(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)


 

مقالة ثالثة تعالج العلاقة اليهودية-الأمريكية:

 

تجدون أدناه مقالة للكاتب نبيل شبيب تعالج في جانبٍ منها العلاقة اليهودية الأمريكية، وفي جانبٍ أخر البيئة الدولية للسياسة الأمريكية. وهذه المقالة هي الثالثة التي ننشرها حول العلاقة اليهودية-الأمريكية، وقد سبقتها دراسة مارك ويبر عن اللوبي اليهودي القوي في الولايات المتحدة، ودراسة د. إبراهيم علوش "اليهود والولايات المتحدة: من يسيطر على من؟". وتظهر هذه المقالات جوانب مختلفة من العلاقة اليهودية-الأمريكية. 
وقد بسط مارك ويبر الرأي القائل أن النفوذ اليهودي في الولايات المتحدة في ازدياد، وأنه يلعب دوراً حاسماً في صناعة السياسة الأمريكية، دون أن يعير المصالح الإمبريالية الكثير من الانتباه، الأمر الذي يعطي الانطباع أن التأثير اليهودي يمارس من خارج وعلى المؤسسة الحاكمة الأمريكية. بالرغم من ذلك، يعرض مقال الأستاذ مارك ويبر لتفصيلات مهمة عن قوة اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة. وتجدون مقاله على الرابط التالي: http://www.freearabvoice.org/arabi/zawiyatuLKurra_i/alLobyLYahudy.htm
وعرض قبله د. إبراهيم علوش رأياً مفاده أن النفوذ اليهودي في الولايات المتحدة في ازدياد، ولكن ضمن إطار العلاقة العضوية مع الإمبريالية، حيث ارتقت الحركة الصهيونية من أداة إلى شريك في إدارة النظام الدولي الجديد. وقد عرضت تلك الدراسة لتطور النفوذ اليهودي نوعياً في ظل حكم الرئيس السابق كلينتون، ولكنه ربطته بمصالح وبنية الفئات الحاكمة في الولايات المتحدة، في النظام الدولي الجديد. وتجدون مقاله على الرابط التالي: http://www.freearabvoice.org/arabi/maqalat/alYahudWaLWilayatuLMuttahida.htm
أما الأستاذ نبيل شبيب أدناه، فأهم ما في مقاله التركيز على أن اللوبي اليهودي جزءٌ عضويٌ من الإمبريالية الأمريكية، دون أن يستخدم ذلك التعبير بالضرورة، ولكن ضمن أفق تلميحات بانحسار وزن اللوبي اليهودي في السياسة الأمريكية، خاصة بعد أن غالى في فرض دورٍ لنفسه يتجاوز حجمه الفعلي.
ولكن تمييز د. شبيب بين المال اليهودي في الحزب الجمهوري من جهة، والأصوات اليهودية في الحزب الديموقراطي من جهةٍ أخرى، كأدوات تأثير سياسية مختلفة، فيه قدرٌ من التبسيط، على الرغم من أنه يعرض وجهة نظر جديرة بالمناقشة على هذا الصعيد. فالمال اليهودي هو الأداة الرئيسية للسيطرة على الحزب الديموقراطي، على الرغم من أن معظم اليهود يصوتون مع الحزب الديموقراطي فعلاً، وأصوات الجناح المتصهين في الحركة المسيحية الأصولية يعطي اللوبي اليهودي وزناً يتجاوز وزنه المالي الكبير في الحزب الجمهوري أصلاً. 
ولعل شيئاً من الخلفية التاريخية قد يساهم بإلقاء الضوء على هذه المسألة. 
