(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)
علي حتر
اشتدّت في الأيام الأخيرة الهجمة
البوشوية-الشارونية على أبطال الاستشهاد، وفجأة انطلق الاستسلاميون العرب ليؤكدوا
تبعيّتهم المطلقة للثنائي المذكور، وراحوا يجترون نفس الكلمات التي يستعملها بوش
وشارون، ليشنوا بها حملات مشابهة على هؤلاء الأبطال الاستشهاديين...وأصبحوا لا
يخجلون من أن يسموهم بالإرهابيين (حسب المفهوم الشاروني-البوشوي).
وهؤلاء
الإستسلاميون لا يخفون تلك التبعية... بل لم يعودوا يخجلون من أن يؤكدوا أنّ غضبهم
على أبطالنا ناتج عن محاولتهم نيل رضا بوش وشارون.. الذين استشرسا في هجمتهما على
أمتنا عندما أفقدهما الاستشهاديون التوازن ورباطة الجأش.
كل ذلك عادي
متوقّع... بسبب الترابط العضوي بين معظم رسميينا العرب المهزومين المأزومين،
والإدارة الأمريكية.
والمشكلة أنه عندما عجز شارون وبوش والمهزومون عن تحقيق
غايتهم بتحويل الشارع العربي الفلسطيني من مؤيد للاستشهاديين، إلى متشكك بجدوى
المقاومة.. راحوا يبحثون في دفاترهم العتيقة عن وجوه اعتقدوا أنّ الشارع يكنّ لها
بعض الاحترام، لتصدر بيانا مشؤوما، بعنوان "نداء"، تعتبر فيه أنّ قتل "المدنيين
إرهاب غير مقبول، وإنّ هذا الإرهاب" يستهدف إنجازاتهم ومشروعهم الوطني، وتعتبر أنّ
"العمليات الاستشهادية تدفع باتجاه تناحر وجودي بين الشعبين في الأرض المقدسة،
وباتجاه تكريس البغض والحقد والكراهية بين الشعبين، وتحطيم إمكانية أن يعيش الشعبان
في سلام في دولتين متجاورتين"!!!!
للعلم: أجرة نشر البيان ممولة من الاتحاد
الأوروبي، كما يقول البيان نفسه، أي أنّ هؤلاء الناس رغم عددهم الذي جاوز الخمسين
من الموقّعين الرّئيسيين، لم يسخوا على قضيتهم مجتمعين بأجرة نشر بيان... يا
للمهزلة فعلا! إذا كنا بهؤلاء نقيّم مشروعنا الوطني.. كما أنّ تقديم الاتحاد
الأوروبي لأجرة نشر الإعلان يبيّن التدخل الأجنبي الواضح في هذا
التحرك.
وللعلم أيضا: فإنّ معظم موقعي البيان من الذين يتعاملون من
منظمات التمويل الأجنبية... ومعظمهم نتاج ميادين مدريد وساحات المفاوضات. ويكفي
وجود أشخاص مثل سري نسيبه (الذي تنازل رسميا في كتاباته عن حق العودة) ووجود آخرين
مستعدين للتنازل عن الأرض الفلسطينية مقابل أية دولة مهما كانت مواصفاتها.. للتأكد
أنّ مثل هذا البيان صادر عن جبهة الأعداء... وموقع من المتساقطين... أو المضللين،
ولا بد من العودة إلى البيان للبحث في محتوياته الرئيسية.
البيان أسقط مفهوم
صراع الوجود بيننا وبين هؤلاء المحتلين... وحوّله إلى مجرّد صراع حول قتل المدنيين
من طرف واحد... هو الطرف العربي. والبيان لا يخجل من أن يتهم المقاومة بأنها تستهدف
المشروع الوطني للذين وقعوا عليه... أي فتات مائدة مشروع أوسلو المندثر خلف مزابل
التاريخ... كما أنّه يستهدف إنجازاتهم.
كما يقول البيان بأنّ العمليات
الاستشهادية تزيد من الحقد والكراهية في صدور أعدائنا... ويسميها "العمليات
العسكرية التي تستهدف المدنيين في إسرائيل"!!! هكذا تماما وردت تسميتها في
البيان.
مسكين شارون... إنه متيّم بنا... ويفوف حبه لنا حب قيس لليلى وجميل
لبثينة وعنترة لعبلة!!! ولولا عملية آيات الأخرس، لانتحر حبا من أجل حنان عشراوي
وسري نسيبة وجمال زقوت!!
