في الذكرى الثامنة لرحيله: قراءة في كتاب “حوار حول الأمة والقومية والوحدة” لناجي علوش

July 30th 2020 | كتبها

إبراهيم علوش – طلقة تنوير 68

“حوار حول الأمة والقومية والوحدة” هو أحد عناوين كتب المفكر والقيادي القومي العربي الراحل ناجي علوش (1935-2012)، وقد صدر ذلك الكتاب عن دار الطليعة في بيروت عام 1980، وكان قد صدر قبلها كأحد منشورات “حركة التحرير الشعبية العربية” (1978-1992)، التنظيم القومي اليساري العابر للأقطار العربية(1) الذي كان ناجي علوش مؤسسه وأمينه العام. ويمثل “حوار حول الأمة والقومية والوحدة” حلقة في سلسلة حوارات جرت بين نهاية عام 1978 وبداية عام 1979 نتجت عنها كتبٌ أخرى مثل “حوار حول قضايا الثورة العربية” و”تركيب الطبقات والصراع الطبقي في الوطن العربي”(2) مثّلت تعميقاً للخط القومي اليساري الذي تبنته “حركة التحرير الشعبية العربية”. وكانت تلك السلسلة تبدأ عادة بمحاضرة مرتجلة حول الموضوع رهن البحث من قِبَل ناجي علوش يليها حوارٌ مع كوادر من داخل الحركة، ومن خارجها أيضاً في بعض الأحيان. ولم تكشف أيٌ من تلك الكتب عن مكان انعقاد مثل تلك الحوارات الثرية.

كتاب “حوار حول الأمة والقومية والوحدة” كان من الكتب المفقودة من مكتبة ناجي علوش، وبالتالي لم يتم تحميله مع كتبه الأخرى المتوفرة على موقع “الصوت العربي الحر”، حتى لفت نظري صديق إلى أن مجموعة “المكتبة التقدمية” حمّلته مشكورةً على موقعها على وسائل التواصل الاجتماعي، وعليه يستطيع الآن أن يجده من يرغب على الرابط التالي:
http://www.freearabvoice.org/wp-content/uploads/2020/02/حوار-حول-الأمّة-والقوميّة-والوحدة-1.pdf

خطاب ناجي علوش السهل الممتنع عامةً، والسلس على تماسكه، بالكاد يخفي مدى تشعب القضايا النظرية وتعقيدها التي يعالجها كتاب “حوار حول الأمة والقومية والوحدة”، والأهم أنه كتاب ما يزال خطابه معاصراً بعد أربعين عاماً من نشره لأنه يتناول قضايا معاصرةً لم تفنها السنون والعقود، بل زادتها تأججاً واشتعالاً في ظل الهجمة الشعواء على الهوية القومية العربية ومكوناتها لا سيما في ظل ما يسمى “الربيع العربي” الذي أسفر عن انقضاضٍ عامٍ على كل ما هو عربي أو عروبي أو قومي التوجه.

قبل أربعين عاماً ونيف، بدأ ناجي علوش الصفحات الأولى من “حوار حول الأمة والقومية والوحدة” بسوق الأدلة التاريخية على قِدَم الأمة العربية الذي يبلغ عمرها آلاف الأعوام، ولعل أمةً بمثل تلك العراقة لا يفترض أن يحتاج وجودها إلى دليلٍ، لا سيما أن موجة التشكيك بالعروبة لم تكن قد كشفت إلا عن نزرٍ يسيرٍ من بشاعتها مع نهاية سبعينيات القرن العشرين، لكن ناجي علوش كان قد تلمّس خطورة تلك النزعة ومعالمها فراح يفككها رابطاً ما بين العروبة المعاصرة والعروبة القديمة السابقة للإسلام، لغوياً واصطلاحياً وتاريخياً وجغرافياً، مكرساً عروبة الآشوريين والبابليين والفنيقيين والمصريين القدامى والبربر، ولم تكن مشاريع “الشرق أوسطية” الساعية لتفكيك الهوية العربية ومنابعها إلى جذورٍ متباينة متخلية قد تجاوزت بضع نخبٍ منبتةٍ عن الواقع الشعبي العربي، أي لم تكن سردية التفكيك قد تحولت إلى تاريخٍ مزورٍ بأثرٍ رجعي بعد، ومع ذلك فإن ناجي علوش سعى لاستباقها بدحضٍ عقليٍ متزنٍ في المخاطبة وحيوي متدفق في المقاربة، مكرراً في الآن عينه، بسعة صدره المعهودة، أنه لا يقدم فتاوى نهائيةً بل يطرح قضايا للنقاش حول مفهوم الأمة، هي في الواقع من “المقدسات” لدى بعض المتمركسين والليبراليين والمستشرقين، وبالتالي فإن مجرد طرحها للنقاش هي قصة بحد ذاتها.

