(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)


لماذا لا يتحرك الشارع العربي؟

 

د. إبراهيم علوش

 

العراق، فلسطين، لبنان، الصومال، الفقر، الفساد، الاستبداد، حصار غزة، أسعار المشتقات النفطية، التطبيع مع العدو الصهيوني، الضرائب، التبعية لأمريكا، عملية تفكيك العراق.. والسودان، البطالة، أزمة السكن، الثروة النفطية العربية المنهوبة، العقول العربية المهربة، مظاهر التخلف الاجتماعي، وغيرها مجردُ غيضِ من عناوينَ كثيرةٍ تستحق أن ينتفض الشارع العربي لأجلها.  لكنه لا يفعل!  وهو ما يترك مرارة في حلوق من يبشرون بالتغيير القادم، وبأن المآل لا يمكن أن يستمر على هذا الحال..  

 

أعداء الأمة الداخليون والخارجيون يسرحون ويمرحون في البلاد، ويعيثون في الأرض فساداً وفي الإنسان، فلا نرى المواطن العربي ينتفض، كما كان يفعل في الخمسينات والستينات مثلاً، بل يتساءل البعض إن كان ذلك المواطن لا يزال يتفاعل مع الحدث، إن كان يتابعه أصلاً!

 

هل أمسى المواطن العربي بهذه البلادة فعلاً؟  إذن، كيف يقف صامتاً أمام تدمير العراق وأمركته وتفريسه؟  وكيف يسكت على سياسة الإبادة الجماعية المتمثلة بحصار غزة (وهي سياسة إبادة جماعية بالمناسبة، ولو تمكن الغزيون من مجالدتها بكفاءة)؟  ولماذا يتجاهل المواطن العربي احتلال الصومال أو محاولات تفكيك السودان؟  ولماذا كان يتحرك من أجل حدث أصغر في الماضي، ولا يتحرك الآن لما هو أخطر؟!

 

هذه بعض أسئلة يطرحها المعنيون بهذه الأمة ومصيرِها، أو تُطرح عليهم، ببراءة وحنق حيناً، أو بخبث أحياناً أخرى، لإدانة نهج المقاومة ومشروع التغيير الذي يحملونه..  فالمستفيد من الأمر الواقع يتاجر بالضرورة بالإحباط ويوظفه سياسياً، فثمة أطراف محددة تستفيد من إشعار الجميع بأن الآفاق مسدودةٌ، وبأن الأمل بالتغيير مفقود، وبأن كل شيء انتهى وولى، وبأن الأمة إلى زوال، والتمسكَ بقضاياها نوعٌ من المحال.

 

لهذا تجد بين أبناء الأمة النجباء من وقع في شباك الإحباط، فتشرب الهزيمة في قلبه، واستسلم للقدر، مع أن الفرق بين الهزيمة والاستسلام هو إرادة القتال، ومع أن المقاومة أنارت لنا الطريق في العراق ولبنان وفلسطين، وهزمت من زعم البعض أنه لا يُهزم، وحققت ما أذاع البعض أنه ضربٌ من الخيال، فمن الواضح إذن أن أي مشكلة من مشاكلنا المزمنة والمستعصية لا تحل بالاستسلام لها ومن سبَّبها، بل بالتصدي لها ومواجهتها، فلماذا يصمت المواطن العربي إذن؟!!

 

المناضل والمجاهد وصاحب مشروع التغيير لا يملك رفاهية الإحباط، ولا يسمح لنفسه أن يروج له ولو شعر به.

 

والشعب، مثل الإنسان، يمر بدورات، ومراحل مدٍ وجزر، ككل شيء حي، وله عقل جمعي، كما للفرد عقل، فلا يبدد طاقته وإمكاناته في ما لا يجدي، ولا يقدم كيفما اتفق، دون توفر أسباب الإقدام وفرص النجاح، ولا يتجاوب بالضرورة مع أي استفزاز، خاصة إذا كانت الأمة تمر بمرحلة انكسار.

 

ومن يتمعن جيداً في المرات التي انتفض فيها الشارع العربي، خلال العقود الماضية بالأخص، لوجد أن انتفاضاته كانت تأتي، وفورانه كان يأتي، عفوياً إجمالاً.  والعفوية تعني غياب العمل الجماعي المنظم، وبالتالي، فإن الانفجار العفوي يفتقد للديمومة، ويصعب أن يحقق أهدافه، إلا مؤقتاً خلال مسايرة الحكام له.

 

ولنلاحظ أن الانفجار العفوي لم يكن يأتي في معظم الأحيان نتيجة استفزاز، أو مهانة قومية أو وطنية.  على العكس، نلاحظ أن احتلال بيروت عام 1982 لم يسبب انفجاراً عفوياً، ولا احتلال العراق عام 2003، ولا سياسة الإبادة الجماعية في حصار غزة، ولا احتلال الصومال مثلاً.

 

إذن فلننزع فكرة أن الشارع يجب أن يتحرك بالضرورة عند حدوث مهانة وطنية أو قومية من رؤوسنا.

