(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)
مليارديرات الإعلام:
مؤسسة هِرست إمبراطورية إعلامية تتجاوز مؤسسها
د. إبراهيم علوش
بعيداً عن بعض وسائل الإعلام الأمريكية المعروفة دولياً مثل محطة السي أن أن CNN أو إذاعة صوت أمريكا Voice of America أو صحف مثل الواشنطن بوست أو النيويورك تايمز وغيرها، يقتات الشعب الأمريكي عامةً على كم هائل من وسائل إعلام محلية أو وطنية من المؤكد أن تذهل المراقب الإعلامي بكثرتها القائمة على التخصص في القطاع الجماهيري الذي تتوجه إليه سواء كان سكان مدينة صغيرة مثلاً أو محبي الدراجات النارية أو هواة علم النفس غير المتخصصين، الخ...، في سوق إعلامية مفتوحة قد يبدو للوهلة الأولى أن سقفها السماء ما دمت تمتلك رأس المال اللازم للانتشار على الأرض. وهذه النقطة الأخيرة مهمة جداً، لأنها تعني أن سماء الحرية الإعلامية لا تظلل من يفتقدون لرأس المال وللعلاقات اللازمين ليكونوا جزءاً من هذه الشبكة المترامية الأطراف، أو من يعجزون عن الالتحاق بها من خارج لعبة السوق التي تسيطر عليها حفنة صغيرة جداً في النهاية من إمبراطوريات الإعلام...
وبالرغم من كثرتها المذهلة إذن، يلاحظ المراقب غير الأمريكي بسهولة مدى غياب التنوع في التوجهات السياسية والعقائدية لوسائل الإعلام الجماهيرية الأمريكية، أو بالأحرى، مدى غياب أي توجه سياسي أو عقائدي ظاهر فيها، وسيطرة نزعة اللاتسييس عليها، والتركيز عوضاً عن ذلك على أدق تفصيلات الشؤون المحلية والجزئية والخاصة على حساب الشأن العالمي أساساً، ثم على حساب الشأن الوطني الأمريكي نفسه، وأساساً على حساب احتقار الأيديولوجيا.
فالقاسم المشترك بين أغلب هذه الوسائل الإعلامية هو منهجية تفكيك الوعي العام حيث تتمسك بالجدية، أو نزعة تحويل الخبر والتقرير إلى تسلية وترفيه، والتسطيح والتغابي، في بقية الحالات. وكأن تلك الوسائل، بأغلبها، قد تحولت إلى حاجزٍ نفسي وسياسي بين المواطن وبين شأنه العام في مهرجانٍ لا ينتهي لعبادة الذات وتمجيد التعددية والتنوع والحرية التي تصب في النهاية في معبد "نمط الحياة الأمريكية" وتكريس استقرار النظام السياسي.
ولم يحدث هذا الأمر صدفةً بالطبع، بل جاء نتاج الجهد المنهجي المنظم لمؤسسات إعلامية أمريكية عملاقة مثل مؤسسة هِرست The Hearst Corporation.
ومؤسسة هِرست من الشركات الأمريكية الأصيلة التي نبتت وتعملقت في تربة الصحافة الأمريكية الجماهيرية، لكن مشاريعها وفروعها الخارجية لا تتناسب مع حجمها التجاري الذي يضارع اليوم أكبر المؤسسات الإعلامية الدولية من حيث العائدات والأرباح وعدد الوسائل الإعلامية التي تسيطر عليها. وعندما تعمل في الخارج، فإنها تصدر نفس الإعلام والثقافة السطحيين الذين ساهمت بجعلهما جزءاً من العقل الجمعي الأمريكي. ولذلك فإن هِرست تمثل نموذجاً حقيقياً للإعلام الأمريكي الجماهيري الذي يدير ظهره للعالم، ويفتت الاهتمامات إلى محلية أو جزئية تفصيلية، ويعزلها عن الشأن العام، السياسي بالأخص، ومن ثم يعيد إنتاج هذا الإعلام المعلب، لكن البراق، بلغات أجنبية لجمهور دول أخرى، أيضاً بتباطؤ ينم عن عدم اكتراث ببقية العالم... والقرار يتخذ دوماً في مقر شركة هِرست، الذي يمزج الحديد والزجاج في ناطحة سحاب تقف كصنمٍ معاصر في منهاتن في قلب مدينة نيويورك.
