التطبيع الرسمي أردنياً وفلسطينياً: قراءة في مقدمات الاتفاقات “الإبراهيمية” – ج1

July 7th 2022 | كتبها

إبراهيم علوش – الميادين نت 17/5/2022

يتيح مرور عقود على توقيع المعاهدات والاتفاقات مع العدو الصهـ.ـيوني سجلاً زمنياً طويلاً نسبياً لتقييم أثرها ومسارها وصيرورتها، بدءاً من اتفاقات كامب ديفيد التي وقعت عام 1978، ومعاهدة السلام المصرية-“الإسرائيلية” التي وقعت عام 1979، ودخلت حيز التنفيذ عام 1980، حتى معاهدة وادي عربة، أو معاهدة السلام الأردنية-“الإسرائيلية”، التي وقعت في 1994، والتي سبقها “إعلان واشنطن” قبلها بثلاثة أشهر بالضبط، والذي نص على إنهاء حالة العداء والبدء بمفاوضات لتوقيع معاهدة بين الأردن والكيان الصهـ.ـيوني.

سبقت معاهدة وادي عربة عام 1994 اتفاقية أوسلو التي وقعت عام 1993، وتأسست بناءً عليه قانونياً “السلطة الفلسطينية” عام 1994، وقد تبع اتفاق أوسلو اتفاقات عديدة مثل اتفاق أوسلو-2 (يسمى أيضاً اتفاق طابا) عام 1995، الذي قسم الضفة الغربية إلى المناطق “أ”، “ب”، و”ج”.

وكان اتفاق أوسلو-2 قد جاء تتويجاً لاتفاق “غزة-أريحا” عام 1994 الذي قضى بانسحاب “إسرائيلي” جزئي من أريحا وغزة لتأسيس السلطة الفلسطينية، وما يسمى “برتوكول باريس” لعام 1994 أيضاً الذي “نظم” علاقة السلطة الفلسطينية اقتصادياً بالكيان الصهـ.ـيوني، وكلاهما (اتفاق غزة-أريحا، وبرتوكول باريس) أصبح جزءاً من اتفاق أوسع هو أوسلو-2.

ثم جاء اتفاق الخليل عام 1997 الذي أعطى الاحتلال الصهـ.ـيوني 20% من مدينة الخليل H2.  ثم جاء اتفاق “واي ريفر” عام 1998 الذي كرس مؤسسة التنسيق الأمني رسمياً مع “إسرائيل” والولايات الولايات المتحدة الأمريكية، كما كرس دور “السلطة الفلسطينية” في محاربة “الإرهاب” ضد العدو الصهـ.ـيوني.  ثم جاء “اتفاق واي ريفر الثاني” عام 1999 الذي فسر بعض نقاط اتفاق “واي ريفر” الأول، ويسمى أيضاً اتفاق شرم الشيخ، وكان الاتفاق الأول مع نتنياهو والثاني مع أيهــود باراك، وبعده جاء اتفاق تنظيم المعابر (معابر السلطة الفلسطينية) لعام 2005.

يضاف إلى تلك الحزمة من الاتفاقات المتناسلة البيانات المشتركة (كما في أنابوليس عام 2007)، وسلسلة اللقاءات التفاوضية مثل كامب ديفيد عام 2000، و”خريطة السلام” عام 2002، و36 جلسة تفاوضية بين محمود عباس وإيهــود أولمرت بين عامي 2007 و2009، والمفاوضات المباشرة عام 2010 تحت وعد من إدارة أوباما بإيجاد “دويلة فلسطينية” خلال عام واحد، ومن ثم محادثات تسيبي ليفني وصائب عريقات في 2013-2014، إلخ…

ولا يشمل ما سبق عشرات المبادرات الموازية لـ”السلام”، مثل اتفاقية جنيف غير الرسمية بين ياسر عبدربه ويوسي بيلين عام 2003 لتأسيس “سلام دائم”، وخطة الحاخام بنيامين إيلون للسلام التي جرى طرحها والترويج لها بين 2002 و2008، والتي تقوم على تجنيس الفلسطينيين في الضفة الغربية بالجنسية الأردنية والسماح لهم بالبقاء كضيوف في الضفة الغربية بعد ضمها لـ”إسرائيل”، وخطة “إسرائيل ثنائية القومية” التي طرحها إدوار سعيد ابتداءً، وتبناها عزمي بشارة وروجها بقوة… إلخ.

