3
(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)
"الزائر الدولي" برنامج لزيادة التفاهم المشترك أم لتنفيذ الأجندات السياسية
واشنطن- فاطمة الصمادي/ للصوت العربي الحر
"الزائر الدولي" عنوان برنامج ترعاه وزارة الخارجية الأميركية, وينفذه مكتب الشؤون التعليمية والثقافية في الوزارة.
وتقدم الحكومة الأميركية البرنامج بوصفه برنامجا يعمل على تعزيز التفاهم المشترك بين الولايات المتحدة الأميركية والدول الأخرى عبر برامج التدريب والتعليم الدولية, ويروج المكتب للروابط الشخصية والمهنية والمؤسساتية بين المواطنين والمنظمات في الولايات المتحدة والخارج.
تقوم آلية البرنامج على إحضار المشاركين إلى الولايات المتحدة الأميركية من جميع أنحاء العالم في كل عام لمقابلة نظرائهم المهنيين وزيادة التفاهم المشترك والتواصل على الصعيدين الشخصي والمهني, ويجري اختيار الزوار الذين يكونون قادة حاليين أو محتملين في مجالات الحكومة والسياسة والإعلام والتعليم والميادين الأخرى عن طريق لجان في السفارات الأميركية..
وأي مشارك في البرنامج سيسمع في الاجتماع الأول الذي يعقد في وزارة الخارجية أن اكثر من 186 رئيس دولة حالي وسابق و 1500وزير وكثير من القادة العالميين الآخرين في مجالات الحكومة والقطاع الخاص قد شاركوا في برنامج الزائر الدولي.
ومن ابرز الأسماء التي سيسمعها المشارك في البرنامج اسم المستشار الألماني غرهارد شرودر والرئيس الأفغاني حميد قرضاي.. وغيرهما.
ورغم الأهداف المعلنة للبرنامج والتي تركز على التفاهم والتبادل الثقافي في مجالات المرأة والتنمية الاقتصادية وإدارة العدل وسيادة القانون والديمقراطية والدراسات الأميركية وقضايا الهجرة والحدود والتعليم المدني, رغم ما سبق لا يمكن التسليم بأن هذه الأهداف المعلنة هي فعلا الوحيدة والحقيقية للبرنامج ,فالكثير من المشاركين ورغم أن زياراتهم تحمل عناوين واضحة مثل "النساء المسلمات في أميركا" فإنهم يكونون عرضة لمحاولات تهدف لجعلهم يجتمعون بيهود و"إسرائيليين" بحجة أن هذه الشريحة هي جزء من المجتمع الأميركي الذي يجب على الزائر مشاهدته والاطلاع عليه.
وكثيرا ما يواجه منظمو البرنامج الرفض من قبل المشاركين الذين يعتبرون هذا الفعل عملا تطبيعيا يتعارض بصورة واضحة مع قناعاتهم السياسية والوطنية.
ورغم الهامش الكبير للحرية أثناء النقاشات والحوارات التي تجري ضمن هذا البرنامج ألا أن رفض المشارك لهذه "المحاولات " يجعله يسمع الكثير من "الكلام" لعل اقله: "انك في أميركا ولست في الأردن" و"انك في أميركا بالمال الأميركي", "بمال دافع الضرائب الأميركي" وتصل الأمور إلى حد القول:" بأن حكومتك مرتبطة بمعاهدة سلام مع إسرائيل, فلماذا ترفض أنت?"
أو: "لماذا انتم العرب هكذا ترفضون الحوار وتهربون دائما.. في حين أن الآخر يقبل على التحاور معكم؟"
المئات من العرب يصلون سنويا إلى أميركا في هذا البرنامج والكثير منهم يتعرض لمواقف مشابهة واحتجاجهم على هذه "المحاولات التطبيعية"التي لا تذكر إطلاقا في البرنامج بصورة مسبقة هو وفق التوصيف الأميركي "شوشرة.. وقلة احترام لأصحاب البيت أو المكان الذي تعقد فيه الفعالية".. وقد يطلب منك أن تأخذ زاوية جانبية وتلتزم الصمت إذا ما رفضت صيغة الالتقاء المفتعلة هذه.
ومن الملاحظ أن البرامج الأميركية المتعلقة بهذه الجوانب قد تمت زيادتها بصورة ملحوظة وكبيرة وخاصة بعد أحداث 11 أيلول, والانتفاضة التي بددت الوهم الغربي بأن الشارع العربي لا وجود له, وان الأجيال العربية الجديدة التي نمت وترعرعت في إطار ما يسمى ب"ثقافة السلام" والتي كان من المقدر لها أن تتمركز حول نفسها وتنسى فلسطين والفلسطينيين لتحقق لنفسها المتعة من خلال الاستهلاك بمعدلات متصاعدة, هذه الأجيال بدأت تبعث بالرسائل الواضحة بأن البطش الصهيوني الذي يتم بأسلحة أميركية ودعم سياسي واقتصادي عربي لن يقابل بسلبية بلهاء.
ودعاة التطبيع كما يقول المفكر عبد الوهاب المسيري يفترضون أن عملية التطبيع عملية نفسية يتم تجاوزها باللقاءات المتكررة, غير مدركين أنها عملية بنيوية "أي أنها مرتبطة ببناء الدولة الصهيونية والبناء بطبيعته لا علاقة له بالحالة النفسية أو العقلية" فبنية "إسرائيل" ذاتها بنية غير طبيعية, ولذلك فالتطبيع معها غير ممكن وأنت لا يمكن أن تتحاور مع واقع ترفض وجوده بوعيك وقناعاتك.
و"إسرائيل" التي تطرح نفسها باعتبارها دولة لكل يهود العالم وتعطي الحق لأي يهودي بالهجرة إليها, بينما يحرم الفلسطيني المنتزع من أرضه ووطنه منذ خمسين عاما هي عمر الكيان المغتصب يحرم من حق العودة, والدولة الصهيونية تقع في "الشرق الأوسط" ولكنها تؤكد أنها فيه ولكنها ليست منه, وتعتمد اعتمادا كاملا على الغرب وعلى معونات العالم, فكيف يمكن أن تنشأ علاقة طبيعية مع أناس من "دولة"عنصرية "متخندقة" داخل عنصريتها وتستمد حياتها من الخارج وتواصل ارتكاب المجازر والقتل والتدمير.
ومن الواضح أن قرار الولايات المتحدة بدعم "إسرائيل" يستند إلى حسابات دقيقة داخل إطار خيارها الاستراتيجي المبدئي, فالولايات المتحدة تدفع للكيان الصهيوني ما يقرب من عشرة مليارات دولار سنويا لحماية المصالح الأميركية المتعلقة بالنفط والنفوذ الأميركي في المنطقة العربية والتحكم في منابع البترول.
وعودة إلى المفكر د. المسيري الذي يرى انه إذا تخيلنا "الشرق الأوسط" بدون الدولة الصهيونية والولايات المتحدة وقد اضطرت للقيام بمهمة حماية مصالحها الاقتصادية والأمنية بنفسها ففي مثل هذه الحالة الافتراضية يتعين على أميركا أن تبقي خمس حاملات طائرات في حوض البحر المتوسط بشكل دائم تكلف حوالي خمسين مليار دولار, وهكذا فالدولة الصهيونية صفقة استراتيجية رابحة بالنسبة للولايات المتحدة.
وهذا الدعم المبدئي والاستراتيجي لا يتوقف عند دفع المال والدعم السياسي, بل يتعدى ذلك إلى تخطيط الكثير من البرامج الهادفة إلى ما يسمى بتقليص "العداوات" وتشجيع التعامل بين الشعبين.
وحتى لا يكون الحديث مجرد كلام غير موثق, نعود وندعو القارئ إلى العودة لتقرير اللجنة الرئاسية في "معهد واشنطن لسياسة الشرق الأوسط", والذي صدر عام 2001 وترجمته إلى العربية الزميلة المترجمة والكاتبة الصحفية أمل الشرقي, وحمل عنوان "الإبحار في عالم مضطرب: أميركا والشرق الأوسط في قرن جديد".
وتحت عنوان إعطاء الأولوية لمحاربة التحريض يقول التقرير: إن تشجيع التعامل ما بين الشعبين وتقليص العداوات بين المواطنين العاديين من عرب و"إسرائيليين" يعتبر من أهم المبادرات السلمية التي ينبغي على الإدارة الأميركية الجديدة أن تسعى لتحقيقها, وفي هذا المجال يتوجب على الإدارة أن تؤمن التمويل العاجل لبرنامج متعدد الوجوه رفيع المستوى يستهدف العمل مع المربين, والصحفيين ورجال الأعمال, والزعماء الدينيين, والرياضيين والشخصيات المدنية البارزة من "إسرائيليين" وعرب ومسلمين لغرض محاربة التحريض داخل مجتمعاتهم وفيما بينها وإيجاد نقاط لقاء متعددة ما بين "الإسرائيليين" ومواطني الدول العربية والدول ذات الأغلبية المسلمة, ويجب إيلاء اهتمام خاص بالشرائح غير النخبوية التي لا تشملها عادة برامج اللقاء وجها لوجه بين مواطني الشعبين.
وعلى سفراء الولايات المتحدة الأميركية ودبلوماسييها في "الشرق الأوسط" أن يبحثوا مع الحكومات المحلية والصحفيين ورؤساء التحرير ومنتجي البرامج التلفزيونية سبل ضمان حصول الأصوات المعتدلة على كامل فرصتها بالوصول إلى أجهزة الإعلام المعتدلة واستبعاد الأصوات المحرضة على العنف, ويتوجب على السفارات أن ترصد بشكل منهجي ومنظمي أعمال التحريض ضد السلام, وعلى المسؤولين الأميركيين أن يستفيدوا من الخبرات والفرص التي تقدمها الجامعات والمنظمات غير الحكومية وغيرها من المؤسسات الخاصة لتحقيق هذه الأهداف .
وفي موقع آخر من التقرير نجد حديثا عن الحيف والجهل وسوء الظن والكراهية التي صبغت العلاقات "الإسرائيلية" - الفلسطينية.. "وهذا يعني أن التقدم الدبلوماسي يظل هشا بدون معالجة هذه المشكلة الأساسية ولذلك ينبغي بذل جهود اكبر من اجل الاستثمار في تشجيع التقارب ومحاربة التحريض في الخطاب العام, وخصوصا في وسائل الإعلام والمدارس والمؤسسات الدينية".
ومن الواضح أن توصيات معهد واشنطن تطبق بصورة فاعلة ومؤسسية,فأمريكا في هذه الأيام تشهد عملا محموما ونشطا يتم خلاله استضافة وفود كبيرة من النساء والصحفيين ورجال الدين المسلمين والطلبة في المعاهد الدينية وأساتذة الجامعات والقادة المحليين بهدف اطلاعهم على أنماط الحياة الأمريكية والسياسات الأمريكية تجاه العالم بغية جعل الزائرين مروجين متحمسين للنموذج الأمريكي.
أما معه واشنطن فيعرف نفسه في أوراقه الرسمية بأنه مؤسسة تعليمية عمومية مكرسة للبحث الدراسي والحوار حول مصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
وينظم المعهد برامج شاملة للبحث أو ندوات ومؤتمرات ورحلات دراسية إلى "الشرق الأوسط" كما يقوم بإصدار المطبوعات ويزود صناع السياسة والدبلوماسيين والصحفيين بالأفكار الحديثة والتناول المتجدد اللازمين لتعزيز السلام والأمن في واحدة من اكثر مناطق العالم استعدادا للاشتعال
ولهذا المعهد الذي تأسس عام 1985 مثقفون وباحثون خاصون, من ذوي الخبرة في مجال وضع السياسات ويجيدون العربية والعبرية والفارسية والتركية, إضافة إلى تمرسهم في العلاقات الدولية والاستراتيجية وسياسات الشرق الأوسط واقتصاده وتاريخه.
والمعهد أيضا عبارة عن إحدى مؤسسات اللوبي الصهيوني التي تعمل على حماية المصالح "الإسرائيلية" في الولايات المتحدة وهو أداة مهمة من أدوات التأثير على المؤسسات الرسمية والحكومية الأميركية ودفعها إلى اتخاذ قرارات ومواقف تخدم تلك المصالح.
وقد نشأ المعهد في بداية أمره كوحدة للبحوث تابعة للجنة الأميركية "الإسرائيلية" للعلاقات العامة "أيباك"وهي أقوى مؤسسات اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة على الإطلاق.