(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)


الأهداف الستراتيجية
للحملة الأمريكية على العراق

 

تسير الحملة الأمريكية المحمومة الحالية ضد العراق، التي قد تتطور إلى عدوان إمبريالي جديد، في إيقاع واحد مع الحملة الصهيونية الدموية اليومية ضد الشعب الفلسطيني. والأهداف المباشرة لهذه الحملة المنسقة، هي أولاً كسر إرادة المقاومة الشعبية في البلدان العربية والإسلامية، وإخضاع جميع الأنظمة فيها لإملاءات السياسة التوسعية الأمريكية. ومن الواضح أن للإدارة الأمريكية هدفا رئيسيا ابعد، هو فرض دكتاتوريتها المطلقة على العالم أجمع.

وفي معمعان هذه الحملة، تستغل الإدارة الأمريكية التعاطف الإنساني مع الضحايا الأمريكية البريئة التي سقطت في نيويورك في 11 أيلول 2001، لمحاولة إلباس دولتها مسوح الجمهورية الأفلاطونية الفاضلة، التي تنصب نفسها فوق جميع دول وشعوب العالم، كحاكم وديـَّان لها. ويبدو ذلك ـ مع ما يبدو ـ في رفضها التوقيع على معاهدة محكمة الجزاء الدولية، لا ضد "الدول الشريرة" كالعراق وإيران وحسب، بل وبمواجهة جميع دول العالم بلا استثناء، بما في ذلك، بالدرجة الأولى، "حلفاؤها" أنفسهم في حلف "الناتو" ذاته، الذين لم تستثنهم من معادلة "من هو ليس معنا فهو ضدنا"، وبدأت تعاملهم كأتباع يتوجب عليهم الانصياع لدكتاتوريتها. ولم يكن من الصدفة أبدا أن تقوم وزيرة العدل الألمانية بتشبيه أساليب الرئيس الأمريكي بأساليب هتلر، بكل ما في هذا التشبيه من دلالات عالمية، ولا سيما أوروبية.

الشـر الأكبر!

وهنا لا بد من التأكيد على حقيقتين:

الأولى، حتى لو افترضنا جدلا المستحيل، بأن الدولة الأمريكية هي "الجمهورية الفاضلة" التي حلم بها أفلاطون منذ اكثر من ثلاثة وعشرين قرنا، وتتحقق الآن على أيدي ثالوث بوش الأب والابن والنفط، فهي لا يحق لها ـ من ضمن منطق "فضيلتها" الكاذبة ذاته ـ التدخل في الشؤون الداخلية لأي شعب، صغيرا كان أو كبيرا، وتحت أي حجة كانت. لأن هذا التدخل لا يقضي على التجاوزات الحقوقية والممارسات العدوانية، حيثما توجد، بل يكرسها ويشجعها. ذلك أنه هو بحد ذاته تجاوز وعدوان، وتبرير للتجاوز والعدوان. وهو بالتالي يتعارض تماما مع أسس العلاقات الاجتماعية والدولية السوية، أي حقوق الإنسان والجماعات، وحق تقرير المصير للشعوب والأمم، التي يستحيل فصلها عن الاستقلال والسيادة الوطنية، الأس الأساسي الذي لا يمكن بدونه وجود أي دولة، فاضلة كانت أو "شريرة"، ومن ثم تحقيق الوجود الحر، داخليا وخارجيا، لأي شعب أصيل.

وإذا قلنا "لا يحق لها"، فهذا يعني أنها في نهاية المطاف ـ وبفعل "قوة الحق" ـ أعجز من أن تستطيع فرض "إرادتها السـَنيـّة" على الشعوب الأخرى، أكثر مما استطاعت ذلك الصهيونية، التي لا تزال تواجه المقاومة الباسلة من قبل الشعب العربي الفلسطيني، بالرغم من مرور اكثر من نصف قرن على اغتصاب فلسطين.