كل ما سبق مهمٌ لأن كثرة العناوين والمبادرات والجلسات التفاوضية وامتدادها عبر عقود، هو أمر مثير للاهتمام بمقدار ما هو مثير للملل، لأنه يقول الكثير عن انعدام جدوى تلك الاتفاقات والمفاوضات، لا سيما في ضوء ما تمخضت عنه على الأرض من تزايدٍ للاستيطان وتغولٍ لمشروع التهـ.ـويد وتطرفٍ متصاعدٍ في المشهد السياسي “الإسرائيلي” وضلالة الحالمين في “حل سياسي للصراع”.

 

معاهدة كامب ديفيد: الخطيئة الأصلية في السياسة العربية

 

كذلك فإن تسلسل الاتفاقات والمعاهدات زمنياً مهمٌ جداً، لأنه يدخلنا في الأبعاد الإقليمية للتطبيع مع العدو الصهـ.ـيوني.  فمعاهدة السلام المصرية-“الإسرائيلية” عام 1979 أخرجت مصر من حلبة الصراع العربي-الصهـ.ـيوني، لا سيما أن المادة السادسة من تلك المعاهدة تنص حرفياً على أن الأحكام الواردة فيها تُعَد ملزمة ونافذة في حال تعارضها مع أي التزامات أخرى (مثل معاهدة الدفاع العربي المشترك لعام 1950 مثلاً؟!)، وهو ما أسهم في تحجيم دور مصر الإقليمي فعلياً باعتبارها الشقيق العربي الكبير، وأكبر الدول العربية المحيطة بفلسطين، وهو ما يعني موضوعياً فتح الباب للتمدد “الإسرائيلي” إقليمياً، وكان من عواقب ذلك غزو لبنان واحتلاله عام 1982.

بعد معاهدة السلام مع مصر وقرار الجامعة العربية مقاطعتها ونقل مقر الجامعة العربية من مصر إلى تونس، راح النظام الرسمي العربي يدخل أكثر فأكثر في صيرورة اختلال التوازن والتفسخ والصراعات الداخلية، وكان ذلك كله نتيجة طبيعية لتحييد مصر سياسياً من قبل العدو الصهـ.ـيوني، وتوهمها أنها يمكن أن تقتنص السلام والازدهار في مصر بمفردها إذا نأت بنفسها عما يجري في محيطها.

العبرة هنا أن تقسيم الوطن العربي إلى دولٍ وسياساتٍ قُطريةٍ متنابذة ليس تاريخاً قديماً أو مشكلة عقائدية يتداولها القوميون العرب فحسب، بل تحمل تجزئة الوطن العربي دلالاتٍ جغرافيةً-سياسيةً عميقةً وراهنةً، وبالتالي، فإن إزالة عامود مركزي، مثل مصر، من معادلة الصراع كان يفترض أن يؤدي لانهيار الأقطار الأخرى كأحجار الدومينو، لولا المقـ.ـاومة والرفض في الشارع العربي والفلسطيني من جهة، وحالة الصمود والتصدي التي نشأت على الصعيد الرسمي العربي في مواجهة مشروع كامب ديفيد من جهة أخرى.  وقد ثبت، بعد عقودٍ من التجربة، أن هذا ليس خطاباً ديماغوجياً أو “لغة خشبية”، كما يهذر البعض، بل أنه يشكل قيمة جغرافية-سياسية ملموسة كحائط صد أعاق الانجراف والانهيار في الوضع العربي على مدى عقود، وإن كان العدو قد انتقل سياسياً إلى حالة الهجوم.

