حول الإرث السياسي لإدوارد سعيد

September 29th 2020 | كتبها

د. إبراهيم علوش

كان غريباً مزيج الشخصيات الذي اندفع في وسائل الإعلام لرثاء إدوارد سعيد ، من المستعمر الصهيوني الكاتب إسرائيل شامير إلى بعض رؤساء الدول والحكومات. وقد ترددت قبل كتابة السطور التالية لكي لا أجرح مشاعر المتأثرين بموت إدوارد سعيد. ولكن بعد قراءة بعض المقالات التي ترثيه لتضعَ حوله هالة مزعومة من القداسة الوطنية أصبح الخوف الأكبر هو استثمار العاطفة الإنسانية النبيلة في إقرار الخط السياسي لإدوارد سعيد الذي كان عامةً انهزامياً ومتساقطاً.

وقد لا يكون الوقت الحالي هو الأفضل حسب تقاليدنا لكشف سعيد سياسياً، ولكن على سبيل الضرورة السياسية أذكر بما يلي:

أنه كان فعالاً في بناء العلاقات بين منظمة التحرير الفلسطينية وحكومة الولايات المتحدة في نهاية السبعينات وفي الدعوة لحل يتم عن طريقها، ولم يندفع لانتقاد عرفات إلا بعد أن استبعده الأخير من شبكة الاتصالات السرية والعلنية مع الطرف الأمريكي-الصهيوني.

أنه دافع بشكل منهجي عن فكرة التعايش مع الصهاينة، وعمل مع من اعتبرهم “إسرائيليين تقدميين” من أجل تطبيع العلاقات بينهم وبين الفلسطينيين، وكان من ذلك حفلات موسيقية مشتركة مثلاً، ووصف نفسه في إحدى مقابلاته مع الصحف الصهيونية بأنه “أخر مثقف يهودي”.

أنه كان معادياً بشدة للتيارات العروبية والإسلامية، خاصة تلك التي لا تساوم مع أمريكا والصهيونية، وفي عام 98، بينما كانت القنابل تسقط على بغداد، كتب داعياً العراق إلى تطبيق قرارات مجلس الأمن.

أنه تبنى ما يسمى بأسطورة “المحرقة” اليهودية وروج لها بين الفلسطينيين والعرب باعتبارها موضوعة ضرورية (تبرر الاستيطان اليهودي في فلسطين) من موضوعات ما اسماه “النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي” وكان من أول المروجين لهذا المصطلح المشبوه.

أنه أدان العمل العسكري بشكل عام، خاصة العمليات الاستشهادية، بشدة وبشكل منهجي.

أنه روج بشكل فعال لأطروحة الدولة ثنائية القومية (الدولة الواحدة) التي تقوم على الاعتراف بحق “الشعب” اليهودي في تقرير المصير في “إسرائيل” حسب عزمي بشارة والتي تقوم على شطب الهوية الحضارية العربية لفلسطين. فثنائية القومية تقف على طرفي نقيض من عروبة فلسطين، وهي أخطر من أطروحة الدولة الفلسطينية في الضفة وغزة أو على أجزاء منهما التي تروج لها بعض الأطراف، لأن فكرة الدويلة تقوم على الاعتراف بالأمر الواقع السياسي، أي أنها فكرة استسلامية، أما فكرة ثنائية القومية فتقدم المسوغ الأيديولوجي لحق الاستيطان اليهودي في فلسطين، أي لوجود “إسرائيل” ولنفي عروبة فلسطين، أي أنها فكرة متساقطة، فليس غريباً أن يتبنى أنصارها أيضاً التتمة المنطقية لها وهي فكرة “المحرقة” اليهودية.

ومن هنا، فإن على كل المتحمسين لإدوارد سعيد بحجة أنه أثار قضية فلسطين في الفكر الغربي أن يتساءلوا: كيف طرح إدوارد سعيد قضية فلسطين؟ بطريقة تخدم هذه القضية أم بطريقة تصفيها؟ فأعضاء مجلس الحكم الانتقالي في العراق مثلاً يطرحون قضية احتلال العراق أيضاً، ولكن بالتأكيد ليس بطريقة تخدم تلك القضية من وجهة نظرنا!