فالشعب العراقي هو جزء لا يتجزأ من الشعب العربي الذي سبق وشكل شخصيته القومية، وأسس دوله، وشاد حضارته العالمية، قبل آلاف السنين من وجود أمريكا "الجديدة" وحسب، بل والقارة العجوز أوروبا أيضا، التي ينتمي إليها المعلم أفلاطون ذاته، وهو الذي استقى علمه ورؤاه الفلسفية والإنسانية من الينابيع الروحية والفكرية العميقة والعريقة لتلك الحضارة. وهذا الشعب قمين بالدفاع عن حقوقه الاجتماعية والسياسية والإنسانية، وسيادته الوطنية، وليس بحاجة لوصاية أمريكية ـ صهيونية يعرف منطلقاتها وأهدافها.

الثانية، أن الدولة الأمريكية هي أبعد من أي دولة أخرى عن أن تكون طرفا صالحا للاضطلاع بدور "الحـَكـَم" و"المصلح" الدولي، الذي يعلـّم العالم على الديمقراطية، ويستخدم قوته المعنوية والمادية لفرض تطبيقها. فهي أول دولة في العالم من حيث القوة المادية، الاقتصادية والعسكرية. ولكنها آخر دولة في العالم من حيث القوة المعنوية، الأخلاقية ـ السياسية. وهي على هذا الصعيد تأتي في المرتبة الأسوأ بين جميع الدول الاستعمارية التقليدية والدكتاتورية والفاشية، التي عرفها التاريخ المعاصر. ذلك أن مثل هذه الدول بدت وتبدو مكشوفة ومفضوحة، لا تستطيع أن تخدع أحداً بـ"ديمقراطيتها". أما الدولة الأمريكية فتأتي في المرتبة الأولى في العالم، من بين جميع الدول الإمبريالية، في "اغتصاب" الديمقراطية وحقوق الإنسان والشعوب والأمم، وتحويلها ـ عبر مركـّب الديماغوجية والبراغماتية والإرهاب المادي والمعنوي بكل وجوهه ـ إلى "آليات" لتحقيق أعتى دكتاتورية إمبريالية في العصر الحديث.

فعلى الضد تماما من تمثال الحرية الواقف كشاهد زور على بوابتها، فإن الدولة الأمريكية تمثل:

ـ دولة استعمار داخلي، ودكتاتورية شمولية، تقوم على أبشع أشكال العنصرية والتمييز القومي والديني والطبقي، التي تمارس بحق أكثرية سكانها، ولا سيما الملونين، المستعمـَرين وشبه المستعمـَرين داخل "وطنهم!"، من قبل الطغمة العليا الأنكلو ـ ساكسونية ـ الصهيونية.

ـ الدولة الإمبريالية الأكبر، ذات الأغراض التوسعية الشاملة، التي تهدف إلى السيطرة على جميع الشعوب والبلدان الأخرى بلا استثناء، بدءا بالضعيفة والفقيرة، وانتهاء بالقوية والغنية، حينما وحيثما تستطيع.

وهذه الدولة "تحقق ذاتها" عن طريق:

أ ـ العدوان المباشر، والمؤامرات، وشراء الطوابير الخامسة والخونة والعملاء، ودعم الأنظمة الاستبدادية والتشجيع المباشر أو المبطن لجميع الدكتاتوريات، التي تسير في ركابها أو تماشي سياستها أو تهادنها.

ب ـ التطبيق الشامل، على نطاق العالم بأسره، لسياسة "فرق تسد" الاستعمارية القديمة، وإشاعة الفوضى والتمزق السياسي والإقليمي والعنصري والديني الخ، باسم "الديموقراطية" المزيفة، و"حرية التجارة"، و"الحدود المفتوحة" وألاعيب البورصة الخ، حينما يكون ذلك أجدى لها.

والتجارب العربية والإيرانية والأفريقية واليوغوسلافية والروسية والأوروبية والأمريكية اللاتينية وغيرها، هي براهين لا تنتهي.