بعد التجربة المصرية في السلام مع العدو الصهـ.ـيوني، برزت عقدة “السلام الشامل” مقابل “السلام المنفرد”، التي أعاقت المشروع الأمريكي للإسراع قدماً في فرض مسلسل المعاهدات والتطبيع على الصعيد الرسمي العربي، على الرغم من سعي المحور الخليجي لفرض مبادرة الأمير فهد في القمة العربية في فاس في تشرين ثاني عام 1981، والتي رفضتها سورية آنذاك وأفشلتها (عن وجه حق، وإدراك ووعي تامّين لما تعنيه من تجريفٍ للوضع العربي وإلحاقٍ له بصيرورة كامب ديفيد من خلال الاعتراف الرسمي العربي جماعياً بحق الكيان الصهـ.ـيوني بالوجود، على أساس مبدئي على الأقل).

وبعد العدوان الصهـ.ـيوني على لبنان عام 1982 وعقابيله، انعقدت قمة عربية استثنائية في فاس مجدداً في أيلول 1982، أقرت فيها مبادرة الأمير فهد رسمياً، والتي أصبحت تعرف بعدها بمقررات قمة فاس 1982، وهي تعادل، بالنسبة للجامعة العربية، برنامج “النقاط العشر” بالنسبة لمنظـ.ـمة التـ.ـحرير الفلسـ.ـطينية، كما سيأتي.

المدخل الفلسطيني لتعميم مشروع كامب ديفيد عربياً

كانت العقدة المركزية في الإصرار على “السلام المنفرد” هي القضية الفلسطينية والمسؤولية العربية إزاءها، مع أن القصة ليست قصة مسؤولية إزاء القضية الفلسطينية بمقدار ما هي قصة مسؤولية إزاء الذات في مواجهة خطر المشروع الصهـ.ـيوني على المنطقة برمتها، ولنا عودة إلى تلك النقطة، ولكن كان لا بد من “فرط” العقدة المركزية، المتمثلة بالموقف الرسمي الفلسطيني، أي موقف منظـ.ـمة التـ.ـحرير الفلسـ.ـطينية، من أجل تعميم مشروع كامب ديفيد على كل الأقطار العربية، وصولاً إلى الاتفاقيات المسماة “إبراهيمية”.

كان يوجد داخل منظـ.ـمة التـ.ـحرير الفلسـ.ـطينية، منذ بداية السبعينيات (وبعض الكتاب والمعاصرين لتلك المرحلة يقولون إنه وجد منذ نهاية الستينيات)، تيارٌ يرى ضرورة التفاهم مع “إسرائيل” والإدارة الأمريكية لتأسيس “دولة فلسطينية” في حدود الـ67.  أبرز رموز ذلك التيار في ذلك الوقت كانوا ياسـ.ـر عرفـ.ـات ومن حوله في قيادة المنظمة والجبـ.ـهة الديمـ.ـوقراطية لتـ.ـحرير فلسطين.

جاء الانقلاب الرسمي في موقف منظـ.ـمة التـ.ـحرير الفلسـ.ـطينية في المجلس الوطني الفلسطيني في القاهرة عام 1974 الذي أقر ما يسمى بـ”برنامج النقاط العشر”، والذي مثّل نقطة التحول الجوهرية من برنامج التحرير إلى برنامج تأسيس “سلطة وطنية فلسطينية على أي جزء يتم تحريره من فلسطين”.  ومنذ ذلك الوقت، بدأ الانجراف الرسمي الفلسطيني باتجاه تأسيس الدويلة مع التخلي تدريجياً عن الشروط والضوابط التي وضعت لها، فالمهم هو تثبيت “المبدأ”، وبعد ذلك تتم زحزحة الشروط والضوابط تدريجياً بفعل عوامل النحت والتعرية السياسية، وكانت تلك هي الرحلة التسووية التي قادت قيادة منظـ.ـمة التـ.ـحرير الفلسـ.ـطينية إلى أوسلو وما تلاها.

