(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)


ما هو العمل السياسي؟ وبماذا يفيد؟

 

د. إبراهيم علوش

 

فليعذرني الأساتذة الكبار وكل كوادر العمل الوطني المخضرمين، فقد بتنا نعيش في زمنٍ انكفأت فيه المشاريع والرؤى الوطنية الكبرى على مستوى الأمة، فانقلبت المقاييس، وتشوهت المفاهيم، خاصةً في صفوف الشباب، وبات من الضروري بالتالي أن نعود جميعاً إلى الأسس والبديهيات درءاً لخطر تحول العاملين بالشأن العام، بجميع توجهاتهم، إلى نخبة منفصلة عن الشعب الذي يتصدون لحل قضاياه من خلال العمل السياسي.  

 

إذ يظن البعض اليوم أن العمل السياسي عبارة عن "كلام بكلام"، وأن من يمارسونه ربما يخفون خلف ستار كلماتهم وشعاراتهم أجندات شخصية فحسب، أو مصالح خاصة يسعون لتحقيقها، أو أنهم نخبة اجتماعية تهوى اللهو بالمصطلحات الغامضة وتحب استعراضها.  ولا شك أن مثل هؤلاء موجودون بالطبع، وكثيراً ما تبرز حالات انحراف أو فساد بين السياسيين أو المسييسين العاملين في الشأن السياسي تؤكد مثل تلك القناعات عند من لا يرون جدوى الانخراط فيه، ولذلك لا يفهمون لمَ قد يقضي غيرهم الساعات الطوال مثلاً في مناقشة أو متابعة الشؤون السياسية، ناهيك عن جعل الالتزام السياسي أو العقائدي أولوية في حياته، ولمَ قد يعطي زيد أو عمرو الشأن السياسي أهمية أكبر بكثير من سائر شؤونه الفردية والشخصية كما هو دأب المجاهدين والمناضلين من أجل القضايا الكبرى مثلاً...  

 

وفي ظل سيادة ثقافة السعي لتحقيق "السعادة الفردية-الاستهلاكية" بأي ثمن، صار "الذكاء" يتمثل بالابتعاد عن "وجع الرأس" و"المشاكل"، أي عن الشأن العام، وبمحاولة إيجاد فقاعة آمنة يمكن أن يحمي المرء نفسه فيها من انعكاسات الشأن العام عليه شخصياً على طريقة "لأنك أنت أولاً..." أو إعلانات "ألواني" و"دراجتي" وكل ما يتصل بياء الأشياء الفردية المنفصلة عن باقي الكون.  

 

ففي ثقافة فردية استهلاكية من هذا النوع، يصير من الطبيعي أن يقال في الشهيد أو الأسير أو فيمن قضى عمره في العمل النضالي أو الجهادي: "مسكين، راحت عليه!".  وأن يقال فيمن يبيع ضميره وقناعاته للوصول إلى منصب أو ثروة: "شاطر!"... ما دام الوعي العام، أي الوعي السياسي، قد أصبح عبئاً على صاحبه يعيقه عن متابعة حياته بشكل طبيعي على طريقة "ذو العقل يشقى في النعيم بعقله"، حتى بدون مواجهة القمع والاضطهاد والاعتقال.

 

ولا شك أن الأنظمة العربية المعنية بإبعاد أوسع قطاعات الشباب عن الشأن السياسي، بكافة وسائل الترغيب والترهيب - حتى وهي تتحدث عن "التنمية السياسية" - هي من أول الجهات المعنية بتوسيع تلك الحالة من الجهل والتجهيل بين الشباب، لأن من ينغمس في الشأن الفردي لا يعارض السياسات الحكومية ولا يسأل عن الفساد والمال العام، ولا عن موارد الدولة، أي موارد الشعب، ولا عن التفريط بالقضايا الوطنية والقومية الكبرى، قضايانا، قضايا الأمة.  وأفضل الظروف بالنسبة لأي نظام قمعي أو مستبد هي بالضرورة تلك التي لا يضطر فيها النظام لقمع معارضيه وقوى المجتمع الحية إذا تمكن من خلق أجواء يعزف فيها الناس عن العناية بشأنهم العام، وصولاً إلى تدمير الوعي العام برمته، وهو الأمر الذي نجح النظام السياسي الأمريكي مثلاً  بتحقيقه إلى حد كبير في الولايات المتحدة نفسها.

 

والفضائيات التي تقتات عليها عقول الشباب العربي اليوم لا يكمن خطرها الأول بتهديد الأخلاق العامة، برأيي المتواضع، بل بتكريس نمط الحياة الفردية وقيم الانغماس في الذات، بعيداً عن الشأن العام، في عالم هروبي مفتعل يصبح هم من يلجأ إليه أن يعيد إنتاجه بقدر الإمكان في حياته الواقعية.

