(صوتك في عالم أسكتت فيه المال والحديد والنار صوت العدالة)
عندما يضع نظام، كالذي في الأردن، نفسه بعناد في وسط طريق شعبه, فإنّ الاشتباكات مع المتظاهرين في الشّارع تصبح حتميّة, إن لم تكن ضروريّة. يردّد المحتجون دائماً صدى رسالة واحدة: أغلقوا السّفارة الصّهيونيّة, اقطعوا جميع العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية مع الصّهاينة, ادعموا الانتفاضة بالمال والأسلحة و الرّجال؛ وأخيرا وليس آخرا، كفوا عن قمع الاحتجاجات المؤيدة للانتفاضة في الشّارع. دعوا الناس تعبّر عن تأييدها للانتفاضة! بالمقابل، فقد آثر النظام أن يتجاهل مطالب احتجاجات الشّارع وأن يسحقها بالقوة المفرطة، كما حدث على سبيل المثال في الجامعة الأردنية ومخيمات اللاجئين وبالقرب من مسجد الكالوتي اليوم, على بعد كيلومتر واحد تقريبا من السّفارة الصّهيونيّة .
في هذه الأيّام , فإنّ الإعلام العربي،ّ على الأقل، ينقل الاحتجاجات المؤيدة للانتفاضة، التي تحدث فعليا على مدار الساعة في الأردن. بالطّبع، فإنّ هنالك احتجاجات مثل ذاك الاحتجاج الذي شارك فيه عشرات الآلاف مساء يوم الثّلاثاء, 2 إبريل , 2002 , تحت الأمطار الغزيرة والرّياح الباردة. ذلك الاحتجاج رخصّه النظام، واتّفق فيه مع قادة أحزاب المعارضة الرّسميّة والنقابات على توجيه سير المتظاهرين إلى مجلس الأمة (المنحل حاليا)، بعيدًا عن مكتب رئيس الوزراء أو السفارة الأمريكية أو الصهيونية. لقد تسلل النظام إلى المظاهرة برفع العشرات صورا للملك عبد اللّه , ثمّ اعتبرها النظام مظاهرة قانونيّة وتركها تسير بسلام: دعوهم ينفسوا عن غضبهم، ولتكن الأمطار الغزيرة والرّياح الباردة عقوبة كافية لهم. ولكن دعوا قوات مكافحة الشغب تُعرض بشكل تهديديّ على جانبي الطريق في حال تجرّأ شخص على المضي في الاتجاه الصحيح.
مع ذلك، فلا بدّ أنّه كان ثمة ما يخيف النظام في منظر ظلال الموجات البشريّة في الغسق الممطر وهي تردّد مرارًا وتكرارا رسالة واحدة: أغلقوا السفارة الصهيونية؛ أغلقوا السفارة الصهيونية؛ أغلقوا السفارة الصهيونية...؛ فبالنهاية، وبرغم كلّ شيء , يمكنك أن تجرّ حصانا إلى التيار السّياسيّ السّائد, لكنك لا تستطيع أن تجبره أن يشرب منه. ومع الآلاف من الأعمال الصغيرة التي أوصلت بالتّناغم رسالة واحدة، فقد حوّلت الجماهير المظاهرة القانونيّة إلى احتجاج حقيقيّ .
ولكن عندما لا تكون
القيادات "الواقعية" والعاجزة لأحزاب المعارضة "القانونية" والنقابات موجودة لنزع
مخالب الحركة الشعبية، فإنّ النظام يصبح متوترا للغاية، وبصورة
مبكّرة.
فمنذ يوم قبل البارحة، أخذت الآلاف من رسائل الهاتف النقّال تنتقل
من جهاز لآخر لإعلام الجميع بالتّجمّع بعد صلاة الجمعة في مسجد الكالوتي للمسّير
باتجاه السفارة الصهيونية. لقد حمل تلفزيون الدولة المساء الماضي وصحف الصّباح هذا
اليوم تهديدا من وزير الداخلية، قفطان المجالي، يحذّر فيه بالتعامل بحزم شديد مع أي
احتجاجات "غير قانونية". لكن يبدو أنّ ما يحدث الآن داخل فلسطين فظيع جدا بحيث لم
يكترث أحد للتهديدات، إذا لم يلاحظ ذلك السيد المجالي بعد. إنّ الشعب ليس بزر يمكنك
الضغط عليه أنّى شئت؛ وهذا درس للثوريين والناشطين بقدر ما هو درس للأنظمة القمعية.
لقد كان الشعب اليوم مستعدا للنزف من أجل فلسطين. وليتم فضح خدعة حملات التبرع
بالّدم, المدعومة من قبل النظام، التي تستخدم كبديل عن الاحتجاجات : أغلقوا
السّفارة الصّهيونيّة في عمّان . لا تهدروا وقتنا بكل هذا الهراء.