ففي الماضي، حتى نهاية الستينات، كان اليهود تقليدياً ديموقراطيين ليبراليين. وقد ربطهم البعض بالشيوعية في الولايات المتحدة، ولكن هذا الربط ليس دقيقاً بالضرورة، فقد مالوا حتى في روسيا أبان ثورة أوكتوبر إلى الاشتراكيين الديموقراطيين والمناشفة أكثر مما مالوا إلى البلاشفة. لذلك، كانوا أساساً ديموقراطيين ليبراليين.
وكان اليهود على قدرٍ من الثراء في أمريكا، ولكنهم استبعدوا من النخبة الاجتماعية إلى حدٍ ما، فجاهدوا لإحداث بعض التغييرات في المجتمع باتجاه ديموقراطي ليبرالي.
ولكن مع مجيء السبعينات تحول كل هذا إلى شئٍ من الماضي. إذ برزت ظاهرة المحافظين الجدد Neo-Conservatives إلى حيز الوجود، خاصة في ظل الرئيس ريغان في مستهل الثمانينات، على الرغم من أن هذه الظاهرة يمكن ربطها بالتخلي عن المقياس الذهبي للعملة في بداية السبعينات في عهد نيكسون، وبالازدهار الكبير برأس مال المضاربات الذي تلا ذلك الإجراء.
على أية حال، بدأت تبرز في عهد رونالد ريغان بالتحديد ظاهرة الباحثين والمثقفين والسياسيين اليهود من رموز المحافظين الجدد، وكان الكثير من هؤلاء ينظّرون للتروتسكية قبل ذلك، ثم أصبحوا يدعون للسوق الحرة على صعيد عالمي، أي للعولمة، ولعل أبرز نموذج من هذا النوع في فرنسا هو ليونيل جوسبان.
في أمريكا، يصوّت هؤلاء المحافظين الجدد للحزب الجمهوري بالطبع، حيث يصوّت اليهود تقليدياً للديموقراطيين. ولكن هذين الحزبين لا يختلفان كثيراً عن بعضهما في الواقع. فكلاهما يرعى مصالح الشركات الكبرى ويساند الحروب الإمبريالية. وكل أنصار الحرب الإمبريالية، وعلى رأسهم الجمهوريين، يدورون اليوم في المحافل وهم يقتطفون من مقولات الرئيس الأسبق كنيدي (المعروف كرمز ديموقراطي ليبرالي من الحزب الديموقراطي) أبان غزو كوبا الفاشل في خليج الخنازير، ومنها أن الولايات المتحدة يجب أن تدفع أي ثمن وأن تتحمل أي عبء من أجل انتصار الحرية، وأشياء أخرى من هذا القبيل. وما زلت تستطيع أن تجد معروضاً للبيع في العديد من المتاجر الأمريكية صوراً مبروزةً لنسرٍ أو علمٍ أمريكي وقد خطت داخلها هذه الكلمات.
فلا جدوى من الاستدلال على فروقٍ بين الحزبين الأمريكيين الحاكمين عندما يتعلق الأمر بالنفوذ اليهودي.
كان لدى كلينتون عددٌ أكبر بكثير من اليهود في وزارته، ولكن بوش وضعهم في مناصب من الصف الثاني، كما فعل مع ولفوويتز وبيرل وغيرهم، ولكن تشيني كان عضواً في مجلس أحد مراكز الأبحاث اليهودية، دون أن يكون يهودياً.
وقد يتبع اليهود في الحزب الديموقراطي، واليهود المحافظين الجدد في الحزب الجمهوري نمطين مختلفين، وقد يكون اليهود الجمهوريين أقل انفتاحاً وبروزاً، ولكن اليهود في الحزبين يتبعون في نهاية المطاف برنامجاً صهيونياً. 
وقد يتبنى هؤلاء خطابات سياسية مختلفة أيضاً. فالاستعماريون الديموقراطيون الليبراليون (ومنهم يهود) يميلون للتحدث عن حقوق الإنسان والمرأة والأقليات والشجرة، ويفضلون استخدام ذلك كذريعة لقصف الشعوب التي تخرج عن طوعهم. أما الاستعماريون المحافظون الجدد فيفضلون التحدث عن المصالح العليا والأمن القومي الأمريكيين ومحاربة الإرهاب ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل، ويفضلون استخدام ذلك كذريعة لقصف الشعوب الخارجة عن طوعهم. وفي الحالتين هنالك من يقصف، وعلينا أن نرى الفروق بينهما، ولكن أيضاً القاسم المشترك الرئيسي بينهما.
