(صوتك في عالم أسكتت فيه المال والحديد والنار صوت العدالة)


محاكمة شارون في سياق العولمة:
نصر تكتيكي وهزيمة استراتيجية

عمّان-د.إبراهيم علوش

لاشك بأن رئيس الوزراء الصهيوني أرييل شارون مجرم حرب كبير تقطر يداه دماً عربياً خالصاً، ولابد أننا سنفرح إذاً إذا مثل هذا المجرم أمام العدالة أخيراً ولقي قصاصه. ولكن الأمور ليست بهذه البساطة، لأن وراء الأكمة ما وراءها وليس كل ما يلمع ذهباً، وفي محاكمة شارون جوانب سلبية قد لا تتضح من النظرة الأولى.

عريضة على الإنترنت موجهة للسيدة ماري روبنسون المفوض العالي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة جمعت عشرات ألوف التوقيعات حتى الآن، وهي تطالب روبنسون بتشكيل لجنة دولية للتحقيق بارتكاب شارون جرائم ضد الإنسانية، حسب "قرارات الأمم المتحدة التي أوضحت أن مرتكبي جرائم الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، يجب أن يقاضوا في المحاكم، وأن يعاقبوا حسب القانون".

وتضيف العريضة: "عند انتشار أنباء المجازر في مخيمي صبرا وشاتيلا غضب الرأي العام الإسرائيلي وتظاهر وطالب باستقالة شارون وبالتحقيق في المسألة. وهكذا تصرف الكنيست الإسرائيلي وشكل لجنة برلمانية للتحقيق بتورط شارون بفظائع لا إنسانية. واعتبر شارون مسؤولاً عن أعمال المليشيات المسيحية اللبنانية نتيجة هذا التحقيق، وأجبر بالتالي على الاستقالة من منصبه كوزير للدفاع. ولكن بالطبع، بما أنه إسرائيلي، وهذه الجرائم لم ترتكب ضد مواطنين إسرائيليين، فإنه لم يتهم بشيء، ولم يظهر في أية محكمة في إسرائيل".

المشكلة إذن حسب العريضة أن الصلاحيات القانونية للقضاء الصهيوني لا تشمل ما ارتكبه شارون في لبنان ضد مواطنين غير "إسرائيليين"!! ولكن هذا لم يعد مشكلة الآن، لأن المرجعية القانونية للقضاء لم تعد مرجعية محلية نابعة من سيادة الدول، سواء كانت طبيعية، أو مصطنعة مثل دولة "إسرائيل"، على مواطنيها، بل من قانون حقوق الإنسان الدولي، وهنا تبدأ عملية تبرير مشروعية المحاكم الدولية.

دعوة لمؤتمر صحفي حول محاكمة شارون يوم 16/7/2001 موجهة من قبل الجمعية الفلسطينية للدفاع عن حقوق الإنسان والبيئة، في فندق American Colony (مستعمرة أمريكية) في القدس، بدأت كما يلي: "بينما تواصل إسرائيل انتهاكاتها لحقوق الإنسان وقانون حقوق الإنسان الدولي في المناطق الفلسطينية المحتلة، ومن ذلك أعمال تصل إلى جرائم حرب، قررت محكمة بلجيكية مؤخراً أن تبدأ الإجراءات القانونية ضد رئيس وزراء إسرائيل أرييل شارون بسبب دوره في ذبح المدنيين في مخيمي صبرا وشاتيلا الفلسطينيين".

الجمعية الفلسطينية لحماية حقوق الإنسان والبيئة طبعاً منظمة غير حكومية تدافع عن حقوق الإنسان قانونياً، والأهم أنها ترتبط تنظيمياً وتمثل امتداداً رسمياً لعدة منظمات حقوق إنسان دولية كما تقول أدبيات الجمعية نفسها.

وكانت قد ظهرت على الساحة الدولية في التسعينات مؤسسات عامة وخاصة باتت تلعب دوراً متزايداً في الحياة الاقتصادية والسياسية والثقافية للأمم والشعوب، وتتمتع بصلاحيات وقدرة أكبر على التأثير. ولعل أهم الأمثلة على ذلك الدور الجديد الذي باتت تلعبه الشركات متعدية الحدود، والمؤسسات الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية ومجموعة G7 (أو منتدى السبعة الكبار) والمنظمة الأوروبية للتعاون والتنمية المعروفة برمز OECD، ونادي روما ومنتدى دافوس، وبعض وكالات الأمم المتحدة، وبعض المنظمات غير الحكومية مثل منظمة العفو الدولية amnesty International وغيرها من منظمات حقوق الإنسان، أو البيئة مثل Green peace .

