(صوتك في عالم أسكتت فيه المال والحديد والنار صوت العدالة)


بيان حول اعتقال الأمين العام للجبهة الشعبية أحمد السعدات
وحول مستقبل الانتفاضة الفلسطينية،

من هيئة تحرير نشرة الصوت العربي الحر

23كانون الثاني/يناير 2002

إن هيئة تحرير نشرة الصوت العربي الحر تدين بأشد لهجة ممكنة اعتقال الرفيق أحمد السعدات الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وتدعو للإفراج الفوري عنه وعن كل المناضلين المعتقلين في سجون السلطة، وتعلن أنها تدعم دون تحفظ الحق الطبيعي للشعب الفلسطيني بمقاومة احتلال وحشي، ما برح قائماً منذ أكثر من خمسة عقود، بكل الوسائل الضرورية، ومن ذلك طبعاً حق النضال المسلح ضد أي هدف صهيوني يمكن الوصول إليه.

كما أننا نؤكد أننا لا نستفيد من الرضوخ للضغوط الأمريكية والصهيونية الداعية لإخماد الانتفاضة وكبح جماح المقاتلين الفلسطينيين في الوقت الذي يطلق فيه شارون آلة إرهابه الصهيونية على الشعب الفلسطيني. على العكس من ذلك، إن مصلحة الشعب الفلسطيني في هذه الظروف السياسية وكقضية مبدأ تكمن في القيام بأشد مقاومة ممكنة لهذه الضغوط، لا في الخضوع لها.

إن الصهاينة والحكومة الأمريكية يضعان الفلسطينيين اليوم أمام خيار واضح المعالم: إما الاستسلام غير المشروط، أو الحرب الشاملة. وقد وضع هذا الخيار أولئك الذين دافعوا عن نهج التقارب مع "إسرائيل" خلال التسعينات في حالة أزمة حادة وفي حيرة عاصفة. بالتحديد، إن ثلاثة خطوط سياسية قد وصلت بوضوح اليوم إلى حالة من الإفلاس السياسي الكامل، وهي:

  1. نهج أوسلو الذي حاول إرضاء الصهاينة بقبول الاحتلال على معظم فلسطين، مقابل مظهر خارجي لدولة مستقلة على فتات من الباقي،
  2. النهج الذي دافع عن إصلاح النظام السياسي "الإسرائيلي" من الداخل، وعن كسب الرأي العام داخل دولة العدو على ما زعموا، عن طريق قبول مبدأ احتلال فلسطين ولكن دون عنصرية "إسرائيل" !!
  3. وأخيراً، نهج الأنظمة العربية (بالرغم من الفروق فيما بينها) التي تبنت السلام مع "إسرائيل" كخيار استراتيجي، دون الإدراك أن حتى الحل السلمي للنزاع العربي-الصهيوني ليس ممكناً دون تغيير جذري في ميزان القوى لمصلحة هذه الأنظمة.

وقد أصبحت ألان كل هذه المجموعات مستهدفة، بعدما استهلكت نفسها سياسياً في سنوات طويلة من الخدمة خلال عقد التسعينات الرمادي. لقد كان هؤلاء بيارق الزمن الانهزامي، لكنهم وصلوا اليوم إلى نهاية الطريق المسدود: إما الحرب الشاملة أو الاستسلام الشامل، فانتهى الزمن الرمادي بعد أن زرعت هذه المجموعات بذار دمارها اللاحق بتمكينها المشروع الصهيوني من الانتقال إلى الخطوة المنطقية التالية بعدما أعطته الكثير من الزخم من خلال قيامها بما يلي:

  1. نشر الأوهام الفارغة بين قطاعات واسعة من الجمهور العربي عن إمكانية التعايش السلمي مع المشروع الصهيوني في فلسطين
  2. إعاقة تطور بدائل فلسطينية أكثر جذرية على الأرض من خلال التعاون الأمني أو التنسيق السياسي مع الصهاينة والحكومة الأمريكية
  3. التعامل مع الولايات المتحدة كأنها طرف حيادي أو حتى كمنقذ محتمل في النزاع، وإعطائها مواطئ قدم في العقل الجمعي الفلسطيني وعبر الوطن العربي 
  4. الولوغ في المعاهدات وفتح الأبواب العربية أمام "إسرائيل" حتى بات واضحاً كالشمس أنها تسعى لإقامة إمبراطورية في الوطن العربي ولتهميش الأنظمة التي أدخلتها إليه.

بالتالي، إن الاستمرار في اعتقال أحمد السعدات وغيره من المناضلين الفلسطينيين ليس مجرد مسألة حقوق سياسية، إنه بالأحرى تعبير عن تخبط وحيرة نهج سياسي كامل وقد علق بين فكي مأزق:

لذلك كله، يعكس استمرار اعتقال أحمد السعدات وغيره من المناضلين الفلسطينيين فزعاً مثيراً للشفقة، وقدراً من العجز السياسي، بقدر ما يعكس انتهاكاً للحقوق السياسية، وتخلياً عن المبدأ.

وإذ نطالب بأعلى صوت بإطلاق سراح أحمد السعدات فوراً، فإننا نعتبر هذا المطلب جزءاً من الحاجة لجهد أوسع ولبرنامج طويل المدى للوقوف في وجه الهجمة الصهيونية والأمريكية على الشعب الفلسطيني. إن قواعد الاشتباك التي وضعها الطرف الأمريكي-الصهيوني (الاستسلام الكامل أو الحرب الشاملة) قد جعلت ما ينبغي فعله في هذه المرحلة واضحاً وضوح الشمس. بما أن خيار الاستسلام غير وارد سلفاً، فإن القوى الأكثر جذرية في الساحة الفلسطينية يتوجب عليها أن تبادر إلى تصعيد الانتفاضة إلى ما هو أشرس من أي شئ جربه الصهاينة حتى اليوم. إن المزيد من الاحتجاجات المدنية، وبشكل منفصل، المزيد والمزيد من القنابل البشرية أو العمليات العسكرية النوعية، يمكن لها أن تتفاقم باتجاه خلق كابوس يومي خارج عن السيطرة لدى الغزاة دون نهاية في الأفق المنظور. فإذا ما تمت المحافظة على مثل هذه الوتيرة مدة كافية من الزمن، فإنها يمكن أن تؤدي إلى انسحاب غير مشروط من الضفة الغربية وغزة، وهو هدف قصير المدى قابل للتحقيق بدرجة عالية بالرغم من التضحيات الغالية التي يتطلبها. الانسحاب غير المشروط يعني بالضرورة عدم توقيع أية معاهدات، وعدم الاعتراف بحق دولة العدو بالوجود، وعدم مصادرة الخيارات المستقبلية، تماما كما في الانسحاب من جنوب لبنان. كما أن هذا العمل المكثف على الأرض سوف يحيد عملياً عواقب تأرجح وضعف النهج الانهزامي بعدما قاد الشعب الفلسطيني إلى الأزمة السياسية الحالية.

إن قواعد الاشتباك التي وضعها الطرف الصهيوني-الأمريكي قد جعلت ما ينبغي أن تفعله الأنظمة العربية واضحاً وضوح الشمس أيضاً. إن عليها أن تقطع علاقاتها الديبلوماسية وغير الديبلوماسية مع "إسرائيل" بالكامل، وأن تغلق السفارات والبعثات "الإسرائيلية" الملعونة في الأردن ومصر وموريتانيا وقطر وعمان ألان. لا يتوقع أحد من الأنظمة العربية أن تحارب "إسرائيل"، ولا يتوهم أحد أنها ستحرر فلسطين. ولكن علينا أن نذكر هذه الأنظمة أنها مستهدفة اليوم من الصهاينة ومن الحكومة الأمريكية، ومن حقنا أن نطلب منها أن تكف عن قمعها للشعب العربي كي يتمكن من دعم الانتفاضة بأي طريقة يراها. فإذا تحررت المبادرة الشعبية العربية من القمع، فإن انتفاضة متصاعدة أبدا ً ستثير الطاقات نحو قنوات خلاقة كثيرة. فنحن في نهاية المطاف لم نفشل في الستينات والسبعينات لأننا اعتمدنا خيار القتال، بل لأننا لم نقاتل بشكل كافي أو كما يجب أن نقاتل. وها نحن اليوم على مفترق طرق تاريخي من جديد. العدوان الصهيوني يكشف عن وجهه البشع مرة أخرى، والأمر يعود إلينا أن نختار بين الارتفاع إلى مستوى التحدي أو أن نصبح للصهاينة كالعبيد. المرحلة تصرخ فينا كي نأخذ موقفاً صلباً لأن أوهامنا الماضية لم يبق لها مكان. والصهاينة اليوم يعرضون علينا خياراً واضحاً: إما العبودية أو القتال، فماذا سنختار يا ترى؟

وكي لا يتهمنا البعض بتبني خطاب "إرهابي"، فإننا سنقتطف هنا المقطع الأخير من خطاب باتريك هنري الذي أطلق الثورة الأمريكية ضد الاحتلال البريطاني قبل أكثر من 225 عاماً:

"إنه لمن العبث أن نقلل من خطورة الموقف. وقد يصيح بعض السادة: السلام، نعم للسلام.. ولكن ليس ثمة سلام. فالحرب قد بدأت بالفعل. والريح الجديدة الآتية من الشمال ستحمل إلى آذاننا دوي قعقعة السلاح. وها هم إخواننا في الميدان يقاتلون، فلماذا نقف نحن هنا بلا فعل؟ ما الذي يرومه الرجال؟ وما الذي يتمنون الحصول عليه؟ هل أصبحت الحياة غالية إلى هذه الدرجة والسلام حلو المذاق إلى هذا الحد حتى نشتريهما بالعبودية والقيود؟ لا سمح الله. أنا لا أعرف أي درب سيسلكه الآخرون، أما أنا فأعطني الحرية أو أعطني الموت".

هيئة تحرير الصوت العربي الحر:

د.إبراهيم علوش   نبيلة حرب   أبو نيكولا اليوناني   زياد الجشي   مها أبو غوش