على هذا الأساس، نختلف مع الأستاذ نبيل شبيب عندما يقول بشكل عابر في نهاية مقاله أن النفوذ اليهودي في الولايات المتحدة قد يكون في انحدار (مثلاً كما يتجلى ذلك بنصر بوش الجمهوري على أل غور الديموقراطي في انتخابات عام 2000). نعتقد أن النفوذ اليهودي في الولايات المتحدة في حالة نمو، ولكن يجب أن لا نتوقع انعكاس ذلك مباشرةً في تغيرات ميكانيكية، مثلاً بارتفاع عدد اليهود في المناصب الوزارية. فليست هذه آلية عمل العلاقة اليهودية-الأمريكية، والأستاذ نبيل شبيب يعرف ذلك، لأنه يشدد أن العلاقة علاقة عضوية بين أمريكا والحركة الصهيونية، وهو منظورٌ ينضح بعمق الرؤيا برأينا.
وفي هذا السياق أيضاً، يقدم نبيل شبيب نقدأ نفاذاً لسطحية منظور الإعلام العربي للانتخابات الأمريكية، وكيف ينتظر هذا الإعلام الرئيس الجديد بعد كل انتخابات بلهفةٍ ليرى ما إذا كان سيضع "الشرق الأوسط" برأس أولوياته أم لا، وكأن جل ما نريده هو أن تمد الولايات المتحدة يدها لأمركة وعولمة العالمين العربي والإسلامي!!
أما فكرة ضعف الهيمنة الأمريكية على العالم، فقد يكون فيها شئ من الصحة، ولكن هذا الضعف طفيف وبطيء، والطريقة التي يضع بها الأستاذ نبيل شبيب المسألة قد تجعل الناس يتوقعون الكثير بتعجل.
إذ قد لا يستطيع بوش الصغير أن يبني تحالفاً من ثلاثين دولة لمهاجمة العراق كما فعل أبوه. وهذا يوحي بضعفٍ نعم. ولكنه ما يزال قادراً أن يجعل الفرنسيين والروس والصينيين يقفون كالمتفرجين وهو يهاجم العراق...
في الحقيقة، إن الحرب الأمريكية على العراق يمكن أن تساعد على إضعاف الهيمنة الأمريكية على العالم أكثر بكثير، ولكن كما يقول نبيل شبيب، إن هذا يعتمد على المقاومة التي يبذلها العالمان العربي والإسلامي، وحالياً، هذا يعني المقاومة التي يبذلها الشارعان العربي والإسلامي، لأن الأنظمة غير ديموقراطية بالكامل، ولذلك فإنها تكبت أنفاس الحركة الجماهيرية، وهي تعتقد أن ذلك يجلب لها الاستقرار، والواقع أن أمريكا تبيت لها مخططات فظيعة بالرغم من كل الخدمات التي قدمتها في الماضي كأنظمة كمبرادورية رأسمالية تابعة للإمبريالية، وهي تريد أن تتابع حراسة مصالحها بالمفهوم القديم كأن شيئاً لم يتغير في الحسابات الأمريكية، وهي تعتقد أن الأمر يستتب لها باسترضاء العدوان خارجياً وقمع الجماهير داخلياً، وأن هذا هو الاستقرار، ولكننا نعلم جميعاً أن الشارع العربي والإسلامي تختلف حساباته تماماً، وأنه يستطيع قلب الموازين تماماً لو تحرك كما يجب أن يتحرك، وهو ما يمكن أن يكون له تداعيات كبرى على هيمنة أمريكا العالمية.
محمد أبو النصر/ الصوت العربي الحر 