لقد أُغلقت الطّرق الرّئيسيّة التي تؤدّي إلى مسجد الكالوتي في وجه المركبات قبل بدأ صلاة الجمعة. سار الآلاف على الأقدام من الأزقّة والطّرق الجانبيّة باتّجاه مسجد الكالوتي. تمّ منع الآلاف غيرهم من الوصول. وكلّما لاحظ جهاز الأمن تجمّع عدة مئات في الجوار, كانوا يقومون بدفعهم بمركبات مكافحة الشّغب ويضربونهم بالهراوات. حدث هذا قبل بدأ الاحتجاج. لم يكن النظام ينوي السماح للاحتجاج بالمضي قدما. لكنّ الوقت كان قد فات لمنعه. لقد اجتمع الناس، أحب النظام ذلك أم لا، ذلك أنّ الثورة تبدأ من الروح، لا من التجمّعات، التي تأتي لاحقة لها.
بمجرّد انتهاء صلاة الجمعة اندلعت الصيحات: الله أكبر الله أكبر. لقد حثّ الخطيب النّاس في موعظته على المغادرة بسّلام , لكن يبدو أنه حتى هو لم يلاحظ بأنّ القلوب ممتلئة بالسخط لسماع هذا الهراء. تجمّع الآلاف مقابل مسجد الكالوتي، ثم ساروا باتجاه السفارة الصهيونية. ويبدو أنّ آلافا أخرى، وهؤلاء جزء فقط من المتظاهرين الذين تمكّنوا من التجمّع في الجوار، استطاعت أن تخترق خطّ أمن رفيع من جهة اليسار للانضمام إلى أولئك المتجهين أعلى التّلّ نحو السّفارة المكروهة. بدأت المسيرة تتكاثر ببطء وثبات بانضمام العشرات إليها من كل مكان. لم يكن من بين المتظاهرين "واقعيّون" أو انهزاميّون. فهؤلاء لا يفضّلون هذا النوع من المسيرات. كان هنالك بحر هائج ثائر يضج بصيحات تطالب بإغلاق السفارة الصهيونية. فالشّارع كان ملكا للنّاس, وبالرغم مما حدث فيما بعد , كانت تلك لحظة حرّيّة حقيقيّة. إنّ كل من عاش لحظات كتلك لا بدّ وأن يخبركم بنشوتها.
ثم بدأ الضرب. لقد رأيت عدة أشخاص ينزفون من ضربات في الرأس. وتم حملهم إلى داخل مسجد الكالوتي الذي اقتحمه لاحقًا قوات مكافحة الشّغب. أُخِذَ المصابون إلى مكان ما, ، إلى المستشفى، حسب ما زعموا.
في أثناء ذلك, أخذت المركبات المدرّعة والقوات تسدّ الطّريق إلى السّفارة. واكتسحت موجات غاز مسيل للدّموع المتظاهرين فيما بدأت قوّات الأمن بإطلاق عبوات الغاز بكثافة. حتى تلك اللحظة بقي المتظاهرون مسالمين، حتى بعد تفريقهم بالقوة. وهنا، يجب الإيضاح بأنّه فقط عندما أخذت المركبة المدرّعة، التي كانت تطلق الماء الملون، باللحاق بالمتظاهرين المنسحبين، بدأ قذف الحجارة.
يعيش العنف في عالم منفصل، له قوانينه الخاصة، تماما مثل الحب والرياضيات والإيمان والسياسة أو حتى الحلم. هنالك مرحلة يقرر فيها المتظاهر، الذي يتم ضربه ورميه بعبوات الغاز، و الذي يرى أصدقاءه ينزفون، والقوات تلاحق الفتيات الصغيرات بالهراوات أعلى التل، يقرر بأنه آن الأوان لحمل حجر. تراجعت القوّات. أخذ بعض الشّباب مواقع لهم على التّلال المجاورة وبدءوا يلعبون لعبة القطّ والفأر مع قوّات الآمن.
أخذت القوات ترمي الحجارة ثانية في وجه المتظاهرين، ثم بدءوا بشن هجوم شامل بمطاردة المتظاهرين لمسافات بعيدة جدا وصلت حتى شارع المدينة المنورة في أحد الحالات، حيث كانت القوات تلحق بالمتظاهرين وترمي عبوات الغاز المسيلة للدموع في حركة المرور، وبدا الأمر أقرب إلى عمليات تشفي وانتقام منه إلى محاولة قمع احتجاج.