عند استعراض نظريات الأمة المختلفة يبدأ ناجي علوش بالتطرق للنظرية العرقية في الأمة، وأبرزها النظرية النازية المستندة لمقولة “الصفاء العرقي” الجوفاء، فيتجاوزها بسرعة لأنها نظرية غير علمية إذ لا توجد أمة صافية عرقياً، أو أمة استطاعت الابتعاد عن الاختلاط، ولا توجد أمة “نتاج عائلة فقبيلة واحدة ظلت صافية الدم، ثم تطورت وأصبحت أمة” (ص. 13). ونضيف هنا أنه لا يوجد مفكر قومي عربي رئيسي عدّ العرق أحد عوامل القومية، منذ العصر العباسي حتى القرن العشرين(3)، فليس صحيحاً البتة ما يزعمه بعض الإسلامويين واليساريين من أن القوميين العرب يستندون لمفاهيم عنصرية، فيما تنطبق مثل تلك التهمة على جماعة “القومية البيضاء” في الدول الغربية ومن ينحو منحاهم.

المدرسة الثانية في القومية التي تناولها ناجي علوش بالنقد هي المدرسة الجغرافية التي ترى الأرض أساس تكوين الأمم، والتي يُعد أنطون سعادة أبرز ممثليها في الوطن العربي، إذ بنى على أساسها نظريته في “الأمة السورية”. ويرى ناجي علوش أن الأرض أحد عوامل تكون الأمم، إذ أن أي أمة بحاجة إلى رقعة أرض تستقر عليها، ولكن الأرض لا تخلق الأمم بحد ذاتها، مع العلم أن الفصل جغرافياً بين البادية السورية-العراقية وشبه الجزيرة العربية غير علمي وغير واقعي، إذ بناه سعادة على “خط رمل” في الصحراء “لم نجده حتى الآن ولم نعرفه” (ص. 12).

يضيف ناجي علوش: “هناك أمم كالروس الذين تجاوزوا جبال الأورال شرقاً وغرباً، وجبال الأورال مانع طبيعي، وعاشوا على جانبيه. وهنالك الشعوب التي تعيش في الأراضي الواطئة: السويد – هولندا – الدنمارك إلخ.. وهي شعوب أيضاً مختلفة، وليست شعباً واحداً، وإن كانت الأرض وحدة جغرافية واحدة.. بالتالي الأرض لا تكوّن أمة، الأرض عامل من عوامل تكوين الأمة باعتبارها مكاناً، يعني باعتبارها مكاناً يعيش عليه الناس على بقعة واحدة من الأرض… فالأرض الواحدة يمكن أن تعيش عليها شعوبٌ مختلفة، وهي ليست عاملاً ينتج شعوباً. هي عاملٌ ضروريٌ لتكوين جماعة مستقرة من الناس، ولهذا السبب كانت الغزوات تتجاوز الحدود الطبيعية، وكانت تجعل أمة من الأمم تتمدد على حساب أمة أخرى، وتجعل أمة تتقلص جغرافياً” (ص: 13-14).

كذلك يقول ناجي علوش تأكيداً على هذه النقطة ضمن الوعاء الحضاري العربي الواحد من المغرب حتى البحرين: “لم يحدث أن قام حكمٌ في التاريخ ضمن حدود سورية الطبيعية فحسب. كل الذين حكموا سورية أو العراق كانوا يمدون سلطتهم إلى فلسطين والجزيرة العربية وسيناء ومصر والمغرب العربي” (ص: 52-53)، والعكس بالعكس أيضاً، “وعندما أقام الفاطميون دولةً في المغرب العربي امتدوا إلى مصر، ثم إلى سورية، ولم يستطيعوا أن يأخذوا العراق. والقرامطة الذين بدأوا من الأحساء والبحرين وصلوا دمشق، والقاهرة، ووصلوا مكة، ثم تراجعوا” (ص 53) إلخ…