التعامل مع السياسة الأمريكية
متى يصل التمرّد على السياسة الأمريكية إلى المنطقة العربية والإسلامية؟..

نبيل شبيب
chbib@gmx.net
www.midadulqalam.net



ممّا يثير الذهول رصد كيفية تعامل المسؤولين في البلدان العربية والإسلامية مع السياسة الأمريكية، لا سيما عند مقارنته مع تعامل المسؤولين من بلدان أخرى معها. وكانت فترة الانتخابات الرئاسية الأمريكية على الدوام فترة "مثيرة" لمن يريد رصد نوبات متتابعة من التفاؤل وأخرى من التشاؤم.. تليها فترة أربع سنوات من محاولات التضليل والتبرير مع كل تصعيد جديد للعدوانيّة الأمريكية، والتي وصلت في هذه الأثناء إلى درجة غير مسبوقة.

خيبة أمل من ينتظر تآكل النفوذ اليهودي
إذا عدنا بالذاكرة إلى أيام انتقال الرئاسة الأمريكية من بيل كلينتون إلى جورج بوش، وجدنا في المتابعة السياسية والإعلامية العربية لذلك الحدث "الأمريكي"، ما يعتبر ذكره من قبيل التكرار المملّ والمؤلم، كالقول إنّ الناخبين الأمريكيين ينتخبون نيابة عن العرب أيضاً، وهذا بعد أن جعلت الحكومات العربية جُلّ مفاتيح صناعة القرار المتحكّم بقضايانا وشعوبنا وبلادنا وثرواتنا، في الأيدي الأمريكية، أو كالتساؤل: إنّ الأمريكيين ناضجون ديمقراطياً فمتى تبلغ شعوبنا العربية مستوى من الوعي لتكون "جديرة" بالديمقراطية، وفي ذلك القول جهل مركّب، يدل على عدم المعرفة الموضوعية بواقع الأمريكيين وواقع الجولات الانتخابية المهرجانية لديهم، وكذلك على عدم تقدير مستوى الوعي لدى الشعوب العربية حق قدره. إنّما تصدر مثل هذا الأقوال عمّن يعلم استحالة فوزه هو في انتخابات نزيهة حرة، أو نجاح تيار يمثله في استفتاء يمثل الاختيار الحر للإرادة الشعبية فعلا، فمقياس "الوعي" عنده هو اقتناع الآخرين بما يراه هو، وتأييد ما يريد هو، والتصويت لصالحه هو.. وإلاّ فيمكن أن يشارك هو في تبرير استمرار الحرمان من الحقوق السياسية!..
على أن في بعض ما كان من متابعات لحدث الانتخابات الرئاسية الأمريكية ما ركّز على عوامل جديرة بالاهتمام، كالتساؤل عن حقيقة النفوذ اليهودي في الحكومة الجديدة، أو عن مدى الاستمرارية ما بين سياسة جورج بوش الابن وأبيه بعد أن قطعت ثماني سنوات من عهد كلينتون ما بينهما!..
وليس مجهولاً أنّ لليهود نفوذاً في الغرب عموماً وفي الدولة الأمريكية على وجه التخصيص، وليس مجهولاً أيضاً دور اليهود في وسائل المال والإعلام، وليس مجهولاً كذلك أنّ كثيراً ممّا يحصّله اليهود من مواقف غربية منحازة، إنما ينشأ لتلاقي المصالح والأهداف بين الجانبين على قواسم مشتركة عديدة.. جميع ذلك معروف ويتكرّر على أسماعنا باستمرار، ويجب متابعة ما يرتبط بموقع النفوذ اليهودي في البلدان الغربية، ولكن لا يصحّ في ذلك أسلوب بات واسع الانتشار للأسف، إذ "يحصر" منظورنا إلى السياسة الأمريكية والسياسة الغربية عموماً، في نطاق "النفوذ اليهودي"، كما يكاد يحصر تفسير سائر الأحداث والتطوّرات في الغرب، في هذا النطاق أيضا. 
هذا ببساطة ما لا يتلاءم مع الواقع القائم، وتعدّد أسباب صناعة القرار، فضلاً عن وجود عناصر ذاتية غربية للعداء وأخرى لتفاهم وتعاون محتملين، وذلك بغض النظر عن وجود اليهود في الغرب أصلاً، بينما نجد في شدّة المبالغات على هذا الصعيد من جانب محللين وسياسيين في بلادنا العربية، وكأنّ "التهويل" مقصود، حتّى بات يوظّف في حملة التيئيس من تحقيق الأهداف المشروعة. 

