(صوتك في عالم أسكتت فيه المال والحديد والنار صوت العدالة)

 

قمع مظاهرة مؤيدة للانتفاضة في وسط العاصمة عمان.

عمان – الأردن

أغسطس/آب 3 - 2001

من الصحيح أنّه خلال الانتفاضة فإنّ خطوة عملية واحدة تساوي عدة برامج ثورية. ولكن، ماذا تساوي هذه الخطوة العملية في ساحة المعركة إذا لم تتقدم بنا خطوة أكثر نحو النصر؟!

مع ذلك، هناك فوائد ودروس يمكن إدراكها حتى من الخطوات العملية السيئة في أوقات الانتفاضة، وما حدث في وسط عمّان اليوم، خصوصا فيما يتعلق بأحزاب المعارضة الأردنية، ما هو إلا تجربة متخمة بالدروس. 

الخلفية:

عشية يوليو/تموز 31 – 2001، اتفقت مجموعة من رؤساء أحزاب المعارضة الأردنية والنقابات المهنية على القيام بمظاهرة لمناصرة انتفاضة الأقصى في وسط مدينة عمان بعد صلاة الجمعة في المسجد الحسيني.

وقد جاءت هذه الدعوة بعد إصرار الحكومة الأردنية على منع أي احتجاجات أردنية مؤيدة للانتفاضة، من ضمنها منع مسيرة ارتجالية كانت ستبدأ من مجمّع النقابات المهنية في عمّان باتجاه مكتب رئاسة الوزراء عشية يوليو/تموز 31 – 2001.


عندها، وجّه رؤساء أحزاب المعارضة والنقابات المهنية نداءات رسمية إلى الجماهير الأردنية تطالبهم بالانضمام إلى هذه المظاهرة في اليوم الثالث من أغسطس/آب 2001، بعد صلاة الجمعة في المسجد الحسيني الواقع وسط العاصمة عمّان.

معارضة متقلّبة:

ولكن، يبدو أنه بعد لقاء ليلي مع مسؤولين من الحكومة الأردنية في الثاني من أغسطس/آب 2001، أذعن رؤساء المعارضة الأردنية، من ضمنهم رؤساء الأحزاب الإسلامية والقوميين العرب واليسار على حد سواء، لضغوطات وتهديدات الحكومة الأردنية، ووافقوا على إلغاء مسيرة الجمعة المزمعة في 3 أغسطس 2001.

وقد نشرت الصحف هذا الصباح خبر إلغاء المسيرة المؤيدة للانتفاضة على جميع صفحاتها الأولى. ولكن رغب أن يعلم رؤساء المعارضة الأردنية أم لا، فإنهم بعملهم هذا فقدوا ما بقي لهم من مصداقية لدى الشارع الأردني لإذعانهم وخنوعهم أمام الضغوطات خلال الأحداث الخطيرة التي تجري في الضفة الغربية وقطاع غزة والتي ينعكس صداها بشكل وثيق في الأردن.

إجراءات صارمة على مسيرة عفوية:

لقد خذل رؤساء المعارضة الأردنية شعبهم، ولكنّ الشعب لم يخذل فلسطين. فبمجرد انتهاء صلاة الجمعة في المسجد الحسيني، أخذ مئات من المصلين بالهتاف " الله أكبر، الله أكبر!". إنّ عاصفة في الشارع كانت تختمر . بدأ الآلاف بالتدفق في لحظة تحرر حقيقي. وباستثناء حفنة رؤساء من الدرجة الثانية من مجمّع النقابات المهنية، لم يظهر أي من الرؤساء للعيان. كانت المظاهرة بلا رئاسة وبلا تنظيم. حتى أولئك الناشطين المستقلين الذي تولّوا قيادة الاحتجاجات في بداية الانتفاضة في أكتوبر/تشرين أول ونوفمبر/تشرين ثاني الماضي، كانت مشاركتهم ضعيفة. 