http://en.wikipedia.org/wiki/Image:Hearstowernyc.JPG
وقد سبق تناول الإمبراطوريات الإعلامية الدولية لروبرت ميردوخ (استرالي الأصل)، وكونراد بلاك (كندي)، وديفيد ثومسون (كندي)، وسلفيو برلسكوني (إيطالي). ومع أن كل هؤلاء كانوا كنمط عام يتمددون من بلدان منشأهم باتجاه التهام وسائل إعلام أمريكية وعالمية بارزة أو ثانوية، لتشكيل كتل إعلامية عملاقة باتت بحد ذاتها مصدراً لتعزيز دورهم السياسي وقوتهم المالية، ولتمرير أجندات تتجاوزهم كأفراد لإعادة صياغة العالم، فإن دور مؤسسة هِرست، رغم تعملقها، بقي محصوراً أساساً في السياق الأمريكي، وبتصدير النمط الأمريكي للإعلام والثقافة الجماهيرية، غير مفلتر، على طريقة قناة MBC4 مثلاً.
ولا نجد بين الوسائل الإعلامية المهمة التي تملكها أو تسيطر عليها هِرست وسيلة دولية واحدة باستثناء شركة برامج كوزموبوليتَن التلفزيونية التي تنتج وتوزع البرامج النسائية بالإسبانية لإسبانيا، وشركة مماثلة لها موجهة لنساء أمريكا اللاتينية تملك مؤسسة هِرست نصفها، وحتى هذه أمريكية الطابع، وتمثل تنويعاً لقناة كوزموبوليتن الأمريكية التي تملكها هِرست.
ولا يعني ذلك أبداً أن مؤسسة هِرست لا تعمل خارج الولايات المتحدة، ولكن المقصود هو أنها تروج عالمياً للإعلام الجماهيري الموجه للأمريكيين، في نموذج مثالي لعلاقة التبعية الإعلامية والثقافية بين العالم الثالث ودول المركز... فهذا النموذج الاستهلاكي هو الجيل الثاني من المنتجات الإعلامية والثقافية بعد قناة CNN، أو إذاعة صوت أمريكا VOA، وصحف مثل النيويورك تايمز والواشنطن بوست.
يزيد عمر مؤسسة هِرست حسب موقعها على الإنترنت عن مئة وعشرين عاماً، ويبلغ عدد موظفي مؤسسة هِرست عام 2008 حوالي عشرين ألفاً يتوزعون على ستة أقسام في المؤسسة:
1) قسم الصحف اليومية، ويضم خمس عشرة صحيفة، أبرزها صحف في مدن أمريكية كبرى مثل هيوستن كرونيكل، سان فرنسيسكو كرونيكل، سياتل بوست انتلجنسر، وغيرها.
2) قسم المجلات، ويضم واحداً وعشرين مجلة، كلها غير سياسية، أبرزها مجلة كوزموبوليتَن، وأسكوير، والميكانيكات الشعبية، ومجلة أوبرا وينفري، ورد بوك وغيرها، وينشر هذا القسم عشرين مجلة في بريطانيا، وتصدر مئتا طبعة دولية من مجلات هِرست المختلفة. ويلحق بهذا القسم دار نشر تصدر ستين عنواناً سنوياً (طبخ، بستنة، تصميم داخلي، الخ...).
(ويضاف إلى ما سبق 44 صحيفة و38 مجلة تمتلك فيها هِرست حصصاً... بالاشتراك مع مجموعة إعلامية عملاقة أخرى هي ميديا نيوز MediaNews. وقد تعرض الطرفان، هِرست وميديا نيوز، لمحاكمة في مدينة سان فرانسيسكو بتهمة محاولة تثبيت أسعار الإعلانات احتكارياً في 14/7/2006، انتهت بتسوية قضائية).
3) قسم الإذاعة والتلفزيون، وتملك مؤسسة هِرست ستةً وعشرين محطة تلفزيونية أمريكية محلية، وتسهم بإدارة ثلاث محطات أخرى، ومحطتين إذاعيتين، كلها محلية أمريكية.