الاندماج الصهيوني-الأمريكي اندماج عضوي
إن النظرة الموضوعية للبنية السياسية الغربية، بما فيها مركز صناعة القرار الأمريكي، توصل إلى نتائج أخرى، تأخذ مسألة النفوذ اليهودي فيها مكانها الواقعي، ويمكن التعامل معها سلباً وإيجاباً، كما يمكن التعامل مع سواها على السواء، وعندها نصل في إطار متابعة السياسة الأمريكية في عهد جورج بوش الابن، إلى عدد من النقاط المبدئية، توفّر ما يكفي من المؤشرات لترجيح بعضها، وسيبقى بعضها في حدود تكهّنات ينبغي وضعها في الحسبان، وقد تكشف الأيام عن حقيقتها قبل خروج بوش من المسرح السياسي أو بعد ذلك.. ومن تلك النقاط الرئيسية:
  1. إنّ مداخل النفوذ اليهودي إلى السياسة الأمريكية متعدّدة، لا تقتصر على "أصوات الناخبين" ، فلم تكن توجد فائدة من التنويه بأنّ فوز بوش جاء رغم أنّ الغالبية العظمى من الأمريكيين اليهود فضّلت آل جور وصوّتت لصالحه، فالأهم من ذلك كما ظهر عبر الانحياز الأشد والفاضح للكيان الإسرائيلي وتغطية جرائمه.. الأهم هو إدراك أنّ مداخل التأثير اليهودي متعددة، ومنها مراكز صنع القرار في الشركات والمصارف المالية، ولهذه نفوذها "اليهودي" المعروف داخل حزب الجمهوريين –بنسبة أعلى- مقابل نفوذ اليهود عبر "أصوات الناخبين" داخل حزب الديمقراطيين -بنسبة أعلى- ولا يستهان بدور النفوذ اليهودي في تلك المؤسسات، كما يبيّن مثلا حجم الضغوط اليهودية التي انطلقت عن طريقها لانتزاع مزيد من "التعويضات" المالية من بعض الدول الأوروبية بدعوى مسؤولية بعض الشركات فيها الآن، عن تشغيل عمّال السخرة في العهد النازي،كما كان في ألمانيا وسويسرا والنمسا على وجه التخصيص.
  2. ولكنّ لعبة ممارسة التأثير اليهودي على الحزبين الكبيرين في الانتخابات، فقدت مع الزمن كثيراً من توازنها، إذ يبدو أنّ زعماء الأمريكيين اليهود مضوا أحياناً أبعد من المعتاد، وهذا ما بدا أثناء انتخاب بوش عبر محاولة الحفاظ على وجود "رئيس ديمقراطي" كان من الممكن الاعتماد عليه اعتماداً أكبر في متابعة ما صنعه كلينتون. بل وكان ما رافق فرز الأصوات وانتهى في المحكمة الدستورية العليا، يمثل أقصى "درجات المخاطرة" في تلك اللعبة اليهودية التقليدية، وهذا بغض النظر عن الحجم الحقيقي للمشاركة اليهودية في تلك الخلافات، إذ يكفي انطلاق الشكاوى الأولى من مناطق سكن أثرياء اليهود في (بالم بيتش) في فلوريدا.. وخطورة اللعبة هي أنّها لم تعد مجرّد ممارسة "نفوذ" بل اتخذت صبغة "معركة" مضادة للرئيس الجديد بوش من قبل أن يستلم منصبه.. وهذا ما أدركه الجمهوريون ولا ريب، وكان من المتوقع أن يترك أثره على تعاملهم مع النفوذ اليهودي في السنوات التالية، ولكن لا ينبغي الحسم في السؤال: هل سيكون هذا التغيير في صيغة "تمرّد" على النفوذ اليهودي أم في صيغة مزيد من "التزلّف" والخضوع!..
  3. وخاض كثيرون بلا فائدة في حقيقة أنّ جورج بوش الابن تعمّد التركيز على إبراز الرغبة في التعاون مع "الأقليات" وفق الوصف الرسمي بأبعاده القانونية، أي مع السود وذوي الأصل اللاتيني على وجه التخصيص، وكذلك الرغبة في التعاون مع ذوي الأصل العربي وإن لم تكن لهم صفة "الأقلية" قانونيا.. وبالمقابل كان يلفت النظرَ غيابُ وجود من يمثل النفوذ اليهودي بالنسبة العالية المعتادة في المناصب الحسّاسة من الأجهزة الحكومية، وهو ما كان صارخاً في عهد كلينتون.. وهذا ما نشر التكهّنات بأنّ لدى بوش وزعماء الحزب الجمهوري رغبة في إيجاد ما يوازن النفوذ اليهودي "المتورّم" في آلية صناعة القرار السياسي، ورغبة في تشجيع "الأقليات" الأخرى على تحرّك سياسي أكبر وفعّال في واشنطن.. لهذا الغرض على الأرجح، فماذا يعني الآن ظهور حجم الخطأ الكبير في هذه التكهنات؟..
  4. والأهمّ من رصد النفوذ اليهودي صعوداً وهبوطاً وتأرجحاً، إدراك أن اندماجه في بنية صناعة القرار السياسي الأمريكي اندماج عضوي، وأن معطياته بالنسبة إلى التعامل مع قضايا العرب والمسلمين، معطيات ذاتية متوافرة في الأرضية الأمريكية نفسها، وهذا ما يعطيه القدرة على تحقيق أهدافه، وليس الاعتماد على الإمكانات اليهودية والصهيونية الذاتية فحسب. إنّ الحصيلة العدوانية للقضايا العربية والإسلامية ناجمة عن التلاقي الصهيوني-الأمريكي على أهداف مشتركة في بوتقة نشر الهيمنة عالمياً، وليس عن علاقة بين طرفين.. أحدهما يمارس الاستغلال أو الإغراء أو التضليل.. والآخر هو الضحية، وهذا ما ينبغي أن يوضع في الحسبان في التعامل مع السياسة الأمريكية بدلاً من انتظارٍ لا طائل تحته، أن يأتي يوماً ما، رئيس أمريكي ما، يتمرّد على النفوذ الصهيوني!!..