جرت المصادقة فوراً على هذا التوجه التسووي في مقررات القمة العربية المنعقدة في الرباط عام 1974: “إن قادة الدول العربية يؤكدون حق الشعب الفسطيني في إقامة سلطة وطنية مستقلة بقيادة منظـ.ـمة التـ.ـحرير الفلسـ.ـطينية بصفتها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني على كل أرض يتم تحريرها”، والعبرة تكمن في تمرير خطاب “سلطة وطنية فلسطينية على كل أرض..”.

للتاريخ، لم يصوت إلا ثلاثة أعضاء في المجلس الوطني الفلسطيني عام 1974 ضد برنامج النقاط العشر أحدهم ناجي علوش (أبو إبراهيم)، والثاني محمد داوود عودة (أبو داوود)، والثالث سعيد حمامي (الذي عدّه متشدداً أكثر من اللزوم لأنه ربطه آنذاك بشروط صعبة!).

شكلت مفاوضات جنيف بعد حرب أوكتوبر عام 1973، واعتقاد قيادة منظمة التحرير بأنها “على وشك” أن تتمخض عن “دويلة فلسطينية” بموافقة أمريكية-“إسرائيلية”، خلفية الانجراف الرسمي الفلسطيني نحو وهم المشروع التسووي.

لكنّ صيرورة مشروع كامب ديفيد هي الصلح المنفرد، وبالتالي نشأت مشكلة “الصلح المنفرد” مقابل “السلام الشامل”، فكان لا بد من تذليل تلك العقبة بإقامة صلح منفرد مع منظمة التحرير ذاتها لنزع الذريعة من يد رافضي “الصلح المنفرد”.

كان ذلك يتطلب “إعادة تأهيل” منظـ.ـمة التـ.ـحرير الفلسـ.ـطينية ذاتها بما يتوافق مع متطلبات الطرف الأمريكي-الصهـ.ـيوني.  وقد أدت حرب لبنان عام 82، فيما أدت إليه، إلى إخراج منظـ.ـمة التـ.ـحرير الفلسـ.ـطينية من لبنان.   وفي السنوات التي تلت أشرفت قيادة منظـ.ـمة التـ.ـحرير الفلسـ.ـطينية على ورشة كبرى لإعادة صياغة العقل السياسي الفلسطيني باتجاه القبول بدولة في حدود الـ67 وصولاً إلى “إعلان استقلال” وهمي في المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر عام 1988، تم الاحتفاء به كثيراً، كان من صاغه الشاعر محمود درويش، وقد وافقت عليه كل التنظيمات المنضوية في منظـ.ـمة التـ.ـحرير وقتها.

جاء الوصول إلى اتفاقية أوسلو بعدها عام 1993 تحصيلاً حاصلاً لتراكمات النهج التسووي، لأن البحث عن دويلة وعن “السلام” و”الازدهار” بالتفاهم مع “إسرائيل” والإدارة الأمريكية، بعيداً عن “الشعارات الفارغة”، وعن العرب “الذين تخلوا عنا”، كما شاع في الخطاب السياسي الفلسطيني آنذاك، هو المعنى الحقيقي لشعار “يا وحدنا” الذي رفعه ياسـ.ـر عرفـ.ـات، كما أنه ما يزال المآل الحقيقي لكل من يرفع شعار “يا وحدنا” في أي قُطر عربي: التفاهم مع “إسرائيل”.. فالحس القُطري ليس مشروعاً نهضوياً للقطر، بل هو مشروع تسييد الكيان الصهـ.ـيوني على المنطقة، وبالتالي تدمير القطر ذاته وتفكيكه.