آثرنا اقتباس هذا المقتطف المطول حول الأرض كعامل من عوامل تكوين الأمم لأنه يمثل رؤية مهمة في السجال مع المدرسة الجغرافية في القومية من جهة، ولأنه يثبّت أهمية الأرض كـ”وعاء جغرافي” لاستقرار الأمة فحسب، من دون أن يقلل ذلك من أهميتها كعامل، كما يفعل بعض الكتاب القوميين، ومن دون أن يمنحها قدسية خاصةً تميزها عن عوامل تشكل القومية الأخرى، ومع ذلك فإن ناجي علوش يرى بأن الوطن العربي يتمتع بحدود جغرافية طبيعية(4) لا تقلل ولا تزيد من وجودها ومن إمكانية اختراقها أو التمدد عليها من قِبل أمم أخرى، كما أنها لا تلغي وجود مناطق مثل الصومال وأرتيريا وجنوب السودان تمثل “مناطق اختلاط” بين العرب والأفارقة:

“إن للوطن العربي حدوداً جغرافية، وهذه الحدود الجغرافية “تميزها” فواصل طبيعية… لكن الذي يحدث في التاريخ يتجاوز في الكثير من الأحيان حتى الفواصل الطبيعية… ولذلك فهنالك حدود طبيعية للوطن العربي، وهناك حدود اختلاط. لقد تجاوزت الموجات البشرية الحدود الطبيعية، واختلطت مع شعوب وقبائل أخرى، لينشأ ما نراه في جنوب السودان من خليط لا يبدو واضح الملامح العربية وليس إفريقياً صرفاً. وهذا أيضاً واضحٌ في القرن الإفريقي، في أرتيريا والصومال. وفي الصومال هنالك قبائل عربية، تلمس أنها قبائل عربية. وهنالك إفريقيون متعربون، وهنالك خليط لا تستطيع أن تحدد هويته. وكذلك في أرتيريا” (ص. 50).

الحقيقة أن من يتوقف عن القراءة هنا ربما يظن خطأ أن “حوار حول الأمة والقومية والوحدة” هو كتاب حول نظريات القومية والأمة بعامةً، ولكنه في الحقيقة كتابٌ تركز كثيرٌ من صفحاته على مساجلة التيار اليساري المشكك بوجود أمة عربية، من خلال مناقشة أطروحة ستالين (1913) في تعريف الأمة التي تربطها بالعامل الاقتصادي أساساً، لا سيما قيام سوق مشتركة تؤسسها البرجوازية الصاعدة على كتف الثورة الصناعية، وهو ما خلق وهماً نظرياً لدى كثيرين بأن الأمم التي لم تدخل عصر الثورة الصناعية هي “أمم في طور التكوين” في أحسن الأحوال، ليصبح وجود الأمم حكراً على الأمم المتقدمة صناعياً، أما الأمم الراسخة في التاريخ مثل العرب والصينيين والفيتناميين والفرس واليونانيين، فإنها تُشطب تلقائياً من سجل الأمم بحسب هذه النظرية، وهو ما يمثل قصوراً مركزياً أوروبياً غربياً في قراءة تاريخ الأمم، كما يمثل نظرة اقتصادوية ضيقة لتاريخ العالم تربط نشوء الأمم حصرياً بنشوء الرأسمالية في أوروبا الغربية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، على الرغم من أن الأمم القديمة عرفت دولاً مركزية ومدناً كبرى وعواصمَ وحياةً اقتصاديةً مشتركةً (بسمات ما قبل رأسمالية) قبل دول أوروبا الغربية بأمدٍ طويل، وقد تجلى ذلك بأبهى صوره لدى العرب في العصر العباسي الأول، كما تجلى في العصر الأموي، وإلى حدٍ ما في العصر الفاطمي، وقبل الإسلام تجلى في دول البابليين والآشوريين والفراعنة وفي الشبكة التجارية الواسعة للفنيقيين، وكلهم عربٌ قدامى، كما أشار ناجي علوش.