4) قسم محطات الكيبل Cable، وهو ما يعادل الفضائيات عندنا، ويضم تسع قنوات معروفة أمريكياً مثل A&E، وLifetime النسائية، وقناة التاريخ History Channel، وقناة كوزموبوليتن Cosmopolitan النسائية، وقناة ESPN الرياضية، غيرها، ويضم هذا القسم أيضاً شركتان تبيعان الرسوم الكاركاتورية والأحاجي والأعمدة الصحفية لأكثر من ستة آلاف صحيفة ومجلة حول العالم، ولننتبه هنا لأهمية استرضاء هِرست بالنسبة للكاتب الصحفي (والثمن؟)... ومثل هذه الشركات التي تسيطر على الأعمدة في الصحف الأمريكية غير مقتصرة على هِرست بالمناسبة.
5) قسم وسائل الاتصال المتفاعلة Interactive Media، وهو الجيل الجديد بعد أفول وسائل الإعلام الورقية، ويضم هذا القسم في هِرست أكثر من ثلاثين فرعاً، منها مثلاً محطة XM للبث الإذاعي عبر الفضائيات، وهي تبث على مئة محطة إذاعية للمشتركين فقط وبدون إعلانات، ومنها مثلاً Double Fusion لبث الإعلانات في ألعاب الكومبيوتر، ومنها مثلاً شركة خدمات الإنترنت Exodus، وغيرها كثير.
6) قسم وسائل الاتصال التجارية، ومنها مثلاً Black Book، وهو دليل دوري لأسعار السيارات الجديدة والمستعملة، ومنها مثلاً Stocknet وهو بنك معلومات على النت لمخزون القطع الالكترونية المتوفرة، وغيرها حوالي عشرين فرعاً. كما أن هذا القسم يملك حصصاً معتبرة من أسهم شركات سيارات والكترونيات وأدوية ومعدات طبية وبنوك، مما يجعل هِرست جزءاً عضوياً من المجمع الصناعي والمصرفي الأمريكي!
وتقوم شركات الإعلام والاتصال عالمياً بزيادة استثماراتها في وسائل الاتصال المتفاعلة ووسائل الاتصال التجارية بالأخص بسبب تآكل نمو وسائل الإعلام والثقافة الورقية.
ومن الواضح طبعاً أن أرباح هِرست تتراوح من عامٍ لأخر، ولكن عائداتها دوماً بالمليارات. عام 2005 مثلاً كانت عائداتها أكثر من سبعة مليارات من الدولارات، وأرباحها أكثر من 850 مليون دولار، حسب النيويورك تايمز في 5/6/2006. والغريب أن المعلومات المالية عن الشركة يصعب الحصول عليها على النت، والشركة تضعها على شكل نسب مئوية، تقول أن العائدات والأرباح في تزايد، دون الإدلاء بالكثير من التفاصيل حول القيم المطلقة!
وقد بدأ هذا كله بلعبة قمار في ثمانيات القرن التاسع عشر عندما ربح المليونير جورج هِرست، صاحب المناجم والمزارع، صحيفة سان فرانسيسكو إكزامينر San Francisco Examiner على الطاولة. فأصر ابنه وليم راندولف هِرست، وكان طالباً في جامعة هارفرد التي طردته لسوء خلقه، على أبيه أن يسلمه رئاسة تحرير الجريدة المذكورة. وهكذا استلم وليم راندولف هِرست، ابن الثلاث وعشرين عاماً، رئاسة تحرير الصحيفة، عام 1887، وبقيت السان فرانسيسكو إكزامينر في عهدة مؤسسة هِرست حتى عام 2000، عندما تخلت عنها مكرهةً، تجنباً لوقوعها تحت وطأة قانون مكافحة الاحتكار، بعد سيطرة هِرست على الصحيفة المنافسة لها: سان فرانسيسكو كرونيكل.
المهم، أنفق وليم راندولف هِرست عدة ملايين من الدولارات من ثروة العائلة لتطوير الصحيفة، وكرس وقته لها، وأدرك ماذا يريد الجمهور، فوجه صحيفته إلى مكافحة الفساد في البلدية، وإلى المطالب اليومية للجمهور، فانتشرت وقويت.