والعدوان الظالم الذي يتعرض له الشعب العراقي، الذي يتخذ الآن شكل الحصار، وكان من نتائجه المأساوية "القتل البطيء المحسوب" لحوالي المليون ونصف المليون مدني عراقي، أطفالا وشيوخا ونساء ورجالا، هو حلقة لا اكثر في سلسلة ستراتيجية التوسع الإمبريالي الأمريكي.

الديموقراطية الكاذبة!

ولتبرير سياستها العدوانية، تتذرع الإدارة الأمريكية بطبيعة النظام السياسي في العراق، شاهرة ضده تهم الدكتاتورية، ودعم الإرهاب، وخرق القرارات الدولية وامتلاك أسلحة الدمار الشامل، وتهديد جيرانه ولا سيما "الحمل الوديع" "إسرائيل"، وهي كلها "خصال" ينبغي أن تبقى حكرا على الإمبريالية الأمريكية وربيبتها "إسرائيل" وصنائعها من الدول الأخرى.

ولو سلمنا جدلا ـ مع أشد المعارضين لنظام صدام حسين ـ بأنه يمثل "حالة شر"، أو "دولة شر" حسب المصطلحات الأمريكية "الفاضلة"، فإن الشعب العراقي هو المرجع الأول والأخير، المعني بشؤونه السيادية، ومنها قضية بقاء أو تغيير نظام الحكم في بلاده. والإدارة الأمريكية لا تهدف في الواقع إلى إزالة أي "حالة شر"، صحيحة أو مفترضة، عراقية أو غير عراقية، بل إلى فرض "حالة الشر الأكبر" التي تهدد العالم بأسره، والمتمثلة في الإمبريالية الأمريكية بالذات.

والسكوت، أو الموافقة، أو خصوصا المساهمة في استبدال أي حالة "شر اصغر"، بـ"حالة الشر الأكبر" الأمريكية، هو تهديد للوجود الوطني المستقل، وطعنة في صميم المصالح الحيوية ليس للشعب العراقي وحسب، بل ولجميع شعوب العالم قاطبة، وخاصة الشعوب العربية والإسلامية.

ولعله من العبر التاريخية، على هذا الصعيد، أن "إسرائيل" تسمى في القاموس الغربي "واحة الديموقراطية" في "الشرق الأوسط". وان استعمار فلسطين، واحتلال الأراضي العربية الأخرى، والظلم المتمادي المتمثل في تشريد ملايين الفلسطينيين والإبادة المتواصلة للشعب الفلسطيني، إنما تمت وتتم تحت شعارات "الدفاع" عن اليهود ضد النازية، وعن "ديمقراطية"(!) "إسرائيل" و"الشعب الإسرائيلي"، في مواجهة الرجعية والتعصب والدكتاتورية العربية!. وعلى القياس ذاته، فقد سبق للستالينية، على النقيض من كل الأسس العلمية والتاريخية، أن وافقت على إقامة "الوطن القومي الديني" لليهود، وأرسلت الشيوعيين اليهود المضللين من أوروبا الشرقية، للقتال إلى جانب الصهاينة، تحت وهم "الاستفادة" من هذه "الديموقراطية الإسرائيلية" في السعي وراء سراب إقامة "إسرائيل اشتراكية" فوق أنقاض فلسطين. ولا ننسى أبدا أن من قاد "إسرائيل" منذ تأسيسها، ولا يزالون يشاركون بفعالية في قيادتها، هم "اليساريون"، "الاشتراكيون الديمقراطيون" اليهود، من بن غوريون حتى بيريز، حتى بعد أن استلم اليمين الصهيوني دفة القيادة.

وقد مثل ذلك أبشع "تقديم" وتشويها وتزويرا فاضحين لـ"الديموقراطية" و"الاشتراكية"، وقدم أكبر خدمة للصهيونية والإمبريالية العالمية، وللرجعية والشوفينية والدكتاتوريات العربية، كل بحسابه وعلى طريقته.