 

وفقهاء السلاطين الذين يوجهون الناس للعناية بالشعائر فحسب، ويتركون القضايا الكبرى للأمة ليعنوا بالسفاسف، ليسوا إلا الوجه الأخر للفضائيات وكل مروجي الثقافة الهروبية، بالرغم من خطابهم الأخلاقي، لأنهم يقومون أيضاً بتوجيه الناس بعيداً عن الشأن العام، وعن العمل للتصدي الفاعل لمشاكله.

 

والمثقفون الذين يتذيلون للسلاطين ليقنعوا الناس في النهاية أن شؤونهم بأيدٍ أمينة لا يجوز أن تُسال عما تقوم به، ومثقفو منظمات التمويل الأجنبي الساعين لتحقيق ذاتهم الثقافية من خلال التساوق مع أجندات معادية للأمة في النهاية، خاصة من حيث مسخ العمل السياسي وتفكيكه إلى مجموعة من النشاطات الخيرية تتصدى لعوارض الأزمات بدلاً من جذورها، هم أيضاً جزءٌ من مشروع تدمير الوعي العام والعمل السياسي.

 

لكن الشأن العام ليس إلا الشأن الذي يؤثر على أعداد كبيرة من الناس، فقد يبدو شخصياً بالنسبة لكلٍ منهم، مثل معاناته المعيشية، أو خوفه من التعبير بحرية عما يجيش بصدره، أو شعوره الدائم بالخطر الذي يتهدده في الأقطار العربية الواقعة تحت الاحتلال أو المهددة بالاجتياحات والتفكيك والحروب الأهلية.  وهذا النوع من الإشكالات لا يمكن التصدي له بشكل فردي.  فالمشكلة العامة تحتاج إلى أداة معالجة عامة.  وتلك الأداة العامة ليست إلا الحركة السياسية أو الحركة المقاومة التي تضع تصوراً وبرنامجاً ومشروعاً للتعاطي معها، مع الاحتلال الصهيوني لفلسطين مثلاً، أو الاحتلال الأمريكي للعراق، أو مع المشكلة الاقتصادية لعشرات ملايين المواطنين العرب التي تأخذ شكل أزمات بطالة وسكن وارتفاع لا يتوقف للأسعار، أو مع تشظي وطننا إلى أقطار وطوائف واثنيات وعشائر وحارات، الخ...

 

ومشكلة هذه القضايا العامة أنها تتفاقم بمقدار ما نتجاهلها، فهي لا تحل من تلقاء نفسها، خاصة في ظل وجود قوى صاحبة مصلحة بتفاقمها، أو هي المسؤولة عن وجودها بالأساس، كالطرف الأمريكي-الصهيوني مثلاً. 

 

والعمل العام ليس عملاً خيرياً لمساعدة الفقراء والمحتاجين بالمناسبة. فالعمل الخيري له أهله، لكن مسخ العمل العام أو السياسي إلى عمل خيري، أو إلى إنشاء شبكة للخدمات الاجتماعية مثلاً، يشتت الانتباه والجهود عن العمل السياسي الحقيقي لتغيير الواقع جذرياً.  وتعرف القوى السياسية التي تتحمل عبء إنشاء مثل تلك الشبكات لتقديم الخدمات الاجتماعية والخيرية جيداً أنها تصبح أحياناً عبئاً حقيقياً عليها، مالياً وإدارياً، حتى وهي تجني منها المصداقية السياسية فقط لأن بعض الناس لا يرون أن رب فضائية أو وسيلة إعلامية أو حركة سياسية أو نشاط مقاوم أو فكري أو ثقافي أقدر بكثير على تغيير الواقع وحل إشكالاته من إنشاء جمعية خيرية، وأحق بالدعم مئة مرة من النشاط الخيري.

 

واليهود تراهم يغدقون التبرعات ويصبون الجهود الحثيثة على منظماتهم السياسية والإعلامية لأنهم يدركون أن إمساكهم بالشأن العام هو مفتاح قوتهم، لا مساعدة محتاج هنا أو فقير هناك، بالرغم من أهمية ذلك.  ولا يقلل من أهمية العمل العام حدوث فساد فيه هنا أو تسلل انتهازيين إليه هناك، بالضبط لأن القضية الأساسية تبقى أن الشأن العام هو مربط الفرس في كل المجتمعات، وهو القاسم المشترك بين كل الأشياء الاجتماعية والفردية، وفيه تكمن قوة المجتمعات وضعفها. 

 

فالشأن السياسي إذن هو كل ما يمسك ويمسني ويمس الجميع، وبالتالي فإن التصدي له هو شرط وجودنا كمواطنين وكبشر على هذه الأرض، لا مجرد منتدى خاص لمن حلوا مشاكلهم الشخصية كما يظن البعض.