لكنّ تيار البحث عن “الذات القُطرية” في الحالة الفلسطينية بالذات، وتحقيقها في “دويلة”، بعد التخلي عن مشروع التحرير، بالتفاهم مع الطرف الأمريكي-الصهـ.ـيوني، هو مكسب كبير لمشروع كامب ديفيد (الصلح المنفرد)، لأنه يجرح مصداقية من رفضوه باسم “السلام العادل والشامل”، وما دام أصحاب القضية الرسميين قد ساروا في ركبه لا تبقى لغيرهم ذريعة، باستثناء موقف أصحاب العلاقة وأولياء الدم: الشعب العربي، من مسألة التطبيع، وما تزال هذه أهم جبهة في مقـ.ـاومة التطبيع اليوم.

 

صيرورة التطبيع على الصعيد الرسمي الأردني

 

بعد توقيع اتفاقية أوسلو، بات استكمال كسر حلقة دول الطوق مرهوناً بموقف سورية ولبنان، لأن العلاقات التطبيعية بين النظام الأردني والعدو الصهـ.ـيوني أقدم من أوسلو، لا بل أقدم من كامب ديفيد ومن أي مفاوضات بعد حرب أوكتوبر 1973.  وبحسب مقالة في صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية للصحافيين “الإسرائيليين” يوسي ميلمان ودان رفيف، في 27 أيلول/ سبتمبر عام 1987، فإن الملك حسين بن طلال أرسل رسالة عام 1963 إلى رئيس الوزراء “الإسرائيلي” آنذاك ليفي أشكول، فأرسل أشكول مدير مكتبه الخاص للقاء الملك في لندن في منزل طبيب الملك حسين الشخصي، اليهـ.ـودي إيمانويل هربرت، في شهر أيلول/ سبتمبر عام 1963.

في عام 2014، نشر الكاتب “الإسرائيلي” يوسي ميلمان بعض المعلومات في صحيفة “معاريف” عن علاقة الملك حسين التاريخية بالساسة “الإسرائيليين” وجهاز الموساد.  وورد ضمن تلك المعلومات أن “إسرائيل” أنقذت حياة الملك حسين عدة مرات، إحداها –يقول ميلمان إنه كان شاهدا عليها- كانت بداية “لمواجهة سورية حين استجابت إسرائيل لمساعدته بتركيز قوات من الجيش مكنته من مهاجمة سورية التي كانت تنوي مساعدة الفلسطينيين في سبتمبر/أيلول 1970.”

وتحدث الكاتب عن “مئتي ساعة من المكالمات أو المحادثات للملك مع الزعماء الإسرائيليين، وأن رؤساء الموساد أحبوا الالتقاء مع الملك، وهو ما تم في مقر الموساد بإسرائيل وفي قصر الملك في عمان وعلى القارب الملكي في ميناء العقبة وبمنازل خاصة في لندن وباريس.”

وبحسب الكاتب، فإن “اللقاء الأول تم في 1963 بين الملك حسين ويعقوب هرتسوغ الذي كان آنذاك نائب مدير مكتب رئيس الحكومة في منزل طبيب بلندن، بهدف تنسيق المواقف وفحص إمكانية وجود تعاون سري.”

وفي هذا اللقاء -يزعم الكاتب- “جدد الملك حسين وبتأخير 16 عاما العلاقة التي كانت بين جده الملك عبد الله الأول مع الصهـ.ـيونية، حيث أقام عبد الله الأول هذه العلاقات في الثلاثينيات من القرن العشرين”.

وليس الأمر بحاجة للكثير من التمحيص، إذ أن قصة العلاقات القديمة بين العدو الصهـ.ـيوني والملك حسين وردت بالتفصيل في كتاب “أسد الأردن: حياة الملك حسين في الحرب والسلام”، بالإنكليزية، للكاتب “الإسرائيلي” آفي شلايم عام 2009.  واسم الكتاب بالإنكليزية هو Lion of Jordan: The Life of King Hussein in War and Peace.

