ملاحظات على هامش اللحظة المصرية الراهنة

June 23rd 2020 | كتبها

– لا يحتاج أي مراقب سياسي حصيف للكثير من الجهد ليلاحظ أن مصر يتم تطويقها اليوم من بوابة:
أ – خطر الإرهاب في سيناء من الشرق،
ب – خطر قطع مياه النيل من الجنوب،
ج – الخطر التركي من الغرب الليبي ومن الشمال من بوابة البحر المتوسط.

– من الصعب أن لا يذهب الذهن للبحث عن القواسم المشتركة بين هذه المخاطر التي تحيق بمصر من الجهات الأربع. وهنا يصبح السؤال المنطقي هو: هل اجتماع تلك المخاطر على مصر هو من قبيل الصدفة مثلاً؟ وإن لم يكن من قبيل الصدفة، من هو صاحب المصلحة في إبقاء مصر مشغولة بالمخاطر والتهديدات الوجودية؟

– هل هناك صلات مثلاً بين تركيا وحلف الناتو يا ترى؟ وما هو موقف الإدارة الأمريكية من تغلغل تركيا في ليبيا (أو سورية أو العراق.. انظر مذكرات جون بولتون مؤخراً)؟ هل هناك صلات بين الإرهاب التكفيري وجهات خارجية يا ترى، أم أنه يشن حروبه الشعواء المستمرة عبر البلدان والقارات بإمكانيات وتخطيط ودوافع ذاتية؟ هل شربت إثيوبيا “حليب السباع” لوحدها وقررت أن “تعطّش” العرب في السودان ومصر، أم أن هناك من يدعمها ويمول سدها ويدفعها لمثل هذا السلوك العدواني؟ وهل نتذكر هنا دعوة بن غوريون لإقامة حلف استراتيجي مع الدول المحيطة بالوطن العربي مثل تركيا وإثيوبيا وإيران (الشاه) أم أنها غير ذات بالموضوع؟

– فلنترك هذه الأسئلة مفتوحة في الوقت الراهن.. إذ ليس همنا أن نثبت وجود مؤامرة على مصر، ليس من الصعب تحري خيوطها في الواقع، إذ أن الأهم هو الإجابة على السؤال التالي: هل كان المسار الذي اتخذته مصر منذ أنور السادات بالبحث عن خلاصها الذاتي الموهوم داخل حدود التجزئة الاستعمارية، بعيداً عن أي استراتيجية قومية عربية أو إفريقية أو عالمية (أسوة بحركة عدم الانحياز مثلاً) أو أي مواجهة مع الغرب والصهيونية استراتيجية صحيحة؟ أي هل ثبت أن قوى الهيمنة الخارجية يمكن أن تترك دولة عربية مركزية مثل مصر لشأنها لتبني ذاتها بذاتها من دون إزعاج إن هي ابتعدت عن مناهضة الاستعمار والرجعية والصهيونية مثلاً؟

– هل ثبت أن خيار الصلح مع العدو الصهيوني والاعتراف به والتطبيع معه يمكن أن يحمي أي دولة عربية من خطر المشاريع الصهيونية ذاتها، مشاريع التفكيك والإضعاف والاختراق وإثارة الفتن؟ وهل ثبت أن كامب ديفيد يمكن أن تحمي مصر من التدخلات الأمريكية-الصهيونية، أو أن وادي عربة يمكن أن تحمي الأردن أو أن اتفاقية أوسلو يمكن أن تعصم السلطة الفلسطينية (كما نلاحظ من مشاريع الضم مؤخراً وتهويد القدس و”صفقة القرن”)؟

– هل ثبت أن الخيار القُطري، أي التركيز على بناء الذات القُطرية فحسب، وغرس الرأس ضمن حدود التجزئة، هو استراتيجية حصيفة بالنسبة لأي قُطر عربي تبناها؟ أم ثبت أنها عبارة عن انتحار بطيء؟

– الحقيقة أن كل ما يجري مع مصر اليوم هو إعادة إنتاج في القرن الواحد والعشرين لصحة الخيار الناصري في الاستراتيجية العليا المصرية، خيار محمد علي باشا، وخيار رمسيس الثاني منذ عهد الفراعنة: إن لم تسحق الأتراك في أعالي سورية، سوف يأتونك إلى مصر، من الشرق أو من الغرب، لا فرق، وعبر الجغرافيا أو عبر الأيديولوجيا الإخوانية، لا فرق، في مرج دابق عام 1516 أو في قادش جنوب حمص عام 1274 قبل الميلاد أو في معركة حلف بغداد في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، لا فرق، فتلك قوانين الجغرافيا السياسية تفرض ذاتها مثل قوانين الجاذبية، يمكن لأي حاكم لمصر أن يركض ويركض هرباً منها، ولكنه لا يستطيع أن يختبئ من عواقبها. والدوائر الثلاث التي تحدث عنها جمال عبدالناصر في “فلسفة الثورة” لم تكن زينة إنشائية، بل هي قدرٌ جغرافيٌ سياسي، إما أن تدركه، وإما أن يدركك، بطرقٍ ليست كلها جميلة. وبالمناسبة، حاول محمد علي باشا أن يسيطر عسكرياً على منابع النيل.