هذا على صعيد الموقف السياسي، أما على الصعيد الفكري، فيقول صديقي الكاتب محمد أبو النصر، واقتطف هنا من رسالة سابقة له:

إن أفكار إدوارد سعيد حول “الاستشراق” كانت ذات مضامين ثورية، بالتحديد من حيث اعتبار العنصرية الموروثة وعملية التنميط التي يتسم بها موقف العالم الإمبريالي من الغير، لا نتيجة للجهل، بل نتيجة المصالح الراسخة للقوى المهيمنة فيه.

ويضيف محمد أبو النصر أن سعيد عاد بعد ذلك ليقول أن طريقة التعامل مع هذه العنصرية والنظرة الثنائية للعالم التي يتبناها الاستشراق تكمن في التعليم والحوار، وكأن المؤسسات التعليمية في الغرب ليست جزءاً لا يتجزأ من للمصالح الراسخة للقوى المهيمنة، وكأن هذه القوى المهيمنة لا تعرف ما الذي تفعله، وهو ما يتناقض مع استنتاج سعيد عنها أصلاً.

وقد يقول قائل أن طريقة سعيد هذه، التي تقوم على التعليم ومحاورة الطرف الأمريكي-الصهيوني عوضاً عن مواجهته، تنسجم مع الخط الإصلاحي في العمل السياسي، المختلف عن الخط الثوري بالضرورة، ولكن إذا جمعناها مع المواقف السياسية الواردة أعلاه، فإن النتيجة تصبح اختراقاً أيديولوجياً للعقل السياسي العربي وليس العكس.

وأقول قولي هذا حول الخط السياسي لسعيد لأن الخط السياسي ليس مسألة شخصية أو إنسانية، مع التعازي لعائلة سعيد وأصدقائه.

(نشرت في شهر تشرين أول/ أوكتوبر 2003)

للمشاركة على فيسبوك:

حول الإرث السياسي لإدوارد سعيد د. إبراهيم علوش كان غريباً مزيج الشخصيات الذي اندفع في وسائل الإعلام لرثاء إدوارد…

Geplaatst door ‎إبراهيم علوش‎ op Dinsdag 29 september 2020

الموضوعات المرتبطة

معادلتان قد تساعدان على فهم سبب ارتفاع الأسعار والدولار في الدول المحاصرة.. سورية أنموذجاً

  بالنسبة لمن يعيشون في بلدانٍ مزقتها الحرب، ثم حوصرت بعقوباتٍ خانقة، فإن ارتفاع الأسعار وتدهور قيمة العملة المحلية يصبح موضوعاً عاطفياً جداً يمس صميم حياتهم وحياة عائلاتهم، مع أن مثل [...]

هل حدث انهيار سياسي في لبنان في موضوع ترسيم الحدود البحرية مع الكيان الصهيوني؟

ثمة من يعادي المقاومة عموماً، والمقاومة في لبنان خصوصاً، مهما فعلت (ولو ضوت العشرة!)، ممن راح يزايد أن المقاومة في لبنان انهارت ووافقت على الاعتراف بالكيان الصهيوني بموافقتها على مفاوضات [...]

عن أي “دويلة فلسطينية” تتحدثون؟!

  في عام 2002، طرح الحاخام بنيامين إيلون خطته لـ"السلام" التي تقوم على تجنيس الفلسطينيين في الضفة الغربية بالجنسية الأردنية، مع السماح لهم بالبقاء كـ"مقيمين"، طالما لا يهددون "الأمن" [...]

حول اجتماع الأمناء العامين للفصائل الفلسطينية: كيف نناهض التطبيع مع مطبعين؟ وكيف نقاوم بمعية دعاة تسوية مع العدو الصهيوني؟

لعل أحد أكبر مآسي القضية الفلسطينية أن الاحتلال الصهيوني ورعاته الغربيين لم يسرقوا الأرض ويشردوا الشعب ويفرضوا وصمة الإرهاب على المقاومين فحسب، بل أنهم تمكنوا من اختراق الأطر ومفردات [...]
2020 الصوت العربي الحر.