بجميع الأحوال، من المهم وضع كتاب “الماركسية والمسألة القومية” لستالين في سياقه التاريخي المحدد الذي نُشر فيه، فقد كان كتاباً وضع بقرار حزبي بلشفي للرد على “البوند” (اتحاد العمال اليهود) أساساً، وعلى دعوتهم لتفكيك التمثيل الحزبي والعمالي في روسيا القيصرية على أساس “الحكم الذاتي الثقافي”، فقد كانت أطروحة ستالين موجهة بالأساس ضد مقولة “القومية اليهودية” ضمن أجندة حزبية ترتبط بظروف العمل السياسي البلشفي في روسيا في العقد الثاني من القرن العشرين، ولذلك فإن إسقاطها عشوائياً كنظرية “عالمية-تاريخية” حول نشوء الأمم يشكل نموذجاً للتفكير الميكانيكي غير المبدع الذي أدى بالاتحاد السوفياتي إلى الهاوية، أما تحويل نظرية وضعت لنفي وجود “القومية اليهودية” إلى “نظرية عامة” للتشكيك بوجود الأمة العربية فيشكل نوعاً من سخرية القدر، حتى لا نقول “مؤامرة صهيونية”! وللاطلاع على مراجعة نقدية مفصلة لكتاب ستالين “الماركسية والمسألة القومية” ودواعي وضعه والظروف التي ولد فيها، الرجاء الذهاب للعدد 23 من مجلة “طلقة تنوير”(5).

يضيف ناجي علوش على هذا الصعيد: “إن الذين يحاولون أن يحصروا الأمم في العصر البرجوازي يريدون أن يعطوها شكلاً محدداً فقط، وهو شكل يتنافى مع غنى التجربة التاريخية الطويلة. فهل هذه الظاهرة، أو هذه الصيرورة التاريخية، قابلة لأن تعكس، أي لأن تنحل، لأن تضمحل (كما جرى مع أمة الروم مثلاً)؟ إنه سؤالٌ جديرٌ بالإجابة. لقد شهد التاريخ ظهور أمم وبروز أمم. وشهد انحلال وسقوط أمم أخرى. ولم يعمل الباحثون على تحديد الأسباب التي أدت مثلاً إلى أن تنحل أمة وتتكون منها أممٌ جديدة… وتاريخ أوروبا شهد مثل هذه الحالة. إن الذين كانوا يتكلمون اللغة اللاتينية انبثقت منهم شعوبٌ متعددة أصل لغاتها لاتينية، ولكنها تكوّن أمماً حديثة كالإيطاليين والإسبان مثلاً” (ص. 78).

البعد الآخر الذي احتل موقعاً مهماً في كتاب “حوار حول الأمة والقومية والوحدة” هو العلاقة بين القومية والوحدة، فعدم وجود وحدة سياسية في أمة من الأمم، وتفكك منظومتها السياسية إلى دويلات وإقطاعيات وإمارات، لا يعني نفي حقيقة وجودها، كما أن تحقيق الوحدة السياسية لأمة ما لا يعني خلقها من العدم. لكن ناجي علوش أشار، في العام 1979، إلى أن هناك من يتحدث “عن العرب باعتبارهم شيعة وسنة مثلاً، باعتبارهم مسيحيين ومسلمين، وباعتبارهم موارنة وأرثوذكس. وهم يحاولون أن يخلطوا بين ما له علاقة بالقومية وما له علاقة بالدين، وذلك للتشويش. ذلك أن اختلاف المذاهب لا يمكن أن يكون مانعاً لوجود الأمم” (ص: 21-22).

من المهم، في هذا السياق، تحديد طبيعة علاقة الإسلام بالعروبة من وجهة نظر ناجي علوش، “لأن الأديان والمذاهب لم تكن في يومٍ من الأيام عاملاً من عوامل تكوين الأمة باعتبارها أدياناً أو مذاهب” (ص. 22)، لكنها تمارس تأثيرها الإيجابي أو السلبي على الأمة من خلال دورها الدنيوي في: أ – الثقافة القومية، و ب – الوحدة السياسية للأمة.

الثقافة القومية، إلى جانب اللغة المشتركة والتاريخ المشترك والرقعة الجغرافية المشتركة، من عوامل تكوين الأمة طبعاً، وهي تنشأ وتتبلور قبل الوحدة السياسية للأمة بأمدٍ طويل، لكن الأديان والمذاهب تؤثر في الثقافة القومية، فالكاثوليكية في القرون الوسطى كانت كابحاً لتبلور القوميات في أوروبا الغربية لأنها اتخذت طابعاً لاتينياً عابراً للقوميات في الصلوات وفي إصرارها على تحريم ترجمة الكتاب المقدس إلى اللغات المحلية، وفي تنظيمها الكنسي العابر للقوميات المدار من المركز في الفاتيكان، وفي جعل اللاتينية لغة اللاهوت والنخب والسياسة، فهي لم تُضِف للثقافات القومية في أوروبا شيئاً يذكر. كما أنها مثلت عائقاً كبيراً أمام الوحدة السياسية للأمم الأوروبية الغربية بتحالفها مع الإقطاعيات والإمارات، وبالغطاء “المقدس” الذي أضفته على منظومة التفكك الإقطاعي (ص: 37-38).

