نقطة البداية في إعادة إحياء التيار القومي اليوم

May 23rd 2020 | كتبها

بعد الاحتلال البريطاني لمصر في العام 1882، في ظلّ ولاية “حافظ الحمى والديار في وجه الاستعمار” السلطان عبد الحميد الثاني، باتَ شَطْب الوعي القومي العروبي لمصر ضرورة استراتيجية كصمام أمان جغرافي-سياسي يحوْل دون عودتها للدور الذي لعبته أيام محمد علي، ليجرّدها من قدرها التاريخي ويحوّلها من رائد وحدوي إلى حاجز في طريقه، وقد عمِلت بريطانيا والسلطنة العثمانية كقطبيْ مغناطيس لتدمير النزعة العروبية في مصر واجتثاثها، وكان ذلك عن طريق الأيديولوجيا: الأيديولوجيا القُطرية الفرعونية المصرية المنبتّة عن الهوية العربية، والأيديولوجيا الإسلاموية المشرقية المعادية للقومية العربية. ولعلّ أروع معالجة لتفاعل هاتين النزعتين ودورهما في إضعاف الفكر القومي هي معالجة المفكّر القومي اليساري ياسين الحافظ: “شُنّت حربٌ مزدوجة من الجانبين: الاتجاه القومي المصري الإقليمي، المفرعن، التغربي، رأى إلى النزعة القومية العربية بوصْفها استحالة من استحالات الأيديولوجيا الإسلامية ونتاجاً فرعياً من نتاجاتها وترميماً لها (لطفي السيد، طه حسين، سلامة موسى، إلخ…)، والاتجاه التقليدي الإسلامي، متمّثلاً بالأزهر، الذي أدانَ النزعة القومية العربية بوصفها غير متفقةً مع كونية الدين الإسلامي وتمرّداً على سلطة مسلمة تحمي الإسلام من عدوان الغرب، وشقاقاً مع شعب مسلم” (1). والحقيقة أنّ هذا المقتطف لا يفي معالجة ياسين الحافظ للمسألة حقّها، إذ لا بد من مراجعة الصفحات الأولى من الفصل المعنون “تطور وعي عبد الناصر الوحدوي” في كتابه “في المسألة القومية الديموقراطية” (2).

وقد سبق أن أظهرنا، في العدد 31 من مجلة “طلقة تنوير”، أنّ الاستعمار البريطاني لم يكتفِ بدعم النزعات القُطرية المناهضة للنزوع القومي الوحدوي، بل عَمِلَ بشكل حثيث على: 1) دَعْم الحركة الوهابية عبر مكتب الهند، وضابط الارتباط جون (عبدالله) فيلبي، و2) دعم تأسيس تيار إسلامي ابتدأ مع جمال الدين الأفغاني الذي تمّ استحضاره من الهند، وانتهى بدعم حركة الإخوان المسلمين عبر مكتب القاهرة (3). ومن المعروف أنّ الحرب الشعواء التي خاضتها بريطانيا والدول الاستعمارية والأنظمة الرجعية العربية ضد عبد الناصر خصوصاً، وحركة التحرر القومي العربية عموماً، تمّ خوضها إلى حدٍ بعيدٍ في الخمسينيات والستينيات بأدوات إسلاموية في الشارع وفي الأيديولوجيا، وما هي إلا امتداد لاستراتيجية دعم النزعة العثمانية في مواجهة نزعة محمد علي باشا لتأسيس مملكة عربية تضمّ كل البلدان الناطقة بالعربية، على حدّ تعبير بالمرستون.

العِبرة مما سبق أنّ الإمبريالية وأدواتها حاربوا التيار القومي أيديولوجياً، لا سياسياً وعسكرياً فحسب، ولم يكتفوا بالسعي لضرب كل تجربة قومية عروبية، من مصر محمد علي باشا إلى مصر عبد الناصر، إلى جزائر بن بلّا، إلى سورية اليوم، مروراً بالعراق وليبيا في السنوات الأخيرة، إنّما عملوا ليل نهار على تشجيع التيارات المناهضة للعروبة في المجتمع، من اللونيْن الليبرالي والإسلاموي خصوصاً، ناهيك عن تشجيع الوعي الأقلوي، الطائفي والإثني والمناطقي.

المغزى هو أنّ الحرب الاستعمارية على التيار القومي العربي هي حربٌ تاريخية، بدأت منذ قرنين، ولم تتوقف حتى الآن، وبالتالي فإنّ أي حديث عن إعادة إحياء التيار القومي خارج سياق الصراع مع قوى الهيمنة الإمبريالية وأدواتها هو تهويمٌ خارج السياق التاريخي ولا معنى له. وهذا لا ينفي وجود شروط أخرى لإعادة إحياء التيار القومي، لكنّ الصِدَام مع الإمبريالية وأدواتها هو نقطة البداية والنهاية التي لا مفرّ منها.