المهم، أن هذه المؤسسات الدولية صار يتمدد نفوذها، ليس في الفراغ، بل على حساب صلاحيات وسيادة الدول الأعضاء في الأمم المتحدة. وإذا كانت "إسرائيل" دولة غير طبيعية، فإن تزايد دور المؤسسات الدولية جاء على حساب سيادة الدولة الوطنية والقومية على الأرض، وعلى حساب الهوية الثقافية الوطنية والانتماء الحضاري في الفكر والوجدان. وقد حدث هذا الأمر في العالم الثالث والعالم الصناعي المتقدم على حد سواء، وإن بدرجات متفاوتة. ففي العولمة لا تكافؤ بين الشمال والجنوب.

لقد قام محاميان بلجيكيان ومحام لبناني برفع قضية في المحاكم البلجيكية يوم 18 حزيران/يونيو 2001 ضد شارون، موجهين له تهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية. والقضية، أصبحت ممكنة بفضل قانون بلجيكي سن عام 1993 يسمح بمحاكمة قضايا جرائم الحرب غير المتعلقة ببلجيكا، لمجرد انتهاك معاهدة جنيف حول قوانين الحروب. ولنلاحظ بالتالي أن القوي هو الذي يفرض قوانينه وليس العكس.

وحتى كريم بقرادوني، نائب رئيس حزب الكتائب اللبنانية، ونائب رئيس القوات اللبنانية (الممنوعة الآن) قال في 16/7/2001 أنه سيرفع بدوره قضية ضد رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون بسبب تورطه في مجازر صبرا وشاتيلا. والخبر غريب، صحيحٌ أن كريم بقرادوني محام بالأساس، ولكنه يمثل الحزب الذي يفترض أنه ارتكب مجازر صبرا وشاتيلا، كما يعرف الجميع، وقد قال بقرادوني أنه يرفع القضية ضد شارون بناءاً على طلب من مؤسسة القذافي الخيرية الدولية لأسباب وطنية وشخصية. ودعا بقرادوني اللبنانيين والعرب لمساعدته بالاتصال به أو بالمؤسسة الخيرية التي وظفته إذا كانت لديهم أية معلومات متعلقة بصبرا وشاتيلا.

والأغرب، أن إيلي حبيقية، الذي اعتبرته لجنة كاهانا الإسرائيلية والتي حققت في أمر مجازر صبرا وشاتيلا المسؤول المباشر عنها، بينما اعتبرت شارون المسؤول غير المباشر، حتى إيلي حبيقة، أعلن عن استعداده للذهاب للمحكمة لإثبات براءته وإدانة شارون، ويبدو أنه دفع حياته ثمناً لذلك!!

القضية الآن بيد هيئة في بروكسل في بلجيكا ستقرر ما إذا كانت هناك دلائل كافية لمحاكمة شارون، ولكن هذه الهيئة يمكن أن تقرر إصدار مذكرة اعتقال دولية لجلب شارون بناءاً على القانون البلجيكي نفسه الذي يسمح بمقاضاة أجانب على انتهاكات لحقوق الإنسان ارتكبت خارج بلجيكا.

القانون نفسه استخدم لمقاضاة رئيس راوندا في إفريقيا بول كانمامي وغيره. وقد تجنب شارون الذهاب إلى بلجيكا في جولته الأوروبية الأخيرة، مع أنها ترأس الاتحاد الأوروبي حتى نهاية عام 2001. ومع أن القانون البلجيكي الذي يسمح بمحاكمة الرؤساء الأجانب بسبب بعض الإحراج الدبلوماسي للحكومة البلجيكية، فقد عطّلت هذه الحكومة نفسها محاولات تعديل هذا القانون، حتى نهاية هذا العام، بتحويله إلى البرلمان البلجيكي، حيث سيكون مرور التعديلات أصعب.

أحد المحاميين البلجيكيين الذين يتوليان القضية ضد شارون نيابة عن 28 ناجٍ من مجازر صبرا وشاتيلا من الفلسطينيين واللبنانيين، واسمه لوك "وليين “Luc Walleyn ، أشار إلى قضية الرئيس اليوغسلافي المخلوع سلوبوجان ميلوسوفيتش قائلاً أن موقع شارون السياسي لا يعطيه الحصانة من القضاء البلجيكي، حسب تقرير لوكالة رويترز يوم 21/7/2001. وأضاف لوك وليين أن محاكمة شارون ليست محاولة إدانة سياسية، إذ "لدينا إطار قانوني وقضية ملموسة ستسمح للمحكمة البلجيكية، كما نأمل، بمحاكمة وإدانة المسؤولين عن هذه الجريمة".