“بينما نزل القرآن بالعربية، وجاء في كثيرٍ من آياته أنه قرآنٌ عربي… وإذا كان القرآن عربياً، فتفسير القرآن لا بد أن يكون باللغة العربية أيضاً، وقد أدى ذلك إلى ارتباط كل التراث الإسلامي باللغة العربية وبالثقافة العربية، وأدى ذلك إلى أن تخرج ملايين الكتب باللغة العربية، وإلى أن يتعلم الكثير من المسلمين من غير العرب اللغة العربية، لأن هذه هي الوسيلة الوحيدة لفهم الدين الإسلامي، ولمعرفة الثقافة الإسلامية. بالتالي نستطيع أن نقول إن الإسلام أغنى الثقافة العربية إغناءً لم يفعله أي دين مع أية ثقافة أخرى” (ص. 38).

لكن هل يعني ذلك أن الإسلام هو أحد عوامل تشكل الأمة العربية؟ يرد ناجي علوش بالنفي طبعاً، مؤكداً على أن الإسلام عابرٌ للقوميات، فهو لكل المسلمين عرباً وغير عرب، فلا رجال الدين يعدونه ولا التحليل العلمي يعد الإسلام عاملاً من عوامل تشكل الأمة العربية، ونضيف أن عوامل تشكل الأمة العربية، مثل اللغة والتاريخ والرقعة الجغرافية المشتركة، تكونت قبل الإسلام، وتطورت معه، والأديان بعامةٍ رسالةٌ للعالمين، كذلك المسيحية وغيرها عابرة للقوميات، وجرياً على ما جاء به ناجي علوش حول العروبة والإسلام يمكن القول أيضاً إن المسيحية أثرت تأثيراً عميقاً في الثقافة الغربية، مباشرةً أو في الردة العلمانية أو الإلحادية عليها، ولكن لا يمكن القول إن المسيحية هي أحد عوامل تشكل القومية الألمانية أو الفرنسية أو غيرها، على الرغم من أن جماعة “العنصرية البيضاء” في الغرب يعدون المسيحية، إلى جانب العرق، من عوامل تشكل الأمم…

كذلك يشير ناجي علوش إلى أنه ليس من الممكن تجاوز دور الدين الإسلامي “في تحقيق نوع من التوحيد السياسي للعرب في مراحل تاريخية معينة، وخاصةً بعد الفتوح مباشرة، وقبل أن تتطور الصراعات المذهبية، لتصبح من عوامل تفتيت الأمة، بعد أن كان الإسلام عاملاً، أو لنقل أحد المؤثرات، في تحقيق الوحدة السياسية للأمة” (ص: 38-39). وهذا الكلام مهمٌ، وجريء، عندما يأتي من قومي يساري يساجل ماركسيين لا يؤمنون بالحل القومي.

نكرر هنا أن تحقق الوحدة السياسية أو عدم تحققها ليس من عوامل تكون الأمة، فالوحدة السياسية تمثل التعبير القانوني للأمة، ولكن انحلالها، بفعل تأثيرات التنازع الداخلي (كما في حالة الصراعات المذهبية ونزعات الانفصال) أو الاحتلال الخارجي (كما في حالة سايكس-بيكو)، لا يعني أن الأمة تتوقف عن الوجود، فوحدة ألمانيا السياسية عام 1870 لا تعني أن الأمة الألمانية خلقت من العدم في ذلك العام، وتفكك ألمانيا إلى دولتين وفقدان أجزاء كبيرة من أرضها بعد الحرب العالمية الثانية لا يعني أن الأمة الألمانية توقفت عن الوجود. كذلك فإن الوحدة، بحسب ناجي علوش، ضرورية لبناء السوق، ولتطوير المعالم الثقافية والحضارية للحياة العربية، فهي رافعة لتعزيز وجود الأمة وحضورها وارتقائها، ولكن الوحدة ذاتها تستند إلى حقيقة الوجود القومي وإلا فإنها تتحول إلى شكل إمبراطوري للحكم يعوزه الاستقرار لأن يتضمن سيطرة أمة على أخرى.