وتقول موسوعة ويكيبديا على الإنترنت أن وليم راندولف هِرست انتقل إلى نيويورك بعدها ليتتلمذ على يد الصحفي المشهور جوزيف بوليتزر الذي ما زالت تسمى جائزة الصحافة الأمريكية باسمه. ولكن وليم راندولف هِرست اشترى بعدها صحيفة نيويورك جورنال ليخوض فيها منافسة ضارية مع معلمه بوليتزر في صحيفة النيويورك ورلد. وتعتبر منافستهما مسؤولة عن الانحطاط الذي أصاب الصحافة الجماهيرية الأمريكية، وقد ولدت رسمياً ما يسمى "الصحافة الصفراء"، أي الصحافة ذات المصداقية المتردية القائمة على الإثارة والتشويق والسطحية ومداعبة الغرائز الدنيا للجمهور، وقد سُحقت النيويورك تايمز، الصحيفة المرموقة في هذه المنافسة، لأن هِرست وبوليتزر خفضا ثمن العدد الواحد من صحيفتيهما إلى قرش واحد، بينما كانت تباع التايمز بثلاثة قروش!
أما سياسياً، فقد ركز هِرست في نهجه الإعلامي بالإضافة إلى ما سبق على تبني المطالب اليومية للعمال، طالما لا تمس بنية النظام الرأسمالي، وعلى التحريض القومي المتعصب، ولعب دوراً في التحريض على الحرب ضد إسبانيا في القرن التاسع عشر، حتى أنه زور وثائق ادعى أنه حصل عليها من المكسيك ونشرها في جريدته لإثارة الجمهور، وانكشف الأمر، ولم يحدث له شيء.
وقد سيطر أو تملك هِرست الابن بعدها ثلاثين صحيفة يومية محلية في مدن أمريكية رئيسية، وبها بنى إمبراطوريته الإعلامية، وصعد معها إلى مجلس النواب الأمريكي مرتين، ولكنه فشل، بالرغم من ذلك، في انتخابات رئيس بلدية مدينة نيويورك، وانتخابات حاكم ولاية نيويورك.
واستمرت إمبراطورية هِرست الإعلامية بالنمو، تساندها قوته المالية التي ورثها عن أبيه في المناجم والمزارع والأخشاب، حتى بلغت أوجها في عشرينات القرن العشرين. وقد توسع خلالها إلى مجال نشر الكتب وإلى المجلات. ولكن عندما أتى الكساد العظيم الذي ضرب الاقتصاد الأمريكي في نهاية العشرينات، تعرضت شركات هِرست الإعلامية للإفلاس، وانتهى وليم راندولف هِرست مديراً يعمل لدى مجلس إدارة في الإمبراطورية التي أسسها. فرأس المال والشركات الكبرى تتمتع بحياة وقوة تستمر بعد مؤسسيها. وتحول هيرست بعد ذلك إلى توظيف صحفه سياسياً في محاربة الشيوعية ونقابات العمال، دوماً باستخدام النمط الذي يحاكي غرائز الجمهور ويزيد التوزيع. واستمر على هذا النهج حتى وفاته عام 1951، وتذكر مواقع يهودية متعددة على الإنترنت أنه كرس الفترة الأخيرة من حياته للدعوة لتأسيس دولة يهودية في فلسطين! ويبدو أن علاقته باليهود كانت قوية منذ البداية، حيث تدل عدة مراجع أنه استأذن زعماء اليهود الأمريكيين لمقابلة هتلر في ألمانيا عام 1934، للتأكيد بأن ما سيقوم به سيكون مفيداً لهم، فأذنوا له!!
وبالطبع لم يمت وليم هِرست فقيراً أو معدماً، وقد حاول استعادة جبروته المالي، ونجح جزئياً دون التمكن من العودة لما كان عليه في العشرينات. أما الإمبراطورية التي أسسها فقد استمرت بالتوسع والنمو كما رأينا أعلاه. ولكن وليم راندولف هِرست لم يترك تلك الإمبراطورية بيد غيره، بل فرض، بناءً على الاتفاقية المبرمة معه عندما تخلى عن السيطرة الكاملة عليها، أن تكون لعائلته خمسة مقاعد من أصل المقاعد الثلاثة عشرة في مجلس أمناء المؤسسة، وأن يكون رئيس الشركة دوماً من عائلته، حتى يموت أخر حفيد له كان حياً عند مماته، ولذلك ما زال يرئس مؤسسة هيرست اليوم احد أحفاد وليم، واسمه جورج راندولف هِرست الثاني!!
والمهم أن المؤسسة تبقى وتزدهر وتسيطر بعد أن ذهب مؤسسوها. تلك حكمة رأس المال في الدول المتقدمة، حيث يصبح مالكه خادماً له حتى وهو يظن العكس.