إنّ الاستشهادية الصغيرة آيات الأخرس، حسب مفاهيم
البيان، تتسلى "بعملية قتل المدنيين في إسرائيل"... آية مجرمة هذه... تقتل هؤلاء
المدنيين دون سبب... كما أنها مجرمة بحق شعبنا في المنطقة، وهي التي أعطت أمريكا
الحجج لدعم شارون وضرب العراق، وأعطت للحركة الصهيونية الحجج لاحتلال فلسطين
والجولان والهيمنة على المنطقة من أجل خدمة المشروعين الإمبريالي والصهيوني
فيهما!!
كان من واجب السلطة وحنان عشرواي وجمال زقوت أن يحكموا على جد وجدة
الاستشهادية آيات الأخرس بالإعدام قبل أن يتزوجا... حتى لا ينجب ابنهما تلك الطفلة
التي نسفت أمن المنطقة... وزعزعت مشروع هرتزل... وهددت البترول ومنابعه وقناة
السويس... ومزّقت جغرافية الأمة العربية... وأخذت مياهها... وحاربت حقوق الإنسان
فيها... ودعمت الرجعيات وثبّتتها!!
ومن أهم [أخطر] ما في البيان أنه يتكلم
عن شعبين متساويين... العصابات الصهيونية التي تحاول أن تتجانس وتتشكل دون جدوى،
وشعبنا العربي الفلسطيني... (وهذه العصابات نفسها لا تعترف بشعبنا
وحقوقه)...
إنّ موقّعي البيان قارئون جيدون حتما... ويعرفون ما هي مقومات
تشكيل الشعوب والأمم... ويعرفون أيضا أنها لا تنطبق بأي شكل من الأشكال على
أعدائنا... فلا تاريخ شراذمهم مشترك... ولا الإقامة على أرض واحدة مر عليها من
الزمن ما يكفي لإزالة الفروقات والتناقضات بينهم، ولا لغتهم واحدة، ولا تراث مشترك
بينهم، مما يجعلهم يسرقون ملابسنا وحتى فلا فلنا، وهم في حالة عدوان مستمر على
المنطقة، وبقية معتنقي دينهم المبرمج لهم القدوم إلى بلادنا لم يصلوا بعد. وهم
بكاملهم جيش مستعمر من المستوطنين لا يوجد بينهم مدنيون عاديون مثل المدنيين في
أنحاء العالم.
في ظل وجود هؤلاء على مقربة منكم أيها الموقعون على البيان،
هل يمكن أن تقولوا لنا بصراحة ما هو مشروعكم الوطني الذي هددته العمليات
الاستشهادية؟
هل هي أموال منظمات التمويل الأجنبية التي استمتعتم بها وأصبحت
في خطر؟ أم ظهوركم على شاشات الفضائيات كأبطال للمفاوضات، الذي أصبح مهددا من
الأبطال الاستشهاديين الذين برهنوا أنكم لا تستحقون الوجود حتى على هامش
القضية؟
كما أنكم تقولون أنّ هذه العمليات تستهدف إنجازاتكم... هل يمكن لكم
أن تعددوا لنا هذه الإنجازات، فقد بحثنا كثيرا ولم نجد في مسيراتكم منذ مدريد، وحتى
قبل ذلك لبعض رموزكم، إلا الاستسلام والتنازل عن مواثيقنا وحقوقنا الوطنية
والقومية... وزيادة أرصدة بعضكم في البنوك.
لو قلتم أنكم سئمتم المقاومة...
وأنها باتت تشكّل خطرا على مصالحكم، وأنكم عاجزون عن رؤية النصر، وأنكم تخضعون
للأمر الواقع، وأنكم سقطتم على طريق مدريد وأوسلو... لفهمناكم وحاورناكم لصدقكم...
أما ما تخفونه في بيانكم.. فإننا لا نرى فيه إلا السقوط والاستسلام.
إنّ
الشعب يعرفكم... والشعب اختار طريقه... طريق المقاومة بكل أشكالها، وهؤلاء الأبطال
الاستشهاديون أوجدوا طريقا آخر أسمى من كل الطرق التي أوجدتها الشعوب حتى الآن
لمقاومة المحتل المعتدي... ومهما دافعتم عن وجود هذا الكيان.. فإنه لن يرى الأمن
والاستقرار في منطقتنا... ما دام لدينا أبطال يعرفون عدوهم ويعرفون أعوانه... ومهما
فعلتم لجعل المحتلين طبيعيين مقبولين شرعيين في منطقتنا، فإنكم لن تنجحوا بذلك...
والتاريخ خير حكم بيننا.