جدلية الوحدة والتجزئة، ولماذا تحقق بعض الأمم وحدتها السياسية وتتأخر أو تعجز أممٌ أخرى عن تحقيقها، كان من المواضيع التي احتلت صفحاتٍ عديدة في “حوار حول الأمة والقومية والوحدة”، ولن نتوسع في هذا الجانب هنا، لا سيما أن ناجي علوش بلور أطروحاته في هذا السياق بصورة أكثر تفصيلاً وتعمقاً في كتابه “الوحدة العربية: المشكلات والعوائق” (1991) الذي راجعناه في عددي مجلة “طلقة تنوير” رقم 20 ورقم 21، تحت عنوان “المقولة الوحدوية عند ناجي علوش”(6).

لكن ما يتوجب التركيز عليه في سياق مناقشة جدلية الوحدة والتجزئة في “حوار حول الأمة والقومية والوحدة” هو أن ناجي علوش ربطها بتفاعل العاملين القومي والطبقي من زاوية الطبقات الاجتماعية صاحبة المصلحة في قيامها أو منع قيامها في السياق التاريخي عموماً، وفي السياق العربي خصوصاً، ليخلص كقومي يساري إلى أن عدم وجود قاطرة برجوازية صناعية تنهض بالمشروع الوحدوي في الوطن العربي في نهاية القرن العشرين أسوة بالبرجوازيات الصناعية الأوروبية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر جعل من الوحدة العربية مشروع الطبقات الشعبية العربية التي آلت إليها مسؤولية النهوض بهذا المشروع التاريخي الذي يمثل المعبر الوحيد لتحقيق المشروع النهضوي العربي.

المشروع الوحدوي على هذا الصعيد، من وجهة نظر ناجي علوش، هو في الآن عينه صراعٌ طبقي ضد قوى التجزئة المتمثلة بالإمبريالية والصهيونية وأدواتها الرجعية في المجتمع العربي، فمن يقف في وجه الوحدة هو العدو القومي بصفته السياسية، وهو ذاته العدو الطبقي بصفته الاقتصادية-الاجتماعية، وأصحاب المصلحة الأساسيون في الحفاظ على منظومة التجزئة وتعميقها وإعادة إنتاجها هم ذاتهم الأعداء الطبقيون، والتفتت، والمزيد من التفتت، هو الذي يؤسس للمزيد من الارتباط الاقتصادي والسياسي بالمراكز الإمبريالية، أي أن التفتت هو رافعة التبعية. وما ينطبق على الوطن العربي على هذا الصعيد ينطبق أيضاً على الكثير من حركات التحرر القومي في جنوب الكرة الأرضية وشرقها. فبعيداً عن اعتبار المشروع القومي “تنظيراً فوق الطبقات”، كما يرى بعض الماركسيين، فإنه الشكل الذي يتخذه الصراع الطبقي في ظروف مواجهة الإمبريالية.

كتاب “حوار حول الأمة والقومية والوحدة” يحفل بعشرات الأفكار والملاحظات النفاذة التي لا يمكن أن تتم تغطيتها في مقالة واحدة، ولا تزعم هذه المقالة ذلك، ومن تلك الملاحظات مثلاً نقد المؤرخين المحدثين العرب لأنهم اعتمدوا بشكلٍ شبه حصري على المراجع الأجنبية، من دون العودة للمراجع العربية التراثية الأساسية التي يسند ناجي علوش الكثير من أفكاره بها، ولكن لننتبه إلى أين يصل المنظّر القومي اليساري، الذي يقف على أرضية التراث العربي بثبات ليستكشف الأفق التقدمي للأمة العربية، منحازاً بالضرورة للطبقات الشعبية العربية، ورافضاً التبعية العمياء للتقليد اليساري الأوروبي: “لأن المؤرخين المحدثين العرب اعتمدوا على المراجع الأجنبية، ولم يعتمدوا على المراجع العربية الأساسية في معظم الأحيان، ما زال يُدرس حتى الآن الأسلوب الآسيوي في الإنتاج (نمط الإنتاج الآسيوي)، ولا يُدرس الأسلوب العربي في الإنتاج أو الأسلوب العربي الإسلامي في الإنتاج، وتأثيره في الأسلوب الآسيوي. مع أنني أعتقد أن هذا الأسلوب العربي الإسلامي أسلوب متميز له خصائصه وله سماته، وأن هذا الأسلوب من أكثر الأساليب تطوراً، إذا أردنا أن ندرس الأساليب الآسيوية في الإنتاج” (ص. 32)، ثم يضيف: “لو عدنا إلى التراث العربي الآن، لوجدنا عدداً كبيراً من الكتب عن الحسبة والخراج وغير ذلك من الشؤون الاقتصادية والسياسية. ولكن المثقفين العرب لا يقرأونها حالياً مع الأسف الشديد” (ص. 69).