وبعض أنصار "الديموقراطية" و"السلام الأمريكي"، العراقيين والعرب، الذين يتهافتون اليوم على أعتاب العم سام، مهما كانت حججهم وتبريراتهم، إنما يكررون تجربة إقامة وتكريس الكيان العنصري الصهيوني، باسم "الديموقراطية" و"السلام" مع "إسرائيل"، ويضعون أنفسهم، من حيث يدرون أو لا يدرون، في خدمة المخططات الأمريكية والصهيونية.

استهلاك محلي!

إن الإدارة الأمريكية تعمد باستمرار، وبشكل متزايد، إلى خداع المواطن الأمريكي النمطي العادي المسكين، الذي اصبح لديه "مشكلة وطنية" تتمثل في السمنة والبلادة الذهنية، نتيجة دفعه للإدمان على وجبات الأكل السريع المليئة بالمواد الضارة، وعلى التسمّـر لساعات طويلة يوميا أمام شاشات التلفزيون لمشاهدة أفلام الأكشن والسكس، التي يضعها خبراء نفسيون في التخدير والتخبيل الجماهيري. وتدعي هذه الإدارة الآن أن حملتها على العراق اليوم هي محصورة به وحده، حيث أنه، وبالإضافة إلى سيل التهم الموجهة إليه، يمثل حسب مزاعمها تهديدا للمصالح وللأمن القومي لأمريكا ذاتها. وكل هذه الحجج الديماغوجية، التي تستند أو لا تستند إلى بعض الوقائع، ليست سوى سلعة رخيصة، مخصصة للاستهلاك المحلي، كمادة انتخابية وغير انتخابية، الهدف منها تعمية المواطن الأمريكي المغلوب على أمره، وتبرير السياسية العدوانية والتوسعية للإمبريالية الأمريكية.

"الصداقة" الأمريكية المزيفة

ولكن كل القرائن تشير إلى أن الحملة ضد هذا البلد، أيا كان الشكل الذي تتخذه، هي مدخل للحملة على المنطقة العربية برمتها، كحلقة مركزية ضرورية لا يمكن بدونها تحقيق السيطرة الأمريكية على العالم، والاحتفاظ بها. ولعله من المعبـّر بشكل خاص الإشارة إلى "أزمة الثقة" التي نشبت، على خلفية الحرب الأمريكية ضد "الإرهاب الدولي" والحملة على العراق، بين الإدارة الأمريكية وبين اكبر وأغنى الدول العربية "الصديقة" تقليديا لأمريكا، ونعني المملكة "العربية" السعودية، وجمهورية مصر "العربية". فهاتان الدولتان "العربيتان"، ولا سيما منهما المملكة السعودية، اللتان سارتا طويلا، وبمنتهى الإخلاص، في ركاب "الصداقة" الأمريكية، تدركان الآن، على حساب المصالح والسيادة والكرامة، الوطنية والقومية والإسلامية، أن الدولة الأمريكية لم تكن يوما "صديقة" حقيقية لأي منهما، وأن الإدارة الأمريكية لا تريد من العرب "أصدقاء" أو "حلفاء"، بل فقط "متعاونين" منصاعين، إلى جانب العملاء.

وحينما تراجع هاتان الدولتان الآن حسابات الانتصار على السوفيات، ومن ثم على "طالبان"، في أفغانستان، والانتصار على صدام في "عاصفة الصحراء"، ربما تحاولان التفكير بمغزى الأمثولة العربية القديمة "أكـِـلت يوم أكِـل الثور الأبيض!"، حيث انه، في "الماضي السعيد" الذي ولى إلى غير رجعة، أثناء وجود المنظومة السوفياتية والحرب الباردة، كانت الإدارة الأمريكية "تلاطف" نسبيا "أصدقاءها" الإقليميين كالسعودية ومصر وغيرهما، وتزيد في "السعر المادي والمعنوي" لـ"صداقتها" لهم، لاستعمالهم بمواجهة الشيوعية والنفوذ السوفياتي و"المتطرفين" العرب. أما الآن، فلم تعد بحاجة لهذه "الصداقة" المكلفة نسبيا، وهي تريد أنظمة دمى متحركة ضعيفة، "رخيصة" الكلفة، تبلغ وتنفذ، لا اكثر ولا اقل.