سلوبودان ميلوسوفيتش الرئيس اليوغسلافي السابق، موجود بالمقابل في لاهاي في هولندا، حيث سيحاكم أيضاً بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية. ميلوسوفيتش وأعوانه متهمون بقتل حوالي عشرة آلاف، وتشريد 740 ألف ألباني في كوسوفو، وهي أرقام أقل بكثير من عدد قتلى الاجتياح الصهيوني للبنان عام 1982مثلاً، والذي قدره الصليب الأحمر الدولي بعشرين ألف ضحية، أو عدد المشردين الفلسطينيين الذي يقدر بالملايين.

عدد ضحايا مجازر صبرا وشاتيلا نفسه بشدة حسب المصدر. رويترز قالت: مئات. هآرتز قالت: أكثر من 800. وكالة أنباء UPI قالت أكثر من 2000. أما موقع قناة المستقبل على الإنترنت بالإنكليزية فقد قال أن عدد ضحايا مجازر صبرا وشاتيلا هو 2750.

ويبدو أن موقع قناة المستقبل على الإنترنت بالإنكليزية يلعب دوراً من وراء الستائر في قضية محاكمة شارون. فقد نشر الموقع إعلاناً قال فيه أن تلفزيون "زين" يعمل على استقطاب فريق من الباحثين الشبان العرب للمساعدة في تجميع الإثباتات الضرورية للقضية. لكن مهلاً! هذا الفريق ليس للمساعدة في القضية في بلجيكا! كلا! بل إمام محكمة العدل الدولية في لاهاي في هولندا من خلال مجموعة من المحامين الدوليين لم يسمهم الموقع.

لكن الموقع تحدث عن إنتاج سلسلة تلفزيونية حول الموضوع يكون من أهدافها: أولاً، تثقيف الشبيبة العربية في المنطقة حول النزاع العربي – الصهيوني ، وهو هدف نبيل بدون شك، وثانياً، وهذا هو الأهم، والرجاء هنا الانتباه جيداً للصيغة التالية المترجمة حرفياً عن الموقع "تقديم العمل من داخل النظام كمنهجية مشروعة، وبناء حجج منطقية متماسكة وشاملة باستخدام الحجج والمفاهيم المتعارف عليها والمقبولة دولياً، على أساس الفكر القانوني والنظام القانوني الدولي، وهو الأمر الذي سيُشدد عليه للشبيبة العربية كوسيلة مبررة وفعالة وقوية للتأييد والمقاومة". أما ثالثاً، فالهدف هو جمع الأدلة لإدانة شارون!

راديو الجيش الصهيوني قال إن وزارة الخارجي الصهيونية تلقت عدة طلبات من ضباط عسكريين حاليين ومتقاعدين لتحديد الدول الأوروبية التي يمكن ان يواجهوا فيها دعاوى قضائية ماثلة للدعوى ضد شارون، حيث أن المحاكم في دول مثل بلجيكا وإسبانيا وبريطانيا تتمتع بصلاحيات واسعة للتعامل مع جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

وقد حدث فعلاً بعد رفع القضية ضد شارون أن بعض النواب اليساريين ومجموعات حقوق الإنسان في الدنمارك بدأت تمارس ضغوطاً لسحب سفير دولة العدو المعين في الدنمارك كارمي غيلون لأنه جند استخدام التعذيب ضد المعتقلين السياسيين، ومارسه فعلاً كما صرح علناً، عندما كان مسؤولاً عن جهاز المخابرات الصهيونية الداخلية الشني بيت بت 95-96 . ولذلك يهدد بعض النواب الدنماركيين برفع قضية ضده مثل القضية ضد شارون، ولكن وزير العدل الدنماركي أكد أن غيلون سيتمتع بالحصانة كديبلوماسي، ولم تقرر المحاكم الدنماركية بعد، في هذه الدولة التي عرفت بصداقتها التقليدية لدولة الاحتلال الصهيوني، إذا كان انتهاك معاهدة الأمم المتحدة ضد التعذيب أكثر خطورة من معاهدة فينا التي تمنح الديبلوماسيين مثل غيلون الحصانة من الاعتقال. والطريف أن محكمة العدل العليا الصهيونية أوقفت رسمياً على الأقل حق استخدام التعذيب ضد المعتقلين، ولكن شارون يريد إعادة العمل بهذا "الحق"!

والحقيقة أن البروفسور نعوم تشومسكي تحدث في ورقة في نيسان / إبريل عام 1999، غداة التدخل الأمريكي في يوغوسلافيا بحجج إنسانية عن التناقض القائم بين الدعامتين اللتين يقوم عليهما القانون الدولي والنظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية:الدعامة الأولى لهذا النظام هي منع انتهاك سيادة الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، أما الدعامة الثانية، فهي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي يشدد على ضمان حقوق الأفراد إزاء الدول التي تقمعهم.

ويقول تشومسكي في هذا الصدد أن كل مشكلة "التدخل على أساس إنساني" أو "التدخل الإنساني" في دولة أخرى تنشأ من لدن التوتر بين هذين النصين. تشومسكي طبعاً شكك بأهلية حكومة الولايات المتحدة في التدخل بحجج إنسانية في شؤون الدول الأخرى سائقاً عشرات الأمثلة التي ساهمت فيها حكومة الولايات المتحدة بمفاقمة انتهاكات حقوق الإنسان في تدخلاتها من كولومبيا في جنوب أمريكا إلى الغام لاووس إلى أطفال العراق. وأضاف تشومسكي: ان حق "التدخل الإنساني" من المرجح أن يزداد الاستشهاد به في السنوات القادمة، أحياناً بمبرر، واحياناً بدون مبرر، طالما أن ذرائع الحرب الباردة قد فقدت فعاليتها.

وإذا كانت منظمة العفو الدولية Amnesty International قد رفضت في الماضي الاحتجاج على اجتياح لبنان أو العنصرية في جنوب أفريقيا أو حصار العراق، في الوقت الذي تبنت فيه وعممت التقرير الوهمي عن "الرضع المقتولين" في الكويت الذي جعل الكونغرس الأمريكي يؤيد الحرب ضد العراق، وفي الوقت الذي أصدرت فيه نداءاً يوم 8/6/1999 دفاعاً عن الجواسيس اليهود الثلاثة عشرة الذين قبض عليهم في إيران، فإن منظمة العفو الدولية تعلمت الدرس الآن، وصارت تتحدث عن العنصرية وانتهاكات الصهيونية لحقوق الإنسان وغيرها أيضاً.

الخلاصة: (أعد هذا الجزء بالتعاون مع أبو نيقولا اليوناني من الصوت العربي الحر - Free Arab Voice) 

إن حالة شارون ليست الأولى من نوعها، ولا تبررها عدم أهلية المحاكم الصهيونية في معالجة قضية صبرا وشاتيلا لأنها لم تصب مواطنين "إسرائيليين" على ما يزعمون. فقد قتل وجرح عشرات من الفلسطينيين العرب في الأراضي عام 1948 في مستهل الانتفاضة الثانية دون أن تفعل المحاكم الصهيونية شيئاً، مع أنهم رسمياً مواطنون "إسرائيليون".

فهناك قبل قضية شارون قضايا أخرى مثل قضية اجتياح باناما من قبل الولايات المتحدة واعتقال نورييغا، عميل الولايات المتحدة السابق، وإخضاعه للمحاكمة. وهناك مؤخراً قضية بنيوشيه، ديكتاتور تشيلي، الذي اعتقل من قبل القوى نفسها التي وضعته في الحكم. وقد أيد الجميع مقاضاة المجرم بينوشيه أيضاً، ولكن الدروس كانت واضحة: أن جرائم الاستعمار سوف تغسل، وستنجح أمم أوروبا "المتحضرة" حيث فشلت دولة العالم الثالث تشيلي في محاكمة الديكتاتور بينوشيه. ولكن في الحالتين، حالة وضع بينوشيه في السلطة وحالة وضعه في قفص الاتهام، هناك قاسم مشترك هو أن القوى الاستعمارية تعطي نفسها حق التدخل في شؤون البلدان الضعيفة. وبالطبع، بقي الضحايا الحقيقيون لبينوشيه خارج المعادلة، ولم يحرموا فقط من حق محاكمة بينوشيه بأنفسهم، ولكن قيل لهم مرة أخرى من الأفضل لهم أن يتركوا شؤونهم بأيدي ما يسمى بالدول الديموقراطية.

أما في حالة شارون، فلا يوجد أي سبب للاعتقاد بأن الذين رفعوا القضية ضد شارون مشبوهين، على العكس، كل شيء يوحي بأن دوافعهم نبيلة، ولكن فلننظر إلى النتائج الموضوعية:

  1. لقد تم تأسيس مرجعية القانون الدولي وأسبقيته على القانون المحلي، وإعطاء المشروعية للمحاكم البلجيكية بإصدار الأحكام على سلوكيات الدول الأجنبية. وكانت المحكمة البلجيكية نفسها قد أصدرت قراراً قالت فيه أن من حقها محاكمة صدام حسين، وليس مستبعداً أن تطال سلطاتها العقيد معمر القذافي إذا أثيرت قضية لوكربي.
  2. العرب يقال لهم، مرة أخرى، بأن حلول مشاكلهم سوف يأتي من "المجتمع الدولي"، وليس من جهودهم الخاصة، من ثورتهم ووحدتهم ونضالهم، على العكس، تترافق محاكمة شارون مع تأسيس نمط من الوعي يدين العمل الاستشهادي، ويعمل على تقديم التنازلات بحجة كسب ما يسمى بالرأي العام الصهيوني أو الأمريكي و "العمل من داخل النظام".

والحقيقة هي أن من يعتقد أن المحاكم البلجيكية مستقلة عن الإدارة الأمريكية لا يعرف كثيراً عن أوروبا. فالقضية ضد شارون لن تصل إلى حد معاقبته. والمطلوب منها هو ممارسة ضغط على شارون من قبل الولايات المتحدة والحكومات الأوروبية، وإعطاء مظهر حيادي لهذه الحكومات، ومشروعية التدخل في حالات أخرى غير حالة شارون. وفي النهاية سيتمكن الصهاينة من تجاوز هذا الوضع بحكم ما لديهم من موارد عظيمة في حقل وسائل الإعلام والمعلومات الاستخبارية والعلاقات السياسية. ويبدو أن المسؤولين الصهاينة يعرفون أن أحد جوانب القضية القضائية هو ممارسة الضغط السياسي على شارون، فقد قال مسؤولو وزارة الخارجية "الإسرائيلية" لهآرتز: "أن دوافع المحاكمة سياسية، ولكن إذا عادت محادثات السلام بيننا وبين الفلسطينيين، فإن هذه الموجة ستمر بسلام"! (الغارديان البريطانية، 27/7/2001). وعلى كل حال، وبغض النظر عن ما تتوصل إليه محاولة محاكمة شارون، فإن إعطاء قوى الهيمنة الخارجية أسلحة جديدة ومشروعية أقوى، على أمل استخدامها في قضية عادلة يعادل نوعاً من السذاجة، على أقل تقدير.

اقتراح عملي بديل:

قالت انغريد ايريملاند على الإنترنت يوم 28/7/2001، وهي أحد المؤرخين المراجعين، أن على الأنظمة العربية أن تسن قوانين تسمح لمواطنيها أو للفلسطينيين أن يرفعوا قضايا في بلادهم ضد الجنرالات والسياسيين وعناصر الأمن والشرطة الصهيونية وكل المذنبين بارتكاب جرائم حرب والتخطيط للحرب وتنفيذ الاغتيالات منهم حول العالم.

وأضافت انغريد ايريملاند، وهي مواطنة أمريكية ألمانية الأصل: المواطنون العراقيون باستطاعتهم أن يقاضوا الصهاينة على تدمير المفاعل النووي مثلاً، والليبيون على إسقاط طائرة ركاب مدنية وعلى قصف طرابلس، وكذلك يستطيع أن يفعل التوانسة واللبنانيون، وعائلات الاف المصريين الذين قتلوا بدم بارد في حروب عامي 1967 و 1973 بعد أسرهم، أما بإطلاق النار أو بالجرافات أو بدفعهم إلى الصحراء ليموتوا عطشاً. أن أسماء الوحدات العسكرية الصهيونية وأسماء قياداتها معروفة لمن يهمه الأمر، وهؤلاء تبججوا باعترافاتهم بارتكاب هذه الجرائم في المجلات العالمية ووسائل الإعلام الصهيونية.

وكل هذا لن يكلف دولاراً واحداً. إذ تستطيع السلطات القضائية في الدول العربية المعنية أن تحقق في هذه القضايا، وأن تصدر من ثم مذكرات اعتقال دولية، وأن تتابع المسألة. كل المطلوب هو ختم على ورقة، وفاكس للإنتربول (أو البوليس الدولي)، بالإضافة إلى مذكرة الاعتقال الدولية. وهذا الأمر سيجعل حياة الجنرالات والساسة الصهاينة معقدة إلى حد بعيد.

كما أن هذا الأمر يعيد المرجعية القانونية للقضاء المحلي، ويعيد المرجعية السياسية للمبادرة المحلية. وهو أمر بسيط، فهل سنقوم به؟