ملاحظة أخرى نسوقها برسم من يتبنون المشروع “الوطني الديموقراطي” في كل قُطر عربي على حدة: “الآن نأتي إلى العمل “القُطري”. إن العمل القُطري يتنافى مع الحل الصحيح للمسألة القومية. ونحن عندما نفكر أن هناك حلاً تونسياً، وحلاً جزائرياً إلخ.. فهذا يتنافى مع وحدة الصراع ضد الإمبريالية، ويتنافى مع إيجاد الشروط الضرورية لنمو اقتصادي عربي سليم ينهي التخلف وينجز الاستقلال والتطور الحقيقي” (ص: 55-56).

==============

الهوامش:
(1) للمزيد حول “حركة التحرير الشعبية العربية”، يمكن الذهاب لمادة “حركة التحرير الشعبية العربية (1978-1992): إضاءة سريعة” في العدد 63 من مجلة “طلقة تنوير” (ص 14-19) على الرابط التالي:
http://www.freearabvoice.org/?p=6051

(2) يمكن إيجاد هذه الكتب على الرابط التالي:
http://www.freearabvoice.org/?cat=14

(3) انظر كتاب “أسس الفكر القومي العربي” (2013)، د. إبراهيم علوش.
(4) انظر كتاب “الوطن العربي: الجغرافيا الطبيعية والبشرية” (1986)، ناجي علوش، ويمكن إيجاده على الرابط التالي:
http://www.freearabvoice.org/?p=4811

(5) انظر مادة “قراءة في كتاب الماركسية والمسألة القومية لستالين” في العدد 23 من مجلة “طلقة تنوير” (ص 5) على الرابط التالي:
http://www.freearabvoice.org/?p=4418

(6) انظر مادة “المقولة الوحدوية عند ناجي علوش” في عددي مجلة “طلقة تنوير” رقم 20 و21 على الرابطين التاليين:
http://www.freearabvoice.org/?p=4330
http://www.freearabvoice.org/?p=4369

للمشاركة على فيسبوك:

https://www.facebook.com/photo.php?fbid=340579274010832&set=a.108373647231397&type=3&theater

الموضوعات المرتبطة

هل المشكلة في اللغة العربية؟

إبراهيم علوش كيف يمكن للغة نُسِجت من لُبُناتها في القرون الوسطى علومٌ صرفة وتطبيقية في حقول الطب والهندسة والرياضيات والفيزياء والفلك والكيمياء والموسيقى، ناهيك عما صيغ من مفرداتها في [...]

هل كان مؤسسو الحركة القومية العربية الأوائل من العرب المسيحيين؟

ناجي علوش* تتعرض الأمة العربية لعمليات احتلال وتفتيت واستنزاف سياسي وعسكري. وهذا واضح لكل من يرى ويعقِل. ولكنها أيضاً تتعرض لعملية "غسل دماغ" منظّمة. وتعرف الأطراف المعادية أن العملية الأولى [...]

نحو قراءة جديدة في “فلسفة الثورة” لجمال عبد الناصر

إبراهيم علوش هو تمرين في السهل الممتنع، قد يبدو للوهلة الأولى كأنه مجموعة خواطر عامة فحسب لا تتمتع بالمضمون الصلب والملموس الذي قد تجده في "الميثاق" مثلاً. وهو كتابٌ يشكّل علامة فارقة في [...]

طلقة تنوير70: المجلة الثقافية للائحة القومي العربي… عدد 1 تموز 2020

طلقة تنوير70: المجلة الثقافية للائحة القومي العربي... عدد 1 تموز 2020   محتويات العدد: حرب على العروبة على جبهات الماضي والحاضر والمستقبل   ما بعد الحصار الاقتصادي: الشق المنحدر من قوس [...]
2020 الصوت العربي الحر.