أبعد من العراق!

ومن الواضح الآن أن صمود النظام العراقي، أيا كانت مآخذ هذا الطرف أو ذاك عليه، اصبح يمثل "خط دفاع متقدم"، قد يكون الأخير، للنظامين السعودي والمصري، بله الأنظمة العربية الأخرى، بوجه الهجمة الأمريكية الشرسة. فقد احتاج الأمر تجنيد نصف مليون جندي ضد النظام العراقي في "عاصفة الصحراء"، وإلى عشر سنوات من الحصار القاسي. ومع ذلك فهو لا يزال صامدا. فإذا سقط هذا النظام، بأي شكل من سيناريوهات الحصار والعدوان والتآمر، فما هو حجم التهديد العسكري الذي يحتاج إليه النظام السعودي، ولكم أسبوع من الحصار الاقتصادي يحتاج النظام المصري، كي يذعنا للإرادة الأمريكية، أو يسقطا، ويصبحا في ذمة التاريخ و..الجماهير العربية؟

ومع ذلك، فتحت ضغط الأحقاد المتراكمة لعقود من السنين، التي لا يمكن إعفاء النظام العراقي من تحمل مسئوليته فيها، أصيب بعض أطراف المعارضة العراقية وخصوم النظام العراقي العرب بنوع من النظرة السياسية الوحيدة الجانب، التي تجعلهم لا "يرون" ولا "يفكرون" إلا في "ما بعد صدام".

أما الخطة الأمريكية، فإن كل المؤشرات، الإقليمية والدولية ناهيك عن الأمريكية، تدل على أنها ترمي إلى "ما بعد العراق". وهي تضع نصب عينيها، عبر، أو بعد، تدجين أو تحطيم "نظام صدام"، الأهداف التالية:

ـ كسر العنفوان والإرادة الوطنية للشعب العراقي الباسل، تحت الضغط الهائل لما عاناه ويعانيه من ويلات الحروب، والحصار الجائر، المتفاعلة والمتفاقمة مع سلبيات النظام، والتهديد الدائم بالعدوان، وربما الاحتلال المباشر. والسعي لتحويل العراق من قلعة صمود عربية، إلى منطقة نفوذ أمريكية.

ـ إضعاف واحتواء وتدجين جميع الدول العربية، بما فيها أو حتى على رأسها "صديقة" أمريكا، بدءا بمصر والسعودية، ومن ثم سوريا ولبنان وليبيا واليمن والسودان وغيرها، وذلك كشرط مسبق لإمكانية السير، في الوقت نفسه، في إضعاف واحتواء إيران وباكستان وإندونيسيا وجميع الدول الإسلامية الأخرى، التي ترتبط تاريخيا بالعرب، وتتأثر بهم، بهذا الشكل أو ذاك، والتي توجد فيها، أو يمكن أن توجد، حركات استقلالية قوية. ولا بد من التأكيد هنا أن حرب أفغانستان ذاتها لم تكن موجهة ضد نظام طالبان بحد ذاته وحسب، بقدر ما كانت موجهة أيضا ضد العرب والنفوذ العربي، أيا كان، حتى نفوذ القوى والدول العربية التي كانت أو لا زالت مرتبطة بأمريكا، من خلال العلاقات السياسية والعسكرية والمصالح الاقتصادية، ومنها تنظيم بن لادن، والنظام السعودي والأنظمة الخليجية الخ. فالإمبريالية الأمريكية تعتبر أن أي نفوذ عربي، حتى "التقليدي" و"الرجعي" و"الصديق" في البلدان الإسلامية خاصة، وغير العربية عامة، يمثل تهديدا جوهريا لها، ضمنيا إذا لم يكن مباشرا، ومستقبليا إذا لم يكن آنيا.

