من فكرنا القومي الجذري: هل انتهى عصر الفكر القومي العربي حقاً؟

June 2nd 2013 | كتبها

 

تحاول وسائل إعلام وثقافة شتى أن تكرر بأن الفكر القومي العربي انتهى عهده، وأنه بات فكراً بائداً من عصرٍ زائل، ينبني على مصطلحات خشبية رثة لم تعد لها قيمة معرفية أو تأثيراً معنوياً في القرن الواحد والعشرين.

 

فما الذي يحدد إذا كان أيُ فكرٍ فكراً تجاوزه الزمن أم أنه لا يزال صالحاً كدليل للممارسة السياسية ولفهم ظواهر الواقع من حولنا واشتقاق البرامج وخطط العمل؟  وما الذي يحدد الفرق بين الجديد والقديم من الفكر؟  هل هو تقادم الزمن، أم الموضة، أم مدى اهتمام الكتاب والمفكرين به في أية لحظة تاريخية؟

 

الحقيقة أن الفكر، أو المدارس الفكرية بالأحرى، تتحدد قدرتها على الاستمرار والنمو والازدهار، لا بعمرها الزمني، بل بقدرتها على: 1)  التعبير عن ظواهر الواقع وعلاقاتها الداخلية بشكل صحيح، و2) الإجابة على الأسئلة المصيرية التي يطرحها ذلك الواقع. 

 

وفي حالة الواقع العربي يبقى الفكر القومي راهنا بمقدار ما الأمة العربية موجودة كحقيقة اجتماعية-سياسية قائمة، لا يمكن القفز عنها في النهاية،  تجمعها روابط اللغة والأرض والثقافة والتاريخ والمصلحة المشتركة.  ولهذا فإن محاولة شطب وجود الفكر القومي العربي يجري على قدمٍ وساق مع محاولة شطب وجود الأمة العربية…

 

أما بالنسبة لبرنامج العمل القومي، فما دام الاحتلال والتبعية (أي الاحتلال غير المباشر) قائمين، فإن برنامج العمل السياسي  يجب أن يبدأ بتحقيق التحرير والاستقلال، وما دامت الأمة مجزأة، ومرشحة للمزيد من التجزئة، وما دامت التجزئة أحد أهم أسباب ضعفنا وتخلفنا وسيطرة الأجنبي علينا، فإن برنامج العمل السياسي من البديهي أن يكون تحقيق الوحدة، وما دامت الأمة مهدورة الموارد، تعاني من التخلف الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، فإن برنامج العمل من البديهي أن يكون تحقيق النهضة، بمعناها الحداثي تحديداً.  وهذه كلها مهمات قومية…

 

لذلك، نرى في لائحة القومي العربي أن البرنامج القومي العربي يظل أكثر راهنية وملامسة للواقع العربي من أي برنامج أخر لأن المهمات التي يطرحها تظل المهمات التاريخية للأمة العربية التي لا تستطيع الأمةُ التقدمَ إلى قلب التاريخ بدون تحقيقها، والتي يمكن أن تتعرض للدمار والإبادة الثقافية والحضارية إذا لم تحققها.  وما دامت الحال هكذا، فإن الرؤية القومية تبقى الرؤية المفصلية في فهم مشاكل الواقع العربي جذرياً، مقابل الرؤى الترقيعية التي تركز على مشكلة جزئية هنا أو هناك.   

 

وتقود راهنية برنامج العمل القومي بالضرورة إلى رؤى وفكر قومي ولو تصدى لبرنامج العمل القومي يساريون أو إسلاميون… مثلاً… برنامج توحيد شطري فيتنام وتحريرها في مواجهة الاحتلال الأمريكي قاد الشيوعيين الفيتناميين لرؤى قومية يسارية… وبرنامج استقلال مصر وتصنيعها قاد عبد الناصر لرؤى قومية ناصرية… وبرنامج توحيد العرب في الجاهلية تحت راية لا إله إلا الله وتحرير الوطن العرب من الفرس والبيزنطيين جعل من الدعوة النبوية، من منظور قوانين التاريخ والجغرافيا السياسية، مشروعاً قومياً إسلامياً، حتى سيطر الأعاجم على الخلافة في العصر العباسي الثالث، فلم يعد لا قومياً ولا إسلامياً.

 

بيد أن رفع شعارات الوحدة والتحرير والنهضة، أو أية شعارات قومية أخرى، لا يحمي الفكر القومي من التكلس والتحجر وفقدان الصلاحية، لأن الفكر ليس مجموعة شعارات، بل يحتاج لتطوير أدواته التحليلية والمعرفية دوماً للتصدي لمشاكل الواقع الجديدة، دون التخلي عن مرجعيته القومية التي تفرضها حقيقة وجود الأمة العربية. 

 

فالفكر القومي يمكن أن يتحجر ويتكلس، وأن يخرج من الزمن إذا: 1) فقد جذريته وروحه الكفاحية، 2) بات تعبيراً عن المصالح الآنية لدولة قطرية فحسب، ولو تبنت الأخيرة شعاراً قومياً، 3) غرق في الإنشاء والخطابة وعجز عن تمثل المنهج العلمي في التحليل، أو 4) انسلخ عن واقع امتنا وتبنى موقفاً تغريبياً استشراقياً من الإسلام كثقافة للأمة. 

 

ولذلك تتصف منهجية لائحة القومي العربي بأنها: 1) قومية، 2) جذرية، 3) تتبنى فهماً متنوراً وثقافياً وثورياً للإسلام، 4) تتبنى المنهج العلمي في التحليل لفهم ظواهر السياسة والاقتصاد والثقافة والمجتمع.

 

فلا شك أن الفكر القومي بحاجة لإصلاح وصيانة دائمين ليتمكن من مجاراة الزمن… غير أن التخلي عن المرجعية الفكرية القومية بذريعة احتياجها للإصلاح يشبه من يرمي سيارة جيدة بحاجة للإصلاح ليشتري حماراً (العودة للماضي)، أو من يرميها ليشتري وهم الحصول على مكوك فضائي مستورد من الغرب (الاستلاب والتغريب) ومجتمعه لا يزال يرزح تحت وطأة الفقر والجوع والمرض والتخلف.  ونحن في لائحة القومي العربي نرى أن الفكر القومي، المتصف بالصفات المحددة أعلاه، هو المشروع التاريخي الوحيد الصالح لأمتنا، وأن ما عدا ذلك إما هروبٌ لماضي، أو لتغريب، ذهبي من صنع الوهم والخيال.

 

أبو ذر القومي

 

للمشاركة على الفيسبوك:

 

https://www.facebook.com/photo.php?fbid=622529597759222&set=a.419967428015441.105198.419327771412740&type=1

 

 

الموضوعات المرتبطة

خمس سنوات من العدوان: اليمن يقاتل.. إذاً هو موجود

د. إبراهيم علوش لم يكن على اليمن أن ينتظر الكورونا ليذوق طعم الجائحة، إذ أن الكوليرا غزته في خضم العدوان، ولم يدفع ذلك قوى العدوان إلا لزيادة الحصار عليه تشدداً، فيما شاح العالم بوجهه عن [...]

نظرة في البنية التحتية للإرهاب الدولي: شركة “سادات” التركية أنموذجاً

د. إبراهيم علوش خلال معارك شمال غرب سورية بداية الشهر الجاري، برز فرقٌ كبيرٌ في الأرقام الواردة عن خسائر الجيش التركي بين ما اعترفت فيه تركيا رسمياً (59 قتيلاً)، وبين ما نقلته المصادر [...]

مأثرة أسياد المقاومة في سراقب

د. إبراهيم علوش شتان ما بين أن تكون "حليفاً" للطرف الأمريكي-الصهيوني، فيفرض عليك ذلك "الحليف" أن تتبع له وتخضع، ويأخذ منك ويأخذ، كما ما زالت تفعل إدارة ترامب مع حكام دول الخليج العربي، ليخذلك [...]

ماذا تريد الدولة العميقة الأمريكية في سورية؟

د. إبراهيم علوش صدر في 12 شباط الفائت تقريرٌ من 42 صفحة بعنوان "النزاع المسلح في سورية: لمحة عامة والرد الأمريكي" عن مركز الأبحاث التابع للكونغرس الأمريكي Congressional Research Service، وهو مركز أبحاث تأسس [...]

من وحي استكمال تحرير حلب

د. إبراهيم علوش مهما كانت المعاناة اليومية التي يعيشها المواطن السوري، فإنها لن تصل حتى إلى بعض ما يكابده الجندي العربي السوري من زمهريرِ شتاءٍ وشظفِ عيشٍ تحت سقف السماء، وهو ماضٍ نحو النصر [...]
2020 الصوت العربي الحر.