فتح قومي عربي أم “غزو إسلامي”؟

July 24th 2019 | كتبها

– تعبير “الأقوام السامية” مصطلح توراتي، وغير علمي، وهو مثل “الشرق الأوسط” يستخدم للتعمية على حقيقة كون هذه الأقوام تشترك بقاسم مشترك واحد هو العروبة، وبالتالي فإن مصطلح “الأقوام السامية” يجب أن يكون الأقوام العربية بحسب الكثير من المؤرخين، مثل الدكتور جواد العلي، ومحمد عزة دروزة، وأحمد الداوود، وغيرهم كثر…

– يقول محمد عزة دروزة: لقد لبثت بلاد الشام تحت حكم اليونان والرومان نحو ألف عام (من 331 ق.م إلى 640 ب. م)، وجاء إليها منهم الألوف المؤلفة، واستقروا فيها، ونشروا لغتهم وثقافتهم… وقد جمع بينهم وبين أهل البلاد دين واحد هو المسيحية منذ القرن الرابع الميلادي، وترجمت إلى اليونانية الكتب المقدسة، وصارت من اللغات التي تؤدى بها طقوس العبادة، ومع ذلك لم يستطيعوا أن يطبعوا البلاد وأهلها بطابعهم، بل وكانت جمهرة الشاميين منقبضين عنهم، متحاشين الامتزاج بهم، في حين أن الموجات العربية الصريحة التي جاءت إلى بلاد الشام قبل الإسلام، أخذت تطبع البلاد وأهلها بالطابع العربي الصريح بسهولة ويسر، واشتد هذا الطابع في عمله حينما جاءت موجة الفتح الكبرى تحت راية الإسلام، فلم يمض بضعة أجيال حتى تم له السيادة الخالدة المقدسة. وليس من تفسير لهذه الظاهرة، إلا صدق نظرية وحدة الدم والأرومة والمنبت والروح التي كانت تجمع بين سكان هذه البلاد وجزيرة العرب.

– وعلى كل حال، المراجع التي تؤكد العروبة المتصلة لبلادنا منذ أقدم العصور متوفرة لمن يبحث عنها، ونقول المتصلة، لأن العروبة لا يخل بها احتلالٌ عابر، ولو طال به الأمد. وفي مادة بعنوان “الفتح الإسلامي لم يكن غزواً” في مجلة البيان الكويتية، عدد شهري 7 و8 لسنة 1998، يظهر د. فؤاد المرعي أن اندفاع سكان العراق وبلاد الشام ومصر للانضواء تحت راية الإسلام، بعد ألف عام من الاحتلالين الرومي والفارسي، يعود أساساً لعدم قدرة الاحتلالين على اجتثاث العروبة التاريخية للمنطقة.

– تظهر المادة ذاتها للدكتور المرعي أن المسلمين دخلوا بلاد الشام والعراق ومصر محررِين لا مستعمِرين، وأن المسلمين الأوائل كانوا يعرفون أن مسيحيي الشرق، أبناء عمومتهم بالنسب، كانوا مضطهَدين من الروم، وبالتالي أنهم سيؤيدونهم على أساس قومي عربي، ولو لم يدخلوا في الإسلام، فذلك حساب استراتيجي واثق، لا عمل مغامر، يقوم على شعور غريزي بوحدة الأرض والثقافة والإنسان العربي في وعائه الجغرافي الطبيعي الذي لا يميز بين جزيرةٍ عربية، وهلالٍ خصيب، ووادي نيلٍ، ومغربٍ عربي، وهي العروبة التي هيأت لانتشار الإسلام نفسه كحركة وحدة وتحرير ونهضة للأمة العربية. وثمة سبب، بالمقابل، لعدم تخلي فارس عن لسانها بعد الإسلام!

– ويظهر د. إدمون رباط في بحثه “المسيحيون في الشرق قبل الإسلام” (المنشور في مجلة “حوار” عدد حزيران 1989): 1) الأصول السامية العربية للأغلبية الساحقة من سكان بلاد الشام والعراق بالأخص، 2) الصراع القومي العنيف بين مسيحيي بلاد الشام والعراق ومصر من جهة، والكنيسة البيزنطية الممثِلة للمستعمِر الرومي والبيزنطي من جهة أخرى، وهو صراع طائفي بين مسيحية عربية ومسيحية رومية كان في الواقع إفرازاً أيديولوجياً للصراع بين مشروعية الاستعمار الروماني ومشروعية مقاومته، أي أنه كان باختصار صراعاً مقنعاً بين قومية عربية مضطهَدة، وقومية رومية مضطهِدة… وقد مهّد ذلك الصراع، بشكليه القومي والديني، لمجيء الإسلام بشكل طبيعي إلى بلاد الشام ومصر بلا قتال، لا بل بتأييد الجماهير العربية له وانتقالها إلى صفوفه خلال 24 ساعة بعد حوالي ألفية من الاحتلالين الرومي والفارسي. وكل ذلك يشهد لا على عروبة بلاد الشام والعراق ومصر منذ الأزل فحسب، بل يشهد على عروبة الإسلام ذاته!

– لقد بات من الضروري أن نذّكر بكل هذا اليوم في مواجهة غزاةٍ جدد يحاولون إظهار العروبة والإسلام في بلادنا كاحتلال طارئ، وفي مواجهة هويات التفكيك الدموي المدعومة غربياً.

– كذلك ننبه إلى التتمة الصهيونية المباشرة لهذه الرواية المؤسِسة ل”الشرق أوسطية”: من خلال نفي عروبة القدس قبل الإسلام، وهو ما يؤسس لزعم هوية يهودية مزيفة لها قبل الرومان. وهو أمرٌ من أخطر ما يكون في ظل مشاريع تهويد القدس الحالية الذي تشكل فكرة “القومية الآرامية” تتمةً له.

– لا بد من التحذير هنا بالأخص مما يذهب إليه بعض الكتاب القوميين العرب الذين يعتبرون أن عمر الأمة العربية هو من عمر الإسلام (1400 سنة فحسب)، منكرين العروبة القديمة، مما يفتح الباب بقوة على اعتبار الإسلام “غزواً”، ويدعم مزاعم الحركات الانفصالية والمتغربة، فضلاً عن كونه تعميماً غير علمي وغير سليم.

– كذلك لا بد من التذكير إن باني القدس هو “ملكي صادق” ملك قبيلة اليبوسيين الكنعانية. فمن لا يصرّ على دور اليبوسيين العرب في تأسيس القدس وعلى عروبة الكنعانيين الناجزة عروبةً لا ريب فيها، وبالتالي عروبة أرض كنعان، فإنه يقدمها مع الأقصى والقيامة لقمةً سائغة لليهود بذريعة ملكيتهم التاريخية لها. فإذا مر العبرانيون يوماً بأرض كنعان كما يزعمون، فإنهم يكونون قد مروا بها كأي احتلال، وقبلهم ومعهم وبعدهم بقي الكنعانيون ليحافظوا على عروبة الأرض، وتِلْكم هي الهوية العربية المتصلة التي لا يبدلها أي احتلال.

إبراهيم علوش

للمشاركة على فيسبوك:

https://www.facebook.com/photo.php?fbid=2905758969441319&set=a.306925965991312&type=3&theater

الموضوعات المرتبطة

حول ما يشاع عن الانسحاب الإماراتي من اليمن

منهات بن نوفان – لائحة القومي العربي/ اليمن تتعدد دوافع الانسحاب الإماراتي من اليمن، وهي: 1 - صاروخ كروز المجنح، 2 - التهديد الجدي عبر دوائر ضيقة والذي حملته مصادر إلى الجانب الإماراتي بعد [...]

نسبة سكان سورية الأوائل للجزيرة العربية لا يقلل من عظمة سورية الحضارية

      - القول أن سكان سورية القدماء، وبقية المنطقة، قدموا من شبه الجزيرة العربية يستند إلى التاريخ الطبيعي لمنطقتنا، ومفتاحه التغير المناخي، فعندما كانت الجزيرة العربية في [...]

هل أتى العرب من شبه الجزيرة العربية من سورية الطبيعية كما يزعم البعض؟

- الذين يجادلون بأن اتجاه التدفقات السكانية لم يكن من الجزيرة العربية إلى الشمال والغرب، بل العكس، تمعنوا بهذا الخبر جيداً... مدافن دلمون البحرينية على لائحة التراث العالمي لليونيسكو وقالت [...]

الآراميون عرب قدماء

- كانت سورية قبل الفتح الإسلامي آرامية، لكن الآراميين والعرب لم يكونوا قوميتين متجاورتين، لكن مستقلتين، مثل الصينيين واليابانيين مثلاً، أو مثل الألمان والفرنسيين. على العكس تماماً، مثّل [...]
2019 الصوت العربي الحر.