ـ استخدام التصعيد، وربما الحرب، ضد العراق، كعملية ضغط فعالة "تساعد" أمريكا و”إسرائيل" في أيجاد "حل"، طال "انتظاره!"، للصراع العربي ـ الصهيوني، يقدم فيه بعض الفتات الاقتصادي والمعنوي والسياسي للفلسطينيين والعرب (مما يجد غطاءه في الشعارات المفرغة من أي معنى حقيقي، حول "سلام الشجعان" و"السلام العادل والشامل" و"القدس مدينة سلام مفتوحة" و"مؤتمر الشرق الأوسط الاقتصادي للتعاون والتنمية" الخ)، وقد يتم فيه الانسحاب حتى إلى حدود 4 حزيران 1967، وإنشاء دولة فلسطينية منزوعة السلاح، وإعادة جزء من اللاجئين، مقابل ليس فقط مجرد الاعتراف ب”إسرائيل"، بل التسليم بوجودها كزعيم إقليمي، وكقوة عسكرية ـ نووية، اقتصادية وسياسية، لا يسمح بأن توازيها قوة أخرى في المنطقة (باستثناء تركيا)، وتستطيع بـ"الرضا المسبق" فرض مشيئتها دون منازع، والاضطلاع بدور "مفوض عام" أمريكي في كل أفريقيا وغرب آسيا.

ـ تقوية تركيا، ومدها بكل أنواع الأسلحة، وتحويلها إلى "قوة عسكرية عالمية": جوية، صاروخية، برية ونووية، بما في ذلك إلى قوة بحرية عالمية، في البحر الأبيض المتوسط والبحر الأسود. ولهذه الغاية، وفي الوقت الذي تشن فيه حملة شعواء على الإسلام والمسلمين في كل مكان، فهي تسعى بكل الوسائل لإيجاد "اللغة المشتركة" و"مد الجسور" بينها وبين "الإسلاميين" الأتراك "المعتدلين"، الذين يقبلون بـ"التعاون" مع أمريكا، وتفعل المستحيل لفصلهم، خصوصا، عن "الإسلام العربي" الخطر!، وامتداده الطبيعي "الإسلام الإيراني"، ولـتوحيد صفوفهم و"مصالحتهم" مع العسكرية التركية، التي لا تتعارض "علمانيتها" المزيفة مع فاشيتها الحقيقية. وتضع الإدارة الأمريكية كمهمة رئيسية لها: تحويل الدولة التركية إلى أقوى دولة في البلقان، وأقوى دولة إقليمية في "الشرق الأوسط" وآسيا الصغرى والوسطى، وأخيرا إلى أقوى دولة "إسلامية" على الإطلاق، تكون بمثابة مركز استقطاب وتحريك للمسلمين الطورانيين، خاصة، من البحر الادرياتيكي حتى سور الصين، حسب مشروع توركوت أوزال، و"المسلمين المتعاونين" عامة، من باكستان حتى المغرب، حسب المشروع الأمريكي ـ الصهيوني. وبذلك يمكن لتركيا أن تضطلع بدور مميز في حلف الناتو، هو دور "الذراع الإسلامي" لهذا الحلف الإمبريالي، وان تتحول، جنبا إلى جنب "إسرائيل"، إلى "المملوك الوفي الأكبر" للإمبريالية الأمريكية، الذي يمكن الاعتماد عليه في المواجهة الإمبريالية الشاملة مع العرب قاطبة، شعوبا ودولا، وفي مواجهة جميع الحركات الاستقلالية في أوساط الأكراد والإيرانيين والأفغان والطاجيك والأوزبك وغيرهم من الشعوب الإسلامية، كما في المواجهة مع الحركات الاستقلالية للشعوب السلافية والأرثوذكسية في البلقان والقوقاز وروسيا، وكذلك في المواجهة مع الصين.

ـ فرض وتمكين "زعامتها" على مختلف الكتل الدولية والدول الغنية والقوية، ولكن الأضعف من العملاق الأمريكي، بما في ذلك دول "الاتحاد الأوروبي" واليابان، التي تحاول تخفيف الهيمنة الأمريكية.