– في الحقيقة، كل ما يجري في كل دولة عربية على حدة يثبت عقم الخيار القُطري في السياسة العربية، فلا أمن قومياً، ولا تنمية اقتصادية، واليوم، لا أمن واستقرار، ولا وحدة وطنية، خارج الخيار القومي العربي، فإما هو، وإما الخراب الشامل، وهو ما نعيشه اليوم.

– الكيان الصهيوني لم تبدأ الخطوات العملية لتأسيسه من قبل بالمرستون خلال حملة إبراهيم محمد علي باشا في مصر في ثلاثينيات القرن التاسع عشر إلا لمنع قيام مد وحدوي عربي تقوده مصر من جديد، وهذا موثق في مراسلاته مع سفرائه في إسطنبول ونابولي آنذاك.

– الخيار القومي العربي إذاً ليس شيئاً نقوم به بعد بناء الذات القُطرية ضمن حدود التجزئة، بل لا يمكن أن تقوم لنا قائمة من دون الخيار القومي العروبي، ولا يمكن أن تقوم لنا قائمة ضمن حدود التجزئة، هذا هو درس سد النهضة، ودرس الغزو التركي لليبيا وسورية والعراق، ودرس الإرهاب التكفيري العابر لحدود أقطار التجزئة، والذي، سبحان الله، يستهدف العرب المسلمين أساساً، فيما نحن نغرس رؤوسنا في رمال الذات القُطرية.

– مصر، إذا أرادت أن تحمي أمنها الوطني، لا تملك خياراً إلا أن تقف مع سورية، وأن تكسر قانون قيصر، وأن تحارب الغزو العثماني (بشكل مباشر أو غير مباشر) في ليبيا وغيرها، وأن تتخلص من قيود كامب ديفيد والتبعية للغرب. وبمنطق براغماتي محض، أن تدفع العثماني للتراجع في سورية سوف يضعف موقفه في ليبيا، والكلام للجزائر أيضاً، لا لمصر فحسب.

– لكن مصر بالذات، لكي تحمي أمنها واستقرارها وماءها ووحدة ترابها، لا تملك أن تتقوقع قُطريا، بل لا بد لها من الاستناد لعمقها القومي، لكي لا يدفع شعبها الثمن الأكبر في المعركة، ولكن الأخطر هو أنها سوف تدفع الثمن الأكبر إن لم تتبنَ مشروعاً قومياً، وهذا ما تعلمنا إياه دروس التاريخ.

– رب قائل: يعني هل تريدون أن نفتح كل الجبهات مرة واحدة؟ على الغرب والصهيونية وتركيا وإثيوبيا والتكفير إلخ… في آنٍ معاً؟! والجواب هو أن من البديهي أن هذا ليس هو المطروح، إنما المطلوب هو إعادة تموضع استراتيجية، أما مسائل التوقيت وجغرافيا الجبهات وإيقاعها، فتلك قصة أخرى، ليس من يفتي فيها إلا من يديرها ويدفع استحقاقاتها.

– لكن الواقع هو أن عدة جبهات قد فُتحت على مصر دفعة واحدة، وأن عليها أن تتصرف.. أو أن تستسلم تماماً. وفي الوقت الحالي فإن أولويات مكافحة الإرهاب (المرشح للتصاعد)، ومياه النيل، والتغلغل العثماني في ليبيا، كلها غير قابلة للتأجيل، وهو ما يتطلب خطوات عاجلة وجادة باتجاه العمق العربي، باتجاه الخيار القومي، باتجاه سورية والجزائر، وباتجاه القوى الإقليمية والدولية الصاعدة، وفي النهاية، باتجاه الشعب العربي.

– الحقيقة هي أن الخيار الناصري هو المخرج لمصر اليوم.

د. إبراهيم علوش

للمشاركة على فيسبوك:
https://www.facebook.com/photo.php?fbid=310901023645324&set=a.108373647231397&type=3&theater

الموضوعات المرتبطة

العقب الحديدية وانحلال الجمهورية في الولايات المتحدة

"العقب الحديدية" هي الترجمة العربية لعنوان رواية جاك لندن The Iron Heel، أما ترجمة العنوان الحرفية الأدق فهي في الواقع "كعب القدم الحديدي" (بالمفرد)، وقد نُشرت عام 1908 من منظور مستقبلي، كأنها مذكرات [...]

العمل القومي: لا نجاح من دون التعلم من التجارب الفاشلة

إذا كانت التجارب القومية العربية خلال القرنين الأخيرين قد انكسرت أو فشلت، فإن ذلك لا يعني سقوط الفكرة القومية، كما أن سقوط السلطنة العثمانية لا يعني انتهاء مشروع الإسلام السياسي، وسقوط [...]

نقطة البداية في إعادة إحياء التيار القومي اليوم

بعد الاحتلال البريطاني لمصر في العام 1882، في ظلّ ولاية "حافظ الحمى والديار في وجه الاستعمار" السلطان عبد الحميد الثاني، باتَ شَطْب الوعي القومي العروبي لمصر ضرورة استراتيجية كصمام أمان [...]

الاستهداف الغربي للفكرة القومية العربية منذ محمد علي باشا

شكل القوميون العرب تاريخياً التيار الأكثر تعرضاً للاستهداف المنهجي في العصر الحديث بالضبط لأنه التيار الذي يشكل تحقيق أهدافه، مثل الوحدة والتحرير والنهضة، انقلاباً جذرياً في بنيان [...]
2020 الصوت العربي الحر.