 

متى يتحرك الشارع إذن؟  فلنأخذ أمثلة محددة نزل فيها المواطن للشارع فعلياً، أو استعد جماعياً لاتخاذ خطوات عملية كالتطوع للقتال، ولو لم يتمكن من تحقيق ذلك، مثل

: أ – انطلاق انتفاضة الأقصى في 28/9/2000، ونحن نمر بذكراها الثامنة هذه الأيام،

 ب – وقوف الشهيد صدام حسين، رحمه الله، في وجه قوى الهيمنة الخارجية في صيف عام 1990،

 ج -  تصاعد العمليات الاستشهادية البطولية في فلسطين في السنوات الأولى للانتفاضة، وفي العراق ضد الاحتلال بين عامي 2004 و2006،

 د – تأميم قناة السويس والوحدة المصرية-السورية وما شابه في الخمسينات والستينات.   ويمكن بسهولة أن نضيف إلى هذه اللائحة تحرير جنوب لبنان في 25/5/2000، وهو أحد الأسباب المباشرة لانفجار انتفاضة الأقصى نفسها، والصمود الأسطوري في جنوب لبنان في صيف عام 2006، ولو تمت التعمية عليه بحملة طائفية شنيعة.

 

إذن الشارع قد يتحرك، وقد لا يتحرك، عند حدوث مهانة قومية أو وطنية، خاصة إذا شعر أن التحرك غير مجدي أو أنه سيأتي بعد فوات الأوان.  ولكن الشارع أظهر أنه يميل للتحرك بدرجة أكبر في حالات النهوض الوطني أو القومي، مقابل حالات المهانة، في السنوات الأخيرة.   بالتحديد أكثر، يصبح التحرك الشعبي العربي أكثر احتمالاً عند:

   أ – وجود جهة ذات مصداقية تأخذ قراراً جدياً بالمواجهة،

 ب – وجود إمكانية أو قنوات لتحويل التحرك الشعبي العربي إلى دعم مفيد للجهة التي تأخذ قرار المواجهة.

 

نلاحظ إذن أن النهوض والمواجهة التي تمنح الناس أملاً باتا أكثر قدرة على تحريك الشارع من المهانة أو الذل، أساساً لأننا نمر بمرحلة انكسار عام.  ولو كنا نمر بمرحلة نهوض عام، كما في الخمسينات والستينات، لأصبحت المهانة أكثر قدرة على تحريك الناس، لأنها تصبح حينئذ كمن يريد أن يسرق النور من الشمس، ولذلك تحرك الناس مثلاً عشية هزيمة ال67.  أما إذا كنتُ غريقاً، فما خوفي من البلل؟!

 

من المهم إذن، في هذه المرحلة بالذات، أن نحارب الإحباط ومن ينشرون الإحباط، لأن مفتاح التحرك الشعبي هو لمعان ضوء الأمل العقلاني بالنصر، ولعب دور رافعة للنهوض، وهذا بالضبط هو ما يحرك الناس، وليس نشر الإحباط في صفوفهم من خلال نظم البكائيات في مآسي واقعنا العربي.  ففي مرحلة الانكسار، يتوجب الاستنهاض، ولهذا تتسامح الأنظمة في مثل هذه المرحلة مع كل أشكال "حرية التعبير" التي تعزز الشعور بالإحباط والذل...  ولذلك تحارب نهج المقاومة وتحاول تسخيفه.

 

والاستنهاض المطلوب هذه المرة ليس من النوع العفوي، بل من النوع الذي يتمتع بديمومة ما، لكي يتمكن من الوصول لأهدافه، وهو ما يتطلب:

أ – وجود جهة ذات مصداقية تقوم على المواجهة،

 ب – وجود إمكانية وقنوات لإيصال التحرك الشعبي لدعم قرار ومشروع المواجهة، فلو كان لحزب الله مشروع عربي مثلاً، يتجاوز لبنان، لاستطاع لو أراد أن يستقبل مئات آلاف المتطوعين العرب عشية 25/5/2000، أو عشية العدوان على لبنان في صيف 2006، وكذلك الأمر لو فُتحت الجبهات المحيطة بالعدو الصهيوني عشية انتفاضة الأقصى، أو لو سمحت الأنظمة العربية بتدفق المتطوعين للعراق،

 ج – وجود عمل سياسي منظم يستطيع أن يربط الشارع العربي بالجهة ذات المصداقية القائمة على المواجهة، كما في فترة الأحزاب والقوى السياسية ذات الرؤى الكبرى على صعيد كل الوطن. 

 

إذن بمقدار ما يشكل عدم تحرك الشارع العربي مشكلة، فإن تلك المشكلة تعود لغياب العوامل الثلاثة أعلاه، أي، غياب قرار المواجهة، وغياب مشروع المواجهة، وغياب الطلائع الثورية العربية عن الشارع.

 

وإلا، فإن خروج المواطنين فرادى للتعبير عن سخطهم لا يعبر بالضرورة عن عمل مجدي، مع أنهم يخرجون عفوياً بين الفينة والأخرى لإيصال رسالة ما، لكن هذا لا يشكل حلاً، وهم يعرفون ذلك.