التبعية.. ركيزة الهيمنة

لقد أصبح الغالب على التفاعل السياسي العربي –وحتى الإعلامي- مع كل جولة انتخابات أمريكية، هو ذلك الأسلوب التقليدي العتيق الملوّث، الذي يغلب عليه الانتظار والترقب لرؤية ما يقرره الرئيس الجديد للتكيّف معه. 

ومن أسوأ وجوه هذا الأسلوب التبعيّ الكريه، اقتران "التساؤل" عن الدور الأمريكي "المرجو" في المنطقة، بالتساؤل عن "الموقع" الذي سيضع الرئيس الجديد فيه "قضايانا" على جدول أعماله.. وهل سيتفرغ لقضاياه السياسية الداخلية فترة طويلة أم قصيرة، وهل سيميل إلى ما يسمّى العزلة كما يتردّد مع كل رئيس جديد، أم سيتابع أسلافه على طريق الهيمنة، أو العولمة، أو الأمركة، أو سوى ذلك من التسميات لمضمون واحد. 

بل يبدو لمتابع الأحداث والمواقف والتطوّرات على الساحة العربية أحياناً، أنّ عجلتها تتوقف أثناء المعركة الانتخابية الأمريكية وتستأنف دورانها بعد أن يقرّ قرار الرئيس الجديد على "نوعية" الاهتمام بالقضايا العربية وحجمه وتوقيته.. حتى إذا مضت فترة الانتخابات، بحث أصحاب عجلة السياسة العربية عن موقع ما لها في مؤخرة ركب عجلة الرئاسة الجديدة.. ولكن هذا بالذات ما بدأ يتصاعد مع حجم الرفض الشعبي العربي والإسلامي له ولمن يمارسونه على قدر ما يلهث هؤلاء وراء السياسات الأمريكية، بل يمتد ذلك الرفض إلى مناطق أخرى عديدة من العالم، بدرجات متفاوتة على الصعيد السياسي وليس على الصعيد الشعبي فقط. 