في أثناء ذلك, أخذت حشود صغيرة من المتظاهرين ترمي القوّات بالحجارة حول الأزقّة والشوارع الخلفية المؤدية إلى مسجد الكالوتي لمدّة حوالي ساعتين منذ بدء الاحتجاج. لقد تم ضرب واعتقال العديد من الشباب في تلك المنطقة. أخذ الغاز المسيل للدّموع يتسرب إلى نوافذ البيوت في المنطقة, فيما كانت المطاردات مستمرة. ومن نوافذهم وشرفات منازلهم، أخذ الأهالي بالصياح على وإدانة القوّات كلما قامت القوات بالاعتداء بالهراوات على متظاهر معتقل: يا يهود!
وبينما أنا أطبع هذه السّطور, مازال وجهي يحترق من الأبخرة السّامّة التي قذفت في المظاهرة. الحقيقة هي أنهم لم يستخدموا فقط الغاز المسيل للدّموع في الاشتباكات التي حدثت حول المسجد. ففي حالات كثيرة، استُخدمت على المتظاهرين أيضا الغازات التي تؤدي إلى الإغماء أو العمى المؤقت, ناهيك عن التّقيّؤ وفقدان الوعي. إحدى العبوات المستخدمة كُتب على جانبها: مهيّج كيميائي, ينتهي في إبريل 1995، للاستعمال الخارجي فقط. صنع في الولايات المتحدة الأمريكية. عاشت الديمقراطية! (بين السطور).
ملاحظتان على الهامش:
إنني أدرك بأنّ المواجهات التي حصلت حول مسجد الكالوتي لم تكن الأعنف في عمان اليوم. فاليوم، ولعدة أيام خلت خلال الأسبوع الماضي، كانت المواجهات في داخل وحول مخيمات اللاجئين، على سبيل المثال، أعنف بكثير. ولكن حتى تلك المواجهات لم تكن لتُقارَن بما يجري داخل فلسطين نفسها، إلا كون أنّ مرتكبي الفظائع هنا ضد المتظاهرين يدّعون بأنهم عرب. ولكن بقدر أهمية الحركة الشعبية العربية لمساندة الانتفاضة ولهمومنا العربية الأخرى, فيجب علينا أن نفكر عميقا بالقضيّتين التّاليتين :
1) بينما تستطيع
مبادرات المجموعات المحلّيّة الصّغيرة في فلسطين نفسها أن تتحد معًا لإبقاء
الانتفاضة وشلّ انتهازيّة الانهزاميّين و"الواقعيين" والمفاوضين المتخاذلين، فإنّ
المراد في الأردن كما في مصر والشّوارع العربيّة الأخرى لا يمكن إنجازه بمبادرات
المجموعات المحلّيّة الصّغيرة وحدها. فالعمل العسكريّ في حرب العصابات التي تجري في
المدن والقرى ومخيمات اللاجئين, يعتمد بالضّرورة على تعاون وثيق ضمن مجموعات
صّغيرة، وذلك قد يكون أو لا يكون كافيا لفلسطين. لكن عندما تدعو الحاجة إلى حركة
شعبية عربية تشمل مئات الألوف، وعندما لا تجرؤ ولا تهتم قيادات أحزاب المعارضة
"القانونيّة" والنقابات لتصعيد حركة الشّارع إلى المستوى الذي من شأنه أن يضغط بشكل
جدي على النّظم العربيّة لمساندة للانتفاضة، تنشأ الحاجة إلى تنظيم سياسي. إنّ
الحركة الشعبية في الوقت الراهن هي حركة تلقائية وعفوية مما يجعلها نقية ومجرّدة من
التأثيرات الانهزامية، وتعكس إرادة الشعب الحقيقية: دعم غير محدود لتكتيك القنابل
البشرية، ومعارضة كاملة لأي شكل من أشكال الاعتراف ب"إسرائيل"، ومناشدات قاسية
للسماح لهؤلاء الذين يريدون أن يقاتلوا الصّهاينة بأن يتمكنوا من عبور الحدود
العربيّة. لكن على المستوى التنظيمي، فإنّ تلك التّلقائيّة نفسها تجعل الحركة
الشعبية أقل تنظيماً, وبالتالي غير محصنة ضد قوى الظلم والاضطهاد الأكثر تنظيما.
حتّى على المستوًى التّكتيكيّ, لإعطاء مثال واحد فقط, فإنّ القوّات التي كانت تحيط
بالمتظاهرين عند مسجد الكالوتي، كان بالإمكان اجتياحها بوجود حوالي عشرين ألف
متظاهر من كلّ جانب, لو كان هناك قيادة ميدانية من نوع ما قادرة على تحريك مجموعات
كبيرة من الناس في أوقات معيّنة لأماكن معيّّنة بطريقة منظمة. لم تكن هناك قيادة من
هذا النوع في الجوار، ربما يعود ذلك لكون أنّ أي شخص أو مجموعة مُنحت ثقة كبيرة في
السابق كانت قد خانت هذه الثقة. بالتالي، عندما تم سحق طليعة المتظاهرين الذين
كانوا في المقدمة، تم القضاء على المظاهرة، مع بقاء مجموعات صغيرة متفرّقة اشتبكت
في معارك جانبية مع القوات، وتم سحقها هي الأخرى فيما بعد عندما هوجمت كل منها
منفردة من قبل القوات. باختصار، إننا بحاجة إلى التفكير جديا بإنشاء آلية عامة من
نوع ما للتنسيق بين المجموعات الصغيرة والمبادرات المحلية إذا أردنا أن نحوّل
الحركة الشعبية العربية إلى قوة سياسية ملموسة.