كل ذلك لم يدم أكثر من بضع دقائق، ربما عشر دقائق وربما خمس عشرة دقيقة. بدأ الناس بالتحرك، وانبثق ثلاثة أشخاص من الجماهير لقيادة المظاهرة، ثم بدأ الهجوم. شنّ جيش من الشرطة السرية وقوات مكافحة الشغب هجومهم في قلب المظاهرة من عدة جهات. أحاطت عدة مركبات سجن الشرطة وقوات مكافحة الشغب المكان، عازلة بذلك الجماهير التي كانت تأتي من خارج هذه الدائرة عن البضعة مئات من الناس الذي حوصروا في قلب المظاهرة. ثم بدأ الضرب. تم سحب العديد من الشباب لمصير غير معلوم. كما جرت المطاردات بين الزقازيق. ضرب العديد من المتظاهرين حتى فقدوا وعيهم وارتموا على الأرض. لقد رأيت أحدهم ينتشله أحد المارة ويضعه مغميا عليه في سيارة أجرة، فبالنسبة للجائرين، للمتظاهر الحق أن يبقى صامتا!

بعد حوالي جولة أخرى من الاصطدامات، لم يبقى من المظاهرة إلا القشور. أخذت الكراسي والهراوات تتطاير هنا وهناك. وأخذ المتظاهرون يهتفون على جوانب الطريق تنديدا بقوات الأمن: "يا يهود، يا يهود!".

[العرب المغرّبوب والمغتربون عن ذاتهم، الذين يظنّون بأنّ ذلك "عداء للسامية"، يمكنهم النزول إلى واحدة من هذه المظاهرات وإخبار المتظاهرين بذلك مباشرة، إذا كانوا يعارضون ذلك بشدّ :)].

بعض الدروس المستقاة من المسيرة العفوية الفاشلة:

1) لقد خذل رؤساء أحزاب المعارضة والنقابات الجماهير مرّة أخرى. لذلك، لا يجب أن يتذمّروا إذا لم يقفز الناس للاستجابة عند نقرة زرّ في المرة القادمة التي يدعون فيها إلى مظاهرة، خصوصا إذا ما فعلوا ذلك بعد أخذ موافقة النظام.

2) لا يمكن لانتفاضة أو حتى مظاهرة أن تدوم دون أي نوع من القيادة أو التنظيم للإبقاء عليها. فدون قيادة أو تنظيم، تأخذ المظاهرة شكل مواطن عربي منفرد في مجابهة جهاز قمع كامل. من المؤكد أنّ الثورات العفوية هي دليل على الحياة، لكنها في النهاية لا تشكل تقدّما سياسيا.

3) لم يكونوا على استعداد للاحتجاج قبل يومين. كان الشعب مستعدا اليوم. ولكن، حتى الناشطون المستقلّون أضاعوا فرصة تحويل هذه المظاهرة إلى احتجاج ضخم كما فعلوا في مستهل الانتفاضة في أكتوبر/تشرين أول ونوفمبر/تشرين ثاني الماضي. فبدلا من الجلوس والتذمر بأنّ الشعب لا يفعل شيئا لفلسطين، يجب على الناشطين أن يضعوا أصابعهم على نبض الشارع.

4) الذي يزال مفقودا في المعسكر الثوري، هو القيادة والتنظيم. المشكلة متأصلة في النخبة والمثقفين، والناشطين على حد سواء، وليس في استعداد الشعب للقيام بالتضحيات.

5) إنّ سلاح الصهاينة السري في الوطن العربي هو الأنظمة العربية. قد يخدع الصهاينة الرأي العام الغربي للاعتقاد بأنهم يصدّون ثلاث مائة مليون عربي بسبب مهارتهم الحربية. ولكن الحقيقة تبقى أنّ دون الحماية التي تقدمها الأنظمة العربية للصهاينة، فإنهم سيصبحون لحما مطحونا. لذلك، فإنّ ما يحتاجه العالم العربي هو ثورة حقيقة، وبالتحديد، فإنّ ما يحتاجه العالم العربي هو حركة شعبية جذرية تتزعمها قيادة مبدئية وتنظيم متفوق. إنّ أي محاولة للبحث عن حلول للقضية العربية يجب أن تبدأ من هذا المنطلق.

إبراهيم ناجي علوش