ونذكر أيضا كيف انتشرت التوقعات القائلة إن سياسة بوش الابن ستكون متابعة لسياسة أبيه قبل وصوله إلى السلطة، لا سيّما وأن بوش الابن ضعيف الخبرة السياسية دولياً، وقد وضع زمام المراكز الرئيسية في أيدي أركان حكومة أبيه السابقة.. ولا يصحّ من هذا الوهم سوى أنّ "أسلوب التفكير" لا يختلف كثيراً بين بوش الأب وبوش الابن. ولكن السؤال الأهم الذي كان ينبغي طرحه وما يزال، هو هل سيتمكّن بوش الابن –وأي رئيس آخر يأتي من بعده- من متابعة طريق بوش الأب –ومن سبقه- وهو الذي انتهى عهده ببروز الزعامة الانفرادية الأمريكية عالميا ؟..

بتعبير أدقّ: أليست المعطيات الدولية عالمياً، والمعطيات الرسمية العربية والإسلامية إقليمياً، هي التي تعطي "الإمكانات الذاتية الأمريكية" القدرة على متابعة طريق الهيمنة.. وهي التي تمثل "الركائز" و"الدعائم" و"القواعد" التي لا تستطيع تلك الهيمنة الانتشار من دونها؟..

عالمياً بدأت القوى الدولية تتحرّك في اتجاه مضاد.. وهذ التحرّك يتنامى تدريجياً.. أما على المستوى الرسمي، العربي والإسلامي، فخطوات التحرّك في ذيل الهيمنة الأمريكية وبما يعطيها القدرة على الانتشار والرسوخ.. هي التي تتزايد حجماً وعدداً وتتزايد نوعيتها وخطورتها عاماً بعد عام وقضية بعد قضية!..

القابعون في قفص الهيمنة

رجالات حكومة بوش الابن، هم أنفسهم الذين سبق أن تحرّكوا في المرحلة الأخيرة من اهتراء الشيوعية ومعسكرها في الشرق، وهم الذين وضعوا المنطلقات الأولى للذروة التي بلغتها مسيرة العولمة المتأمركة في عهد كلينتون، والتي بدأت بمقولة "نظام عالمي جديد" على لسان جورج بوش الأب، ومقولة "الإسلام العدوّ البديل" على لسان وزير دفاعه آنذاك تشيني، ثم توبعت بالتطبيقات العملية كما كان في حرب باناما من قبل ثم حرب الخليج الثانية من بعد، بالإضافة إلى التحذير من "حرب تجارية" مع أوروبا الغربية في حينه، والتي كانت بداية حقبة جديدة من "العولمة التجارية" عبر منظمة التجارة الدولية، كذلك ففي عهد كلينتون وليس في عهد بوش الابن بدأت الخطوات الحاسمة للانتقال من حقبة " الانفراج والحدّ من التسلّح بين المعسكرين"، إلى حقبة الحيلولة دون تسلّح أي جهة في العالم تسلّحاً رادعاً مقابل احتكار أسلحة الدمار الشامل وتقنياتها لدى عدد من القوى الدولية..

لئن كانت حكومة كلينتون من الديمقراطيين لم تجد حاجة إلى تغيير هذه المسيرة فتابعتها، فليس مستغرباً أنَ حكومة جورج بوش الابن واصلت الطريق، ولكن ما ينبغي أن يضعه صانعو السياسة الرسمية، العربية والإسلامية، بعين الاعتبار، ويما ينبغي أن ينطلقوا منه للتخلص من سياسات التبعية لواشنطن، هو أنّ القوة الدولية الكبرى حالياً.. لم تعد تجد أرضا "ممهّدة" لنشر هيمنتها، إلا في المنطقة العربية والإسلامية، فقد تبدّلت "الأرضية العالمية" أمام السياسة الأمريكية تبدلاً جذرياً عمّا كانت عليه عند نهاية الحرب الباردة.. ومن المعالم الرئيسية ذات العلاقة التي يمكن رصدها على هذا الصعيد:

  1. لم تعد أوروبا الغربية الحليف الطيّع للإرادة السياسية والعسكرية الأمريكية، فقد انتقلت بذرة التمرّد من القطاع الاقتصادي والنقدي إلى القطاع السياسي والأمني، وقد يحتاج تطوير المسيرة الأوروبية إلى فترة زمنية أطول مّما يرجوه أنصارها، ولكنه تتميّز هذه المسيرة لتحقيق "استقلال اقتصادي ومالي حقيقي" بقيامها على أسس متينة نسبيا.
  2. رغم مظاهر التعاون والتفاهم في ميادين عديدة لم تقبل موسكو بالانضواء تحت المظلة الأمريكية التي تمتد نحوها عبر حلف شمال الأطلسي رغم أنّ السنوات العجاف الأخيرة من حقبة الشيوعية فسنوات الانتقال إلى نظام رأسمالي، قد خلّفت أوضاعاً مالية تربط كثيراً من الطاقات الذاتية الروسية بالإرادة أو المشاركة الأمريكية، ويبدو أنّ هذا ما بدأت موسكو تعمل على التخلّص من آثاره كما تشير السياسة الروسية الراهنة في شرق آسيا وجنوبها، وحتى تجاه أوروبا الغربية.
  3. لم تعد منطقة جنوب وشرق آسيا، بما في ذلك الصين والهند وباكستان من الناحية السياسية والأمنية، بالإضافة إلى ما يسمّى دول النمور من الناحية الاقتصادية والمالية، مجرّد أرقام على مائدة "العولمة" بأشكالها القديمة والحديثة، بل تؤكّد الدراسات المستقبلية ميلان كثير من المعادلات العالمية لصالح تلك المنطقة خلال سنوات معدودة.
  4. ولا بدّ من الإقرار –مرة أخرى- بأنّ المنطقة الوحيدة على الخارطة العالمية، التي لم تتجاوز سياسيا مرحلة الانضواء الطوعي تحت جناح الزعامة الانفرادية الأمريكية عالمياً، هي المنطقة العربية، وعلى الأقل ما يتبع منها لما يسمى "الشرق الأوسط" وفق المصطلحات السياسية-الجغرافية الأمريكية. 
  5. في عام 2000 م فقط بدأت في المنطقة العربية ظاهرة قد تتحوّل تدريجياً من "تململ" شعبي تجاه الهيمنة الأمريكية وما تجده من تبعية محلية، إلى "انتفاضة" شعبية، لا يمكن تجاوزها ببعض التصريحات المؤقتة والمؤتمرات الكلامية.. وآنذاك يمكن القول إنّ السياسة الأمريكية في عهد بوش لن تتابع الانحياز العدواني المطلق الذي كان في عهد كلينتون، لأنها لا تستطيع ذلك، ولأنّ مراعاة مصالحها ستتطلب منها إعادة النظر، أمّا القول إنّ هذه المصالح ستكون من تلقاء ذاتها عامل تغيير في السياسة الأمريكية، فهذا ضرب من الأوهام، ثبت في الماضي أنه لا يتحقق، ولا يوجد ما يبرّر الاعتقاد بسوى ذلك في المستقبل المنظور، وربّما تسفر الظروف الداخلية الأمريكية وملابسات انتخابات الرئاسة الأخيرة إلى تقلّص النفوذ اليهودي في السياسة الأمريكية تجاه المنطقة العربية، ولكن سيبقى بعد ذلك مفعول "المصالح الذاتية" التي ارتدت لباس الهيمنة، أو أمركة العلاقات الدولية باسم العولمة، ولا سبيل للحدّ من هذا المفعول، سوى أن تتحوّل المصالح الذاتية في المنطقة العربية والإسلامية إلى قوة فاعلة، لا أن يكتفي الممسكون بزمامها بأسلوب الترقب والانتظار فالتكيّف والانهزامية.