2) من الواضح تماما بأنّ الأنظمة
العربية لا يهمها ما يفكّر به شعبها، وتقلق أكثر لعمل ما يرضي سادتها في واشنطن.
بالتأكيد إنها تشارك أحيانا في بعض المسرحيات التي تسعى إلى تقليل حجم الأضرار
عليها، لكنها لا تضلل بها إلا القليل من الناس فقط. هذا كله معروف، بل وإنه أصبح
مكررا. ولكن، عندما تمارس هذه الأنظمة العنف المفرط ضد المتظاهرين العزّل، وعندما
تصرّ بعض الأنظمة العربيّة, تحت تهديد السلاح, على إبقاء سفارات الصهاينة مفتوحة،
بينما يمارس الصهاينة القتل الوحشي للشّعب الفلسطينيّ, يجب علينا أن نبدأ التّفكير
بطريقة مختلفة عن مجرّد التظاهر بسلام مهما كان. لماذا يجب أن يتحول كل احتجاج
حقيقي إلى عنف مفرط ضد المحتجّين؟ لماذا يجب اعتبار جميع الخطوط السياسية الحمراء
التي يفرضها النظام أمر مقدّسا محظورا؟ لماذا يجب أن نخاف على أرواحنا إذا ما سرنا
نحو السفارة الصهيونية، بينما إخواننا وأخواتنا عبر نهر الأردن علّمونا بانّ الحياة
لا تساوي شيئا دون الحرية؟ هل أرواحنا أغلى من أرواحهم؟ هل سينعانا أصدقاؤنا
وأقاربنا أكثر منهم؟ أم هل سننزف بدرجة أقل إذا ما قاومنا وقاتلنا عن إذا لم
نفعل؟
أعتقد بأننا بحاجة لتغيير موقفنا بالكامل فيما يتعلق بالاحتجاجات الشعبية بصفة عامّة. المتظاهرون لا يهاجمون القوّات. بل إنّ القوات هي التي تهاجم المتظاهرين. الأنظمة العربية تضع نفسها في طريق شعبها وليس العكس. وفوق ذلك، ليس هنالك ما هو أكثر قوّة من مئات الآلاف التي تسير وتتقدم في الشّارع. إنّ الأنظمة، بالرغم من بشاعة قمعها، مجرد نمور من ورق عندما يزأر الشعب. لذا، يجب أن تفهم الأنظمة بأنها ليست حرة في أن تضرب وتعتقل وتهاجم وترمي بالغاز وتطارد وتقمع شعبها. إنّ النّاس في احتجاجاتهم نادرًا ما يكونون البادئين بالعنف. بل على العكس تماما. للمتظاهرين الحقّ في الدفاع عن أنفسهم, وإذا لم يستطع القانون حمايتهم, فيجب عليهم أن يدافعوا عن أنفسهم. الدّم, العيون الدّامعة, الألم, الأطراف المكسورة, والمتظاهرون المتعثّرون، منظر متكرّر في الشّوارع والجامعات ومخيمات اللاجئين في هذه الأيّام. لكن، حتى وإن كان ذلك كله من أجل قضية نبيلة, فإننا يجب أن نضع حدا لهذه الانتهاكات. إنّ تقدّم الحركة يعتمد الآن على قدرتنا لجعل الاحتجاجات تحقّق أهدافها السّياسيّة, ليس فقط بأن نعاني الآلام المبرحة لقضيّة نبيلة, حتّى وإن كان ذلك يعتبر إنجازا سياسياّ بحد ذاته.
ملاحظة أخيرة: كان هناك شخصان من السّفارة الأمريكيّة يدونان ملاحظاتهما علانيةً مقابل مسجد الكالوتي. ولم يكن هذا بالعمل الذّكيّ, ومع ذلك، إن كان هذا الاستفزاز لا يثبت بأنّ المتظاهرين كانوا مسالمين, فأنا لا أعرف ما الذي يمكن أن يثبته.
وأخيرا، أقدم جزيل الشكر للرّجل الإيطاليّ الذي بدأ يتجادل مع قوات الأمن بالنيابة عن المتظاهرين
أخوكم د. إبراهيم علوش