ما هي الثوابت الفلسطينية؟

May 6th 2010 | كتبها

د. إبراهيم علوش

 

السبيل 6/5/2010

 

يرطن كثيرون بتعبير “الثوابت” الفلسطينية، كنايةً عن الثوابت التي تحكم الموقف السياسي المتعلق بالقضية الفلسطينية وتطوراتها.  لكن ما الثوابت بالضبط؟  إذ بينما يتحدث القاصي والداني عنها – من المنخرطين في التسوية إلى حملة البندقية وأصحاب الموقف المقاوم أو نصف المقاوم وربع المقاوم – تكاد تضيع الثوابت ويتوارى تعريفها…

 

وقد نتناول ماهية الثوابت من زوايا مختلفة.  ونلاحظ عامةً أن الموقف الشعبي أقرب إليها بحسه الغريزي من معظم المثقفين أو المسييسين على الساحة العربية اليوم.  وهذا ليس مستغرباً لأن الثوابت تمثل في النهاية خطوطاً دفاعية أخيرة عن مصلحة الأمة.  ولكي لا يتهمنا أحدٌ باعتماد مقاييس ذاتية أو خاصة في تعريف الثوابت الفلسطينية، نقتبسها مباشرة من وثيقة الإجماع الوطني الوحيدة في التاريخ المعاصر للقضية الفلسطينية، وهي الميثاق الوطني الفلسطيني غير المعدل الذي اعتمده المجلس الوطني في صيف عام 1968 في القاهرة بالإجماع ودون أية معارضة من الفصائل والشخصيات الفلسطينية كافةً. 

 

ونقول غير المعدل لأن الطرف الأمريكي-الصهيوني أصر على تعديل الميثاق الوطني الفلسطيني الأصلي وتجويفه تماماً كجزء من استحقاقات “عملية السلام”، وهو الأمر الذي تم على مرحلتين في عام 1996 و1998 بإشراف السيد ياسر عرفات وتحت رعايته كما هو معروف.

 

المهم أن ثوابتنا الفلسطينية ليست مجرد تعبير عام عن مصلحة الأمة في فلسطين، وليست مجرد رأي فردي، بل تم إقرارها بالإجماع في وثيقة تاريخية، وتحمل بالتالي صفة الإلزام، فهي مرجعية يعني الخروج عنها الابتعاد عن الصف الوطني بمقدار بعد المسافة عن تلك الثوابت. 

 

وأول تلك الثوابت “عروبة فلسطين”، وهذا يعني عروبة الأرض العربية في فلسطين، وهذا يعني أن أي تفريط بعروبة فلسطين أو أي جزء منها، سواء تحت شعار الدولتين أو الدولة الواحدة أو الثلاثة دول (البنولوكس)، يمثل فوراً خروجاً عن الثوابت.  فهذا ليس أمراً لإبداء الرأي أو النقاش.  بل هو هكذا فقط: فلسطين عربية ونقطة على السطر.

 

ثاني تلك الثوابت “العمل المسلح”، وهذا يعني، كما جاء في البند التاسع للميثاق، أن الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين.  وهذا لا يعني رفض استخدام وسائل المقاومة الأخرى، أبداً!  بل يعني إخضاعها لإستراتيجية العمل المسلح، فالكلمة تخدم العمل المسلح، ووسائل النضال الأخرى تخضع لشروط العمل المسلح الذي نفهم من البند العاشر أنه عمل فدائي (أي ليس عملاً عسكرياً نظامياً)، وأنه عمل شعبي، وأنه ليس فلسطينياً فحسب، لأن تحرير فلسطين مسؤولية الأمة العربية بأسرها (البند 15).

 

ثالث تلك الثوابت “طرد الغزاة”، وهذه النقطة بالذات لا بد من فركها في وجوه دعاة التعايش على اختلاف أمراضهم.  فالميثاق يقول في البند السادس أن اليهود الذين يعتبرون فلسطينيين هم فقط الذين تواجدوا في فلسطين قبل بدء الغزو الصهيوني.  أما الغزو الصهيوني فبدأ رسمياً في القرن التاسع عشر، وقبلها كان اليهود أقل من واحد أو اثنين بالمئة من السكان، فتلك إذن هي النسبة المسموح بها – إذا تسامحنا – لليهود في فلسطين.  ولا نعتذر عن ذلك لأحد، فالبند الثاني للميثاق يقول أن الشعب الفلسطيني يقرر مصيره وفق مشيئته بعد التحرير، والبند العشرون يعتبر أن لا علاقة تاريخية أو روحية بين اليهود وفلسطين، والبند السادس عشر يضمن حرية العبادة والزيارة للجميع (وليس حرية الإقامة مثلاً)…

 

ولا يوجد شيء في الميثاق عن تأسيس “دولة” من أي نوع، ولا عن “شرعية دولية”.  فالميثاق مشروع تحرير، لا مشروع تعايش أو تفريط، ولذلك يرفض قرار تقسيم فلسطين (البند 19).  كما نلاحظ في البند الخامس والعشرين أن منظمة التحرير مسؤولة عن مشروع التحرير وإدارته، ولم يُقلْ أنها “الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني” مثلاً.

 

بجميع الأحوال، من يريد أن يقنعنا أنه يدافع عن الثوابت ويتبناها عليه أولاً أن يلتزم بالمقاييس المبينة أعلاه، خاصة إذا وجد في سجله السياسي ما يخالفها بوضوح.

 

  

الموضوعات المرتبطة

ترامب وتقرير مجموعة دراسة سورية

د. إبراهيم علوش ربما يغيّب دخول الجيش العربي السوري إلى مناطق كانت خارج سيطرته حتى الآن، من الشيخ مقصود في حلب إلى ريفي الحسكة والرقة، الهزة التي أحدثها الغزو التركي لمنطقة الجزيرة السورية، [...]

عن المنهج القومي في القرآن الكريم

د. إبراهيم علوش ربما ينزعج بعض المثقفين النخبويين من طرح قضايا دينية في سياق سياسي أو أيديولوجي، أما بالنسبة للمناضلين القوميين الذين يخوضون معركة مواجهة التكفير والنزعات الطائفية في [...]

المتباكون على “الخلافة العثمانية”

د. إبراهيم علوش يطلع علينا بين الفينة والأخرى من يتباكى على قرون التجمد الحضاري خارج التاريخ في ظل الاحتلال العثماني، بذريعة أن ما تلاها كان تجزئة واحتلالاً وتبعية للغرب، والمؤسف أن بعض هذه [...]

ارتفاع الأسعار في سورية… هل ثمة ما يمكن أن يفعله المواطن؟

د. إبراهيم علوش يصعب التحدث بالسياسة أو بغيرها بشكل عقلاني مع من وقع بين مطرقة ارتفاع الأسعار (ارتفع مؤشر أسعار المستهلك حوالي تسعة أضعاف منذ عام 2010، بحسب المكتب المركزي للإحصاء) من جهة، [...]

ما هي العروبة الحضارية؟

د. إبراهيم علوش هل تقوم العروبة على أساسٍ عِرقي أو عنصري، كما يزعم البعض؟ وهل يشكل الانتماء لـ"عِرقٍ عربيٍ صافٍ" أحد شروط الانتماء للعروبة، بما يخرج منها من لا ينحدرون من أصلابٍ عربية صرف من [...]
2019 الصوت العربي الحر.