ـ عزل وإحراج روسيا، وإضعاف ومحاصرة الدور العالمي للصين.

المهمة الرئيسية

وبالرغم من كل هذه المؤشرات، فإن بعض أطراف المعارضة العراقية والعربية لنظام صدام حسين، يعتقدون، أو يتظاهرون بالاعتقاد، أن العداء الأمريكي الحالي للعراق هو ظرفي فقط، مرتبط بالأوضاع والارتكابات و"المخالفات" الخاصة لهذا النظام، كمسألة المفتشين الدوليين وأسلحة الدمار الشامل، وأنه بزوال هذه الأسباب، وخصوصا بسقوط النظام العراقي، فإن العلاقات الأمريكية ـ العراقية ستتخذ مجرى "طبيعيا".

كما يعتقد بعض "أصدقاء" أمريكا العرب، "الرجعيين" التقليديين أو "التقدميين"، أن العداء الأمريكي الحالي للعراق، كما وللفلسطينيين، والعرب والمسلمين، هو صدفة مؤقتة، طال أمدها أم قصر، وأنه ذو أسباب ذاتية، تتعلق بـ"القناعات غير المتوازنة" أو "المنحازة" لهذا وذاك من الرؤساء الأمريكيين، هذه وتلك من الإدارات الأمريكية، وخصوصا تحت تأثير الصهيونية، والتقصير الإعلامي العربي الخ، مما هو قابل للتغيير.

لا يمكن بالطبع نكران دور "الصدفة" و"الذاتية" و"الظرفية"، في سياسة أي دولة، كما وأي دولة إمبريالية، بما في ذلك الدولة الأمريكية. وبالتالي لا يمكن نكران إمكانية التأثير السلبي أو الإيجابي لمختلف جماعات الضغط، وللإعلام، والصراعات، والنضالات السياسية، وتشابك المصالح الخ، في السياسة الرسمية الأمريكية.

ولكن أي نظرة في خصائص التركيبة العامة للدولة الأمريكية، في نشأتها ومسارها التاريخيين، ووضعها الراهن، تبين لنا أن هذا النهج الأمريكي الأولترا ـ إمبريالي، الذي لا يهدف إلا "فقط" إلى الهيمنة على العالم اجمع، لا اكثر ولا أقل، هو نهج "ضروري"، "موضوعي" و"تاريخي"، يفترضه خط سير الإمبريالية الأمريكية، الذي كان أحد ابرز معالمه زواجها الاستثنائي مع الصهيونية العالمية.

وبالتالي أن طبيعة "هذه الدولة الأمريكية" هو الذي اشترط ويشترط وجود "هذا النمط الإمبريالي الأمريكي الخاص"، الذي سار ويسير في اتجاه معاكس للمسيرة العالمية المتقهقرة لظاهرة الاستعمار والإمبريالية، وهو اتجاه وراثة وبعث وتجديد وتشديد هذه الظاهرة، ضمن معادلة الزواج الإمبريالي الأمريكي ـ الصهيوني. علما بأن هذا الاتجاه يتعارض على خط مستقيم، وحتى بشكل مأساوي، مع المصالح الحيوية، لا التاريخية وحسب، بل الآنية والمباشرة أيضا، لجميع شعوب العالم.

والمهمة الرئيسية، ذات الطابع الدولي، التي أصبحت ملقاة موضوعيا على عاتق حركة التحرير العربية خاصة، والشعوب والأنظمة العربية عامة، هي التصدي لاتجاه الهيمنة الإمبريالية الأمريكية. وكل مهمة أخرى، مهما عظمت، بما فيها القضية الفلسطينية ذاتها، وقضية تغيير وتطوير الأنظمة العربية، أصبحت موضوعيا عصية على الحل، أو تفقد معناها الأساسي، أو تتخذ معنى سلبيا متعارضا مع المصالح الحيوية لشعوبنا، إذا لم تقترن عضويا بهذه المهمة.

جورج حداد

(كاتب لبناني مقيم في صوفيا ـ بلغاريا)