة تتآكل بسبب ارتفاع أسعار السلع والخدمات، جزئياً بسبب الزيادة المنتظمة للضرائب نسبةً ونوعاً!!  مع العلم أن مجلة الإيكونومست البريطانية صنفت عمان كأغلى عاصمة عربية، تليها دبي...

 

وتمثل الضرائب على المعاملات المحلية، أي الضریبة العامة على المبیعات وضریبة مغادرة الأردن وضریبة بیع العقار وضریبة تذاكر السفر بالجو، العنصر الرئيسي في زيادة العائدات الضريبية للدولة.  وقد ازدادت حصيلة ضريبة المبيعات فقط من أكثر بقليل من نصف مليار دينار عام  2002 إلى مليار وأربعمئة مليون دينار مقدرة لعام 2007. 

 

ومن المعروف أن ضريبة المبيعات هي ضريبة تناقصية، أي أنها تشكل نسبة أكبر من دخل الفقراء مما تشكل من دخل الأغنياء.  وهي تُدفع عند الاستهلاك فقط.  ولذلك، فإنها تقل كنسبة من الدخل كلما ازدادت نسبة الادخار، باعتبار الدخل الفردي المتاح إما أن يستهلك وإما أن يُدخر.   والنسبة المدخرة تزداد طبعاً كلما ازداد دخل المواطن، وتقل بالضرورة كلما قل دخله، ولذلك تشكل ضريبة المبيعات، كضريبة استهلاك، نسبة أكبر من دخل الفقير وكل من يستهلك نسبة أكبر من دخله، وقد باتت اليوم العنصر الأهم في الإيرادات الضريبية في الأردن.

 

وكذلك ازدادت الإيرادات غير الضريبية للدولة خلال نفس الفترة، خاصة الرسوم والرخص، من 570 مليون دينار عام 2002 إلى 1038 مليون مقدرة لعام 2007، أي حوالي الضعف.    

 

وبالمجمل، يفترض أن يزداد مجموع الإيرادات المحلية للدولة من أكثر من مليار ونصف مليار دينار عام 2002 إلى ثلاثة مليارات دينار ونصف المليار مقدرة لعام 2007.

 

وهذا طبعاً غير المنح والمساعدات والنوافل!

 

وبالنسبة لدولة تتبنى مفهوم "الاقتصاد الحر" وتروج له، دولة تفتح الأبواب على مصراعيها للشركات الكبرى الأجنبية لتتملك القطاع العام، ودولة تتيح لحفنة من المحتكرين المحليين أن يهيمنوا على استيراد عدد من المواد الأساسية، تحت عنوان "عدم تدخل الدولة بالاقتصاد" طبعاً، فإن زيادة الضرائب نوعاً ونسبةً تتناقض مع مفهوم "الاقتصاد الحر" نفسه، لأن الضريبة تمثل أحد أبرز أشكال التدخل الحكومي في الاقتصاد!!

 

وبالنسبة لدولة خضعت لبرنامج "تصحيح اقتصادي" صارم على مدى عقد ونصف تقريباً، بهدف "إزالة الاختلال الهيكلي"، أي الدعم الحكومي للسلع والخدمات، وتتهيأ حالياً لإزالة بقية الدعم عن النفط ومشتقاته، فإنه من غير المفهوم أن تتم إزالة الدعم وزيادة العبء الضريبي في آنٍ معاً.

 

ولو كان الجباية الحكومية الفاحشة في الأردن مترافقةً مع خدمات اجتماعية مماثلة لتلك التي تقدمها الدول الإسكندنافية لمواطنيها مثلاً، لو كان التعليم الجامعي مجانياً مثلاً، ولو كانت هناك تعويضات بطالة للمواطن،  ولو... ولو...، لأصبحت الجباية الحكومية مبررة.  ولكن الدولة قامت بحملات إعلانية واسعة النطاق في الشوارع منذ سنوات لتفهم الناس أن عليهم أن يتكلوا على أنفسهم، بعد الله، تحت عنوان "نفسي أولاً"!  إذن، الجباية لا يمكن تبريرها بتبني مفهوم "دولة الرفاه" الذي يتم التخلي عنه تدريجياً في ظل العولمة!

 

ولو كان هناك مشروع تنمية اقتصادية شاملة، كتصنيع وتكنولوجيا مثلاً ترعاهما الدولة وتشغل فيهما الشباب، لأصبح هناك مبرر للجباية المتصاعدة، ولكن الدولة تخلت منذ أمد عن المشروع التنموي للقطاع الخاص كما تقول!

 

ولو تم استخدام العائدات الحكومية من المواطن - بالإضافة لعوائد خصخصة القطاع العام - في تخفيض الدين العام، باعتبار الدين العام  ضرائب مستقبلية على المواطن بالمناسبة، لأصبح هناك ما يبرر تزايد الجباية المسعورة، ولكن النشرات الشهرية لوزارة المالية الأردنية نفسها تظهر أن الدين العام قد ازداد.. وقد ازداد الدين العام الخارجي حوالي مئة مليون دينار عام 2007 عن الخمسة مليارات دينار ونيف التي كان عليها عام 2002، وازداد الدين العام الداخلي أكثر من مليار دينار عن المليار ونيف الذي كان عليه عام 2002.  وخلال ذلك، ازدادت دفعات أقساط وفوائد الدين العام باضطراد حتى قدرت فوائده المستحقة عام 2007 بحوالي 400 مليون دينار سنوياً... 

 

ولو كان الأردن يخوض حرباً، ضد العدو الصهيوني مثلاً، لاعتبرنا الجباية ضريبة جهاد، ولكن الأردن لم يدخل حرباً منذ عام 1973...

 

باختصار، لا مبرر سياسي أو اقتصادي أو عقائدي لسياسة الجباية المتصاعدة من عامة المواطنين، خاصة من متوسطي الدخل والفقراء.  ولكن الدولة ستستمر باعتصار المواطن ضريبياً بسبب غياب أي معارضة جدية ومؤثرة للجباية، وليس لأي سبب أخر.  فالجباية ستستمر بالتصاعد طالما هي ممكنة، وليس لأن هناك ما يبررها، أو لأنها منسجمة مع فلسفة "الاقتصاد الحر"، أو أي فلسفة على الإطلاق، غير فلسفة القدرة على الجباية، إن لم يفكر الناس بطرق جماعية فعالة لإيقاف التصاعد العشوائي واليومي للجباية الضريبية المجنونة.