باختصار، لا تحتاج قصة الوصول إلى معاهدة وادي عربة إلى تحليل سياسي أو تاريخي مفصل مثل الحالتين المصرية أو الفلسطينية، اللتين مر كلٌ منها بنقطة انقلابٍ ما، من الناصرية إلى الساداتية في حالة مصر، ومن ثقب إبرة “برنامج النقاط العشر” في الحالة الفلسطينية، إنما هي حالة إخراجِ السر إلى العلن بعد أن أتاحت اتفاقية أوسلو ذاتها ذلك، وكان الأمر “مطبوخاً” أصلاً على الصعيد الرسمي الأردني.

العبرة هي أن اتفاقية أوسلو ذاتها أتاحت الصلح المنفرد للنظام الأردني، بكسرها محظور “السلام الشامل” الرسمي العربي، بما يجعل التطبيع “الإبراهيمي” اليوم تحصيلاً حاصلاً، لولا أن معاهدات دول الطوق لم تكتمل بتوقيع مثيلاتها من قبل سورية ولبنان.  وكان يفترض، على ما يبدو، أن تكتمل في دول الطوق أولاً، وهذا أحد أهم أسباب الحرب المستمرة على سورية، وعلى المقـ.ـاومة في لبنان، وتورط الطرف الأمريكي-الصهـ.ـيوني المباشر فيها.

التطبيع يمأسس إلحاق الأردن بالفضاء الصهـ.ـيوني

لكن فيما يتعلق بعواقب وادي عربة، لا مقدماتها الواضحة، يجب أن نذكر أنها كرست قانونياً صيغتين أساسيتين للعلاقة الأردنية-“الإسرائيلية”:

 

  • أولاً: السعي لتحقيق تكامل إقليمي، تبلور في خمس عشرة مادة من أصل ثلاثين تتألف منها المعاهدة، غطت كل أوجه الحياة بين الطرفين، مدنياً واقتصادياً.

 

 

  • ثانياً: السعي لتحقيق تنسيق أمني رفيع المستوى، أمنياً وسياسياً، أصبح الأردن الرسمي عبره ملزماً بالتعاون ضد أي شكل من أشكال العداء لـ”إسرائيل”، حتى لو كان ذلك على مستوى التحريض اللفظي فحسب، كما جاء مثلاً في المادة الحادية عشرة من تلك المعاهدة.

 

  • ونضيف أن المادة الخامسة والعشرين والسادسة والعشرين من معاهدة وادي عربة نصت على أنها تسمو على كل ما عداها، تماماً كما في معاهدة السلام المصرية-“الإسرائيلية”.

غير أن ذلك كله لم يعفِ النظام الأردني من دفع ثمن كبير، بعد أن بات من الواضح أن مشروع ضم الضفة الغربية، في ظل “صفقة القرن”، يعني تصدير “المشكلة الفلسطينية” سياسياً إلى الأردن، وحلها على حساب ذاته القُطرية.  وبذلك، فإن الاتفاقيات “الإبراهيمية”، كابنة شرعية للاتفاقيات ما قبل “الإبراهيمية”، انقلبت على أمها، وهذا طبيعي، لأن التفاهم مع العدو الصهـ.ـيوني يعني تفاقم الصراعات العربية الداخلية.  لقد دخلت السلطة في فلسطين والأردن في ترتيبات مع العدو تؤدي إلى تجاوزهما، ولولا أن البلاد تدفع ثمن التطبيع، لقلنا: على نفسها جنت براقش!

اتخذ التطبيع في الأردن، بحكم كونه دولة طرفية، وامتلاكه لأطول حدودٍ مع العدو الصهـ.ـيوني، وثقل التأثير الغربي فيه، وفقدان نظامه تراثاً استقلالياً وطنياً (في مقابل تراث وطني استقلالي عريق لشعبه)، صيغةً أكثر طغياناً مما اتخذه في مصر كدولة مركزية، تفصلها صحراء سيناء عن دولة العدو، وتملك إرثاً ناصرياً، وقبله إرث دولة مركزية عريقة، على الرغم من استخزاء الأنظمة التي حكمت مصر بعد جمال عبد الناصر للطرف الأمريكي-الصهـ.ـيوني.

فُرِض التطبيع في الأردن بالقوة في كثيرٍ من الحالات، كما قُمِعت الاحتجاجات ضده في كثيرٍ من الحالات الأخرى، مثل اعتصام “جك” السلمي ضد السفارة الصهـ.ـيونية في عمان، أطول اعتصام في تاريخ الأردن، والذي استمر أسبوعياً منذ نهاية أيار 2010 حتى بداية سنة 2016، وقد تم سحقه بالقوة في النهاية.

وتكريساً لفكرة التكامل الإقليمي، جرى في عز الحرب على سورية تحويل مرفأ حيفا إلى بوابة تصدير واستيراد، عبر الأردن، إلى الدول العربية.  وقد كتبت صحيفة “جيروزاليم بوست”، في تقرير لها في الـ 21 من شباط/ فبراير 2016، تحت عنوان “ارتفاعٌ ضخمٌ في المنتجات الأوروبية المارة عبر إسرائيل إلى الدول العربية”، أن المنتجات التركية والبلغارية خصوصاً تأتي على متن عبّارات تحمل شاحنات أو في حاويات إلى ميناء حيفا، ليتم شحنها براً إما إلى الأردن أو عبر الأردن إلى العراق والدول الخليجية، وأن عدد الشاحنات التي نقلت منتجات تركية وبلغارية عبر الكيان بلغ حوالي 13 ألفاً في العام 2015، دفع كلٌ منها رسوماً للعدو الصهـ.ـيوني عند دخوله وخروجه من فلسطين العربية المحتلة، وأن عدد تلك الشاحنات ارتفع بمقدار 25% عن العام 2014، إذ بلغت آنذاك 10300 شاحنة.  وهو ما يشكل، في رأينا المكتوب والمنشور، أهم عائق لفتح الحدود البرية على مصراعيها مع سورية من قبل قوى الشد العكسي المستفيدة من مرفأ حيفا، في الأردن وخارجه.

وفي شهر تشرين أول/ أوكتوبر عام 2016، أعلن الكيان الصهـ.ـيوني عن تدشين خط سكة حديد بيسان-حيفا بتكلفة مليار دولار، الذي كان جزءاً من سكة حديد الحجاز قبل ذلك بقرنٍ ونيف.  وقال بوعز تسفرير، المدير العام لشركة قطارات “إسرائيل” بمناسبة التدشين وقتها “إن خط قطار حيفا- بيسان سوف يربط ميناء حيفا بجسر (الشيخ حسين) الواقع في منطقة الأغوار الشمالية، ومن ثم سوف يواصل مسيره إلى الأردن، حيث مدينة إربد وصولاً إلى العاصمة عمَّان. وهو سيكون أيضاً قطاراً لشحن البضائع، وسوف يخدم سكان منطقة وادي الأردن، ويعزز من حركة التجارة لميناء حيفا، كما سيتم تعزيز عمل خط القطار الجديد خلال السنوات المقبلة”.

قبل التطبيع “الإبراهيمي” المعلن بسنوات، في 3/2/2017 تحديداً، نشرت وسائل الإعلام تصريحات لوزير المواصلات الصهـ.ـيوني، يسرائيل كاتس، آنذاك، يقول فيها إنه يدفع باتجاه تعزيز تبادل المعلومات بين الكيان الصهـ.ـيوني والدول الخليجية لما لذلك من تأثير إيجابي “على خطة التواصل البريّ المزمع إنشاؤها من إسرائيل إلى دول الخليج”.  كما أشار إلى أنّه، وبصفته أيضاً وزيراً للمواصلات، يعمل على الدفع قدماً بهذا الاتجاه، وهناك “موافقة من رئيس الحكومة الإسرائيليّة بنيامين نتنياهو، على توسعة خط القطار بين إسرائيل والأردن، