تفجيرات بغداد: ماذا يريد منفذوها؟

April 7th 2010 | كتبها

د. إبراهيم علوش

السبيل، 8/4/2010

التفجيرات الهمجية التي ضربت مدنيي باكستان أو موسكو كلها تصيب العقل بالذهول إزاء مشاهد ذلك العبث المجنون بالدم البريء.  فلا يمكن أن يكون مناهضاً حقيقياً للإمبريالية الأمريكية أو الصهيونية، أو صاحب مشروع تحرر، من يفجر المدنيين العزل ويستهدفهم في الوطن العربي أو العالم الإسلامي أو أية دولة عالم ثالث، أو في الدول الكبرى التي تناطح الولايات المتحدة مثل الصين أو روسيا، ناهيك عن العراق.  

 

ولا يوجد في الكيان الصهيوني يهود مدنيون طبعاً، فحكمهم مثل حكم الاحتلال والمتعاونين معه في العراق وأفغانستان وأي قوة احتلال في أي مكان.  أما الرد على استهداف الإمبريالية للمدنيين العرب والمسلمين بالطائرات والقصف والحصار فمسألة فيها نظر تخضع لحساب سياسي وزمان ومكان محددين، وليس لعداء مبدئي للمواطن الغربي… بل لسياسات الدول الغربية.

 

لكن مدنيي العراق بالذات عانوا من صنوف القتل والذبح والتشريد والخطف والتعذيب والتنكيل ما لم يعانيه شعبٌ في الألفية الثالثة منذ الاحتلال الأمريكي عام 2003.   لذلك حين يذهب مهووسٌ هبنقع (أي شديد الحمق مزهو بنفسه) إلى مطعمٍ أو شارعٍ مليء بالمواطنين العاديين في العراق ليفجر نفسه بينهم، أو حين تطال تفجيرات إجرامية مدنيي العراق دورياً في أماكن سكناهم وعملهم أو في مساجدهم وحسينياتهم وكنائسهم، وكلها “أهداف” تخلو من أي محتوى سياسي أو عسكري ولو رمزياً، فإن الرأي ليجهز وإن العقل ليعجز عن تبين أي بعدٍ استشهادي أو مقاوم أو شريف فيها بكل المقاييس السوية للوطنية أو الجهاد، هذا إذا ما تجاوزنا إفراط لا معقوليتها الدموية أصلاً، وهو ما لا يجوز أن نتجاوزه… فلا بد أن نبحث في تلك التفجيرات إذن عن أجندة سياسية معادية للعراق وللأمة، ولا بد لها أن تكون بالتالي من فعل أعداء الأمة وأصحاب الأجندات الخارجية أو العميلة، حتى لو نفذها مضللون. 

 

لذلك جاء تفجير ستة أو سبعة مباني سكنية في بغداد يوم 6/4/2010 ليعيد طرح السؤال نفسه من جديد: ماذا يريد منفذوها؟

 

أولاً، يمكن أن نتكهن أن من وضع المتفجرات في أحياء ذات غالبية شيعية يستهدف إثارة رد فعلٍ انتقامي من نفس النوع، وربما بدرجة أكبر، ضد الأحياء ذات الغالبية السنية (أو المسيحية أو الكردية أو غيرها من مكونات العراق).  فهذا يبرر ذاك في المنطق الطائفي المأفون، أليس كذلك؟! 

 

ثانياً، بناءً عليه فإن تفجيرات بغداد، وهي ليست الأولى ولا الأخيرة من نوعها، تمثل استمراراً لمشروع تفجير العراق طائفياً وتقويضه من الداخل الذي تواطأت عليه الولايات المتحدة وإيران.   وكلاهما لا يريد للعراق أن يستقر، بل يريد أن يبقيه ضعيفاً ومفككاً وخاضعاً للوصاية المزدوجة.

 

ثالثاً، إن موعد بدء انسحاب القوات الأمريكية من العراق هو آب 2010، أي بعد حوالي أربعة أشهر، وثمة قوى داخل الإدارة الأمريكية، وبالنظام العميل الخائف على وجوده بالعراق، وببعض الجوار، لا تريد للقوات الأمريكية أن تنسحب، حتى وإدارة أوباما والشعب الأمريكي يدفعان باتجاه الانسحاب.  ومثل هذه التفجيرات تعطي الذريعة المناسبة للقوات الأمريكية للبقاء عند من يريدونها أن تبقى.

 

رابعاً، هذه تفجيرات ضد المقاومة العراقية، لأنها تغرق قواعدها بتناقضات داخلية دموية، وتعيق قدرتها على فرض سيطرتها بسرعة بعد الانسحاب الأمريكي المزمع من العراق، وهو ما يقوي موقف إيران والقوى المتحالفة معها في العراق، كما أن التداعيات سوف تعزز موقف القوى المتحالفة مع الولايات المتحدة في العراق والإقليم بذريعة “حماية السنة” من إيران وامتدادتها!

 

أخيراً، من ناحية توقيت هذه التفجيرات، فإن الصراع بين التكتلات الانتخابية التي أفرزتها العملية السياسية المدانة في ظل الاحتلال (الصدريون – المالكي – علاوي – الطرازني) قد ينتج صراعاً دموياً على السلطة والمكاسب ضمن الطائفة الواحدة، وضمن إطار العمالة الواحدة، فمن يتخلى عن الوطن ليفكر بالطائفة، يصبح همه فرض سيطرته على الطائفة بنفس الطريقة، والأمثلة هنا كثيرة، من العراق إلى لبنان.

 

 

   

 

 

الموضوعات المرتبطة

البعد الاقتصادي لاحتلال شرق سورية

إبراهيم علوش بالإضافة للبعد الجغرافي-السياسي، المتمثل بإقامة حاجز بين سورية والعراق، وقطع التواصل بين  أجزاء محور المقاومة، لا بد من التذكير بالبعد الاقتصادي فيما يتعلق بمناطق سيطرة "قسد" [...]

ما قبل تطبيع حكام الخليج

لاحظوا أن السلطة الفلسطينية تتذرع دوماً بأنها وقعت المعاهدات مع العدو الصهيوني "لأن العرب تخلوا عن فلسطين"، ولاحظوا أن أنور السادات وقع كامب ديفيد بذريعة أن "العرب تخلوا عن مصر"، ولاحظوا أن [...]

حول قرار عدم تجديد “تأجير” منطقتي الباقورة والغمر الأردنيتين للكيان الصهيوني

إبراهيم علوش من المؤكد أن استعادة السيادة العربية على أي شبر من الأراضي العربية المحتلة هو أمر جيد وإيجابي، ولكن يبقى السؤال: ماذا يعني بالضبط أن تعود الأراضي عن طريق المعاهدات والاتفاقات مع [...]

اتفاق إدلب بين أردوغان وبوتين أجّل المعركة زمانياً، وحسن شروط تحقيق النصر فيها

اتفاق إدلب بين بوتين وأردوغان يعني عدة أشياء، أولها أن معركة إدلب يتم تأجيلها، ولكن مثل هذا التأجيل يعتمد على التزام تركيا بعزل النصرة والمجموعات المشابهة لها التي تعتبرها روسيا أكثر دمويةً [...]

الكونفدرالية الثلاثية ليست مشروعاً جديداً… وهي مشروع تحويل الأردن وفلسطين إلى جسر عبور صهيوني باتجاه الوطن العربي

إبراهيم علوش تناقلت وسائل أعلامية مختلفة تصريحات لمحمود عباس يقول فيها أنه يؤيد الكونفدرالية مع الأردن بشرط أن يكون الكيان الصهيوني جزءاً منها، بعد أن طرح عليه ترامب هذه الفكرة. والحقيقة [...]
2018 الصوت العربي الحر.