نحو فهمٍ أفضل لسياسات الحليف الروسي في سورية

May 30th 2018 | كتبها

د. إبراهيم علوش

أثير كثيرٌ من اللغط في وسائل الإعلام حول مواقف موسكو من موضوع “تواجد إيران وحزب الله” في جنوب غرب سورية، على مقربة من خطوط التماس مع العدو الصهيوني في محافظتي درعا والقنيطرة، بناءً على تصريحات مختلفة لمسؤولين روس، كان آخرها تصريح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يوم الاثنين 28 أيار الماضي حول ضرورة تواجد القوات الحكومية السورية “فقط” على الحدود الجنوبية لسورية، وما نقلته وسائل أعلام مختلفة عن “سعي روسي حثيث لضبط الرد” على الغارات الصهيونية على مواقع مختلفة في سورية، ناهيك عن كون روسيا طرفاً ضامناً لمنطقة “خفض التوتر” في جنوب غرب سورية، إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية والأردن، خارج نطاق مسار “آستانا”، منذ 7 تموز 2017، وما نقل عن حرص روسيا على عدم اشتعال المواجهات مع الكيان الصهيوني في جنوب غرب سورية، لا سيما خلال زيارة نتنياهو لموسكو في “يوم النصر” على النازيين (9 أيار)، وما نُقل بعدها عن “تراجع” موسكو عن بيع منظومة الدفاع الجوي “أس 300” لدمشق بعد تصريح لافروف عن تفكير موسكو ببيعها لسورية عقب العدوان الثلاثي (الأمريكي-الفرنسي- البريطاني) عليها في شهر نيسان الفائت.

وإذا كان جزءٌ غير يسير مما كُتب وقيل حول هذا الموضوع في الإعلام الأصفر قد جاء في سياق الدس والتشكيك ودق الأسافين والسعي لزعزعة أركان التحالف مع روسيا، فإنه فعل ذلك متجاوزاً كل ما قدمته روسيا من دعم لسورية في مواجهة الحرب الكونية عليها، من ممارسة حق النقض مراراً في مجلس الأمن الدولي لمنع الدول الغربية من أن تكرر في سورية ما جرى في ليبيا ويوغوسلافيا السابقة من قبلُ، إلى توريد منظومات الدفاع الجوي الصاروخية “ستريلتس” و36 منظومة “بانتسر-إس 1” الصاروخية المضادة للطائرات، وغير ذلك من الأسلحة والمعدات العسكرية إلى سورية، مروراً بدخول روسيا على خط الحرب منذ 30 أيلول 2015، تجاوباً مع طلب الدولة السورية للمساعدة في مواجهة تحالف الشر الغربي-الرجعي العربي والتركي وأدواته المحلية، مما ساعد بتأمين تغطية جوية نوعية لحملات الجيش العربي السوري وحلفائه في مواجهة الإرهاب، ناهيك عن الدور الاستشاري للحلفاء الروس، الذي كلفهم 92 شهيداً حسب أرقام وزارة الدفاع الروسية (حتى تاريخ كتابة هذه السطور)، كان آخرهم أربعة قضوا إلى جانب الجيش العربي السوري والقوات الحليفة في مواجهة بطولية مع التكفيريين في محافظة دير الزور في 23 أيار الجاري.

ليس من الحكمة هنا أن نخوض في مقارنات عقيمة، كما يفعل البعض، بين ما قدمته روسيا من جهة، وما قدمته إيران أو حزب الله أو لواء القدس والفصائل الفلسطينية أو غيرها في حرب الدفاع عن سورية، كما أنه ليس من الحكمة مقارنة ما قدمه الحلفاء مع ما قدمته سورية شعباً ودولةً وجيشاً، لأن مثل تلك المقارنات لا طائل منها، فضلاً عن كونها تنطلق من فرضيات غير سليمة حول ضرورة تساوي ما تقدمه كل الأطراف في المجهود الحربي، فيما الصحيح هو أن العطاء يفترض أن يتناسب مع درجة القرب والبعد من القضية التي تقتضي التضحية، حيث يقدم الأقرب منها تضحيةً أكبر مما يقدمه الأبعد عنها، جغرافياً وسياسياً، كما أن ما يُقدم في المجهود الحربي لا يُقاس دوماً بعدد الشهداء وتكاليف المشقة والموارد المالية وغير المالية، فرُبَ فيتو روسي وصيني في مجلس الأمن، ورُبَ سلاحٍ نوعيٍ أو معلومات أمنية أو استشارة عسكرية توفر آلاف الشهداء في ساحات القتال، ولنا أن نتخيل لو اتخذ الروس والصينيون موقفاً مائعاً، كما حدث في العراق ويوغوسلافيا وليبيا، كم كان ذلك سيضيف من الخسائر البشرية والمادية في سورية، وكم كان سيرفع من تكلفة الانتصار… فكلٌ له موقعه ودوره الذي يسهم عبره في المجهود الحربي في سورية، ولا يجوز أن نقلل من دور أي حليف ومساهمته، أو أن نخلط بين “أم الولد” وغيرها، أو أن ننسى أن الأساس في حرب الدفاع عن سورية من الطبيعي أن يظل سورية ذاتها.

بعد تثبت هذه النقطة، وفقط بعد تثبيتها بوضوح وإصرار، نقطة التأكيد على أهمية التحالف مع روسيا والصين والدول المستقلة حول العالم في مواجهة التغول الإمبريالي، يمكن أن نضيف أن من ينطلق من التزام وطني أو قومي أو عقائدي أو أممي في حرب الدفاع عن سورية ليس، ولا يمكن أن يكون، كمن ينطلق من رؤيته لمصالحه المحددة كدولة لها تقاطعات وافتراقات مشروطة زمانياً ومكانياً مع مصالح الدولة السورية، والمنطق هو أن نشتغل على توسعة نقاط اللقاء وتضييق نقاط الافتراق مع مثل تلك الدول، لا العكس، لأن الأساس في أي استراتيجية سياسية هو عزل العدو عن حلفائه، لا عزل أنفسنا بتصعيد الخلافات مع حلفائنا. كما أن الحليف ليس نحن، ونحن لسنا الحليف، وهذا لا يجوز أن ننساه، ومن يتعامل مع حليفه كأب، يحول نفسه إلى “ولد”، وروسيا حليفنا، وليست أمنا وأبانا، وهي مخلصة في تحالفها لكن ذلك لا ينفي أنها تقف معنا أيضاً من منطلق مصالحها، التي تتقاطع مع مصالحنا إلى حدٍ كبيرٍ، لكنها لا تتقاطع معها دوماً وأبداً، وهي لم تعاهدنا يوماً أن تقدم لنا حباً غير مشروط كما في الروايات الكلاسيكية وروائع الأفلام.

إن جوهر استراتيجية روسيا ولبها هو مواجهة النفوذ الأمريكي واحتواؤه واحباط الاستراتيجية الأمريكية لتطويق روسيا وتفكيكها بعد تفكيك الاتحاد السوفييتي السابق، ومثل هذا الجوهر فيه مساحة تقاطع كبيرة مع سورية خصوصاً، والأمن القومي العربي عموماً، ولكن بعد ذلك قد تكون هناك حسابات روسية لا تتقاطع مع حساباتنا تماماً أو دوماً. مثلاً، روسيا قد تعد أن إقامة علاقات متينة مع عضو في حلف الناتو كتركيا، والتعاقد على بيعها منظومة “أس 400″، قد يبعد تركيا عن الناتو، وصولاً لإغلاق البحر الأسود على الحلف المناهض لروسيا، وتأمين عدم تحول تركيا إلى منصة لتصدير النفط والغاز المنافس لروسيا إلى أوروبا، أو على الأقل هذا هو الطموح الروسي الاستراتيجي، وقد سبق ذلك بيع منظومة “أس 300” لليونان، وهي عضو في حلف الناتو أيضاً منذ عام 1952.

من المنطلق ذاته، قد تعد روسيا أن تحسين العلاقات مع السعودية سوف يسهم بتعزيز وجودها في منطقة كانت تعتبر حكراً على الغرب إلى وقتٍ قريبٍ، فضلاً عن أهمية التنسيق مع السعودية والدول الخليجية في موضوع سعر النفط والغاز، ومن هنا تعاقدت لبيع منظومة “أس 400” للسعودية، وإذا كانت السعودية بحاجة لتشجيع على هذا الصعيد، فإن روسيا دخلت بالتوازي في حالة تفاوض على بيع تلك المنظومة لقطر ولإيران، والحصيلة هي خسارة صافية لا لمنظومة الباتريوت الأمريكية فحسب، بل للنفوذ الأمريكي في المنطقة، وهي حسابات روسية قد تؤتي أكلها كلياً أو جزئياً، وقد نتفق معها جزئياً أو نخالفها، وقد تعجبنا أو لا تعجبنا، ولسنا مضطرين لتأييدها حيث لا توافقنا، لكنها حسابات دولة عظمى ذات مشروع محدد هو عزل الولايات المتحدة وصد خطرها على روسيا المحاطة بالصواريخ البالستية الأمريكية والمهددة بمشاريع الثورات الملونة كما في أوكرانيا وجورجيا، وبسلاح الإرهاب التكفيري كما في القوقاز، وهذا هو بيت القصيد.

نأتي الآن إلى زبدة المشكلة: علاقة روسيا مع الكيان الصهيوني والتزاماتها. هنا لا يمكن أن نوافق طبعاً، ولكن علينا أن نفهم، أولاً، أن روسيا الاتحادية ليست الاتحاد السوفييتي السابق بالتزاماته العقائدية مع العرب، وأن الكيان الصهيوني، ثانياً، لم ينصع للعقوبات الغربية على روسيا بعد ضمها لشبه جزيرة القرم، وأن روسيا، ثالثاً، تفكر بملء الفراغ الذي تركته الولايات المتحدة في المنطقة، وأن روسيا، رابعاً، ليست لديها الحساسية نفسها التي نمتلكها إزاء موضوع التطبيع، وأكرر أننا هنا يجب أن نفهم (ولا نتفهم أو نتقبل) الحسابات الروسية، وأن الكيان الصهيوني، خامساً، جزءٌ من احتياطيات الغاز الكبرى شرق المتوسط، وأن روسيا، سادساً، تعتقد أن اللوبي اليهودي الصهيوني مدخلٌ لها على النفوذ في الغرب، وأننا واجهنا، سابعاً، احتكاكات حتى مع الاتحاد السوفييتي السابق بشأن الاعتراف بالكيان الصهيوني وبالوحدة العربية، ومن هنا يجب أن لا نتفاجأ إذا لم تلتقط روسيا الاتحادية فوراً معنى تبنيها لأفكار “فيدرالية” في سورية، أو معنى إزالة وصف “العربية” من اسم الجمهورية العربية السورية، لكن ذلك لا يعني بالطبع أن نوافق على أيٍ من هذا.

يصبح واضحاً هكذا لماذا يلوح لافروف ببيع سورية منظومة الأس-300 بعد عدوان أمريكي عليها، وليس بعد عدوان صهيوني، ولماذا يسعى الروس لتحقيق مصالحات وصفقات تعيد مناطق العصابات المسلحة في درعا سلماً للدولة السورية، من دون احتكاكات مع العدو الصهيوني، فيما يتخذ الروس موقفاً صلباً من قاعدة التنف وغيرها من القواعد الأمريكية ويدفعون الشهداء على الخط المقابل للأمريكان شرق سورية. وفي المحصلة، فلتعد كل درعا والقنيطرة إلى الدولة السورية عبر بوابة المصالحات، فمن قال أننا مغرمون بالقتال من أجل القتال؟ ولكن النقطة هي: بطريقة أو بأخرى، ستعود كل المناطق إلى حضن الدولة العربية السورية.

صحيفة “تشرين” 30/5/2018

http://tishreen.news.sy/?p=157596

للمشاركة على فيسبوك:

نحو فهمٍ أفضل لسياسات الحليف الروسي في سوريةد. إبراهيم علوشأثير كثيرٌ من اللغط في وسائل الإعلام حول مواقف موسكو من…

Geplaatst door ‎إبراهيم علوش‎ op woensdag 30 mei 2018

الموضوعات المرتبطة

حزام وطريق واحد: مبادرة صينية لقلب ميزان القوى العالمي

د. إبراهيم علوش "حزام وطريق واحد" هي مبادرة عملاقة أطلقها الرئيس الصيني تشي جينبينغ، ورئيس الوزراء لي كقيانغ، خلال زيارات لعدد من الدول الآسيوية والأوروبية في العام 2013، وأصبحت بعدها محور [...]

منحنى لافر Laffer Curve وجباية الضرائب في الأردن

من المعروف أن العبء الضريبي على المواطن الأردني هو الأعلى في الوطن العربي، ومن أعلى المعدلات في العالم. ويدفع المواطن الأردني حوالي مئة ضريبة، وتشكل ضريبة المبيعات (16%) مركز الثقل في [...]

ما هي ضريبة المبيعات؟

أخذت الحكومة عشرين ديناراً من زيد الذي يبلغ راتبه 200 دينار، وخمسين ديناراً من عمرو الذي يبلغ دخله ألف دينار. قد يبدو للوهلة الأولى هنا أن عمرو دفع ضريبة أكبر من التي دفعها زيد، ولكن العكس، في [...]

مسيرات غزة وإنجازاتها

في "جمعة مستمرون رغم الحصار" يواصل شعبنا في غزة، للجمعة التاسعة على التوالي، مسيرته المظفرة للتأكيد على عروبة كل فلسطين، وعروبة القدس جوهرة فلسطين. وإذا كانت مسيرة غزة اليوم تأتي في عيد [...]
2018 الصوت العربي الحر.