هذا يعني أن التيار القومي، منذ نشأ، وَجَد نفسه في حالة مواجهة مع الإمبريالية وأدواتها، وكانت كل موجة قومية عروبية في العصر الحديث تنكسر انكساراً عسكرياً أو سياسياً في مواجهة مع الإمبريالية وأدواتها، وكانت هزيمتها في كل مرة تعيد التيار القومي عقوداً للخلف، ليعود للنهوض من جديد، لأنّ الواقع العربي ما برح يستصرخ الحلّ القومي استصراخاً كل لحظة. ولهذا تؤكّد أدبيات لائحة القومي العربي على أنّ أهداف المشروع القومي (الوحدة والتحرير والنهضة) تبقى راهنة، ولا تسقط بالتقادم، لأنّ جذور كل مشاكل الواقع العربي المعاصر هي ثالوث التجزئة والتبعية والتخلف (4)، ولأن حقيقة الوجود القومي المترسخة عبر آلاف السنين من التفاعل بين الأرض والشعب والزمن ما تزال تمارس جذباً مقاوِماً لعوامل التفكيك والتشرذم التي لا نقلل من شأنها، ولأن حملات العدوان التي تقوم بها الإمبريالية وأدواتها ضد أي بلد عربي يتردد صداها في الأقطار المجاورة والبعيدة مما يُشعر المواطن العربي العادي بالخطر الداهم الذي لا بدّ من ردّه، ولأننا، بالرغم من كل شيء، ما زلنا نبحث عن مكاننا تحت الشمس في هذا العالم، وندرك في أعماق أعماقنا أننا لن نجدَه إلا كقوةٍ متحدةٍ قادرة، مهما بدا مثل ذلك البحث شاقاً ومعقداً وشائكاً.

د. إبراهيم علوش
=======================
الهوامش:

(1) في المسألة القومية الديموقراطية، ياسين الحافظ، دار الحصاد، دمشق، الطبعة الثانية، 1997، ص 131.
(2) المصدر السابق، الصفحات 121-134.
(3) حركات الإسلام السياسي كمنتج للحداثة الغربية، إبراهيم علوش، مجلة “طلقة تنوير”، العدد 31، 1 كانون أول 2016، ص 18-21.
(4) انظر “هل انتهى عصر الفكر القومي حقاً؟” في كتاب “من فكرنا القومي الجذري”، إبراهيم علوش، دار ورد، عمان، 2014، ص 29-32.

للمشاركة على فيسبوك:

نقطة البداية في إعادة إحياء التيار القومي اليومبعد الاحتلال البريطاني لمصر في العام 1882، في ظلّ ولاية "حافظ الحمى…

Geplaatst door ‎إبراهيم علوش‎ op Zaterdag 23 mei 2020

الموضوعات المرتبطة

الاستهداف الغربي للفكرة القومية العربية منذ محمد علي باشا

شكل القوميون العرب تاريخياً التيار الأكثر تعرضاً للاستهداف المنهجي في العصر الحديث بالضبط لأنه التيار الذي يشكل تحقيق أهدافه، مثل الوحدة والتحرير والنهضة، انقلاباً جذرياً في بنيان [...]

اعرف تراثك الشعبي العربي.. الشيخ غومة المحمودي قائد الثورة ضد العثمانيين في غرب ليبيا

الشيخ غومة المحمودي، شيخ قبائل المحاميد، من قبائل بني سليم العربية الأصيلة الأصيلة، قاد واحدة من أطول الثورات ضد الاحتلال العثماني البغيض في منطقة غرب ليبيا، شاركه فيها توانسة وجزائريون، [...]

الدروس الحضارية لمعركة الأهرامات

في معركة الأهرامات (إمبابة) عام 1798، خلال الحملة الفرنسية على مصر، واجه 20 ألف جندي فرنسي 60 ألفاً من المماليك والعثمانيين، وسقط في المعركة 300 فرنسي بين قتيل وجريح، وسقط، بحسب أقل التقديرات، 6000 [...]

… وهل المشروع القومي في متناول اليد؟

أرسل لي صديق، تعليقاً على ما نشرته أمس تحت عنوان "وجه الخطورة في الحديث عن الفضاء العربي-التركي-الإيراني"، وما أنهيت فيه من أن "الأولوية الأولى هي لمشروع النهوض القومي، وبعدها لكل حادث [...]
2020 الصوت العربي الحر.