(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)
مليارديرات الإعلام:
ديفيد ثومسون يجتاح وكالة رويترز
د. إبراهيم علوش
في نهاية شهر تموز / يوليو 2007، سيطر الإمبراطور الإعلامي روبرت ميردوخ رسمياً على صحيفة وول ستريت جورنال، ثاني أكبر يومية في الولايات المتحدة من حيث التوزيع الورقي، مقابل خمسة مليارات من الدولارات. وقد مثلت تلك الخطوة تعزيزاً لإمبراطورية ميردوخ المالية والإعلامية المترامية الأطراف، وبالتالي لقوته السياسية. وترافق ذلك مع إضراب لمحرري الوول ستيريت جورنال احتجاجاً على سيطرة ميردوخ على صحيفتهم، وهو ما اعتبروه ابتلاعاً لاستقلالية الصحيفة، التي أخذت اسمها من شارع وول حيث بورصة نيويورك، من قبل ميردوخ المعروف بأجندته السياسية المتطرفة في تعاطفها مع المحافظين الجدد.
وكان ميردوخ قد تقدم لالتهام شركة داو جونز مالكة صحيفة الوول ستيريت في 1/5/2007. وفي 15/5/2007، وقبل أن يُتم ميردوخ مشروع سيطرته على داو جونز، تقدم عملاق مالي-إعلامي-ثقافي أخر هو شركة ثومسون الكندية بدوره لابتلاع وكالة أنباء رويترز البريطانية المعروفة. وشركة ثومسون بالطبع من بين أكبر ناشري الكتب العلمية والأكاديمية في العالم، ولكنها قبل ذلك شركة تكنولوجيا معلومات، خاصة المعلومات المالية. وقد اتفق الطرفان على "الاندماج" مقابل 18،14 مليار دولار لرويترز، بحيث تتكون شركة جديدة هي ثومسون-رويترز يرأسها ديفيد ثومسون رئيس مجلس إدارة شركة ثومسون، ويديرها توم غلوسر مدير رويترز. ويملك آل ثومسون 53% من الشركة الجديدة، وتملك شركة ثومسون ككل ثلاثة أرباعها.
العائدات السنوية لشركة رويترز عام 2006 بلغت أكثر من ملياري ونصف المليار دولار، وبلغت أرباحها الصافية في نفس العام أكثر من ثلاثمئة مليون دولار. أما شركة ثومسون، بفروعها الخمسة، فبلغت عائداتها في نفس العام ستة مليارات و641 مليون دولار، وبلغت أرباحها ملياراً ومئة وعشرين مليون دولار عام 2006 حسب موسوعة ويكيبيديا على الإنترنت. ويبلغ عدد موظفي وعمال شركة ثومسون وحدها أقل من أربعين ألفاً...
وتُعرف شركة رويترز في الدول العربية باسم وكالة أنبائها، التي تزود الصحف ووسائل الإعلام بالتقارير الإخبارية باسم رويترز، ولكن وكالة الأنباء لا تمثل إلا عشرة بالمئة من عمليات شركة رويترز، حسب تعريف الشركة لنفسها على موقعها على الإنترنت. أما التسعون بالمئة الباقية، وهي الأهم، فتتركز على جمع وتوزيع المعلومات المالية، مثلاً أسعار الأسهم والعملات، وإنتاج وبيع برامج التداول الالكتروني، وخدمة تحليل الأسواق والشركات... وهي تشكل بهذا منافساً حقيقياً لشركة داو جونز، صاحبة صحيفة وول ستريت، التي تقوم بنفس الدور، ولشركة بلومبرغ. وهو ما يكشف المنطق التجاري في سعي شركة ثومسون للسيطرة على شركة رويترز أسوةً بما فعله ميردوخ مع شركة داو جونز. فالشركة الكبيرة تأكل الصغيرة، ولكن ليس كما اتفق، بل ضمن منطق تجاري وتنافسي في آنٍ معاً. أما البعد السياسي، فهو ذاك الناتج عن تمركز وسائل الإعلام والثقافة بيد عدد أقل وأقل من أباطرة المال.
وفقط على سبيل العلم والخبر، كان مؤسس شركة رويترز في منتصف القرن التاسع عشر يهودياً ألمانياً اسمه بول جوليوس رويترز انتقل فيما بعد إلى بريطانيا. وقد تحولت رويترز إلى شركة مساهمة عام 1984، وفرضت قانوناً يمنع أية جهة من امتلاك أكثر من 15 بالمئة من أسهم الشركة، ولهذا عندما اشترى روبرت ميردوخ شركة استرالية تمتلك أسهماً في رويترز في بداية الثمانينات، فرض عليه أن يقلص أسهمه في رويترز تماشياً مع قانون الشركة لأنه كان يمتلك 15بالمئة من رويترز أصلاً. ولذلك عندما لهط وكالة رويترز منافس أخر هو ديفيد ثومسون وأصبح مالكاً ل53% من أسهمها، قامت الشركة بإلغاء القانون الذي يحدد الملكية المسموح بها بخمسة عشرة بالمئة من أجل عيون ثومسون.
ديفيد ثومسون من جهته هو ابن اللورد كنيث ثومسون، من العائلة البريطانية الأصل المهاجرة إلى كندا، والتي اعتبرتها مجلة فوربز في 9/3/2006 أغنى عائلة في كندا بثروة تناهز عشرين مليار دولار أمريكي في ذلك الوقت، وأكثر من ذلك بمليارين ونصف مع نهاية عام 2007.
وشركة ثومسون القابضة التي أسسها اللورد كنيث ثومسون لديها استثمارات في مجالات متنوعة، مثل أية كتلة مالية كبرى، ولكنها اشتهرت بإمبراطوريتها الإعلامية التي كانت تضم لفترة صحفاً ووسائل إعلام وقنوات تلفزيونية عديدة، منها صحيفة "الغلوب أند ميل" الكندية المرموقة، أحد أكبر الصحف الكندية، وصحيفة التايمز والساندي تايمز في بريطانيا، والجيروزاليم بوست في الكيان الصهيوني، وغيرها الكثير من قنوات الكايبل. وفيما بعد، تخلصت عائلة ثومسون من إمبراطوريتها الإعلامية العالمية لتنصرف بشكل كلي تقريباً نحو تكنولوجيا المعلومات المالية والنشر والتجارة الالكترونية، إلا في كندا، حيث ما برح آل ثومسون يملكون أكبر حصة، أو أربعين بالمئة، من شركة CTVglobemedia التي تملك صحيفة الغلوب أند ميل وعدداً من القنوات التلفزيونية الرئيسية. وقد اشترى التايمز البريطانية منهم مثلاً روبرت ميردوخ عام 1981 حسب صحيفة اليو أس إيه تودي في 12/6/2006 (تاريخ وفاة كنيث ثومسون)...
وفي عام 2002 تقاعد كنيث ثومسون واستلم مكانه ابنه ديفيد ثومسون الذي اشترى رويترز كما سبقت الإشارة. وفي صيف عام 2006 توفي كنيث ثومسون وكان ديفيد في الثامنة والأربعين من عمره. ولم يعرف عنه أو عن ابنه ديفيد حبهما للتدخل علناً بالشأن العام، على عكس ميردوخ مثلاً. كما عرف عن العائلة ميلها للتحفظ بشأن التصريح عن آرائها السياسية، وحرصها على تجنب الإعلام. ولكن، في النهاية، لا بد لرأس المال أن يخدم مصلحة رأس المال. ولو جاء ذلك من منطلق تجاري محض، إذا افترضنا أن السيطرة على رويترز جاء بقصد السيطرة على سوق الخدمات المالية والالكترونية، لا على وكالة الأنباء.
بجميع الأحوال، سبق أن تعرضت وكالة رويترز للنقد في الوسائل الإعلامية الأمريكية بذريعة "عدائها لإسرائيل"، لأنها تتردد باستخدام مصطلح "إرهابي" أسوةً بوسائل الإعلام العالمية، خاصة عندما يتعلق الأمر بالعرب والمسلمين... فكيف سيصبح توجه رويترز في ظل آل ثومسون؟ وهل يمكن أن يبيعوا وكالة الأنباء بشكل مستقل، بما تمثله من ثقل في الإعلام العالمي، إن أرادوا أن ينأوا بأنفسهم عن حلبة المعترك السياسي والإعلامي المباشر؟ وبالحالتين، فإن وكالة الأنباء قد أصبحت ملحقاً صغيراً للخدمات المالية والنشر الالكتروني، بكل ما يحتويه ذلك الموقف من رمزية...
ولو وضعنا وكالة رويترز للأنباء جانباً، فإن الاندماج بين شركتي ثومسون ورويترز يتعرض حالياً للتدقيق من قسم مكافحة الاحتكار في وزارة العدل الأمريكية، ومن الاتحاد الأوروبي، حيث أن الشركتين معاً ستسيطران على حصة كبيرة من سوق المعلومات المالية. ويفترض أن تصدر وزارة العدل الأمريكية حكمها على هذا الاندماج بين الشركتين في 15/1/2008، أما الاتحاد الأوروبي، فيفترض أن يصدر حكمه في 25/2/2008، حسب تقرير... لوكالة رويترز عن نفسها... في 9/10/2007، وسبب تدخل وزارة العدل الأمريكية هو أن للشركتين عمليات كبيرة في الولايات المتحدة طبعاً، مما يؤثر على السوق الأمريكية. ولكن التوجه العام في السنين الأخيرة، بالنسبة لتطبيق قانون مكافحة الاحتكار، كان باتجاه التساهل مع توسيع الشركات الكبرى لحصصها السوقية, بعد اندماج ثومسون ورويترز، فإن حصتهما السوقية المشتركة في الولايات المتحدة، حسب موقع marketwatch في 15/5/2007، لن يتجاوز 34 بالمئة من السوق، بينما حصة الشركة المنافسة بلومبيرغ حالياً من سوق الخدمات المالية هو 33 بالمئة!!! ولكن من يعلم طبيعة المصالح المستفيدة أو المتضررة من القرار القضائي بالنسبة للاندماج، ومدى تأثير تلك المصالح على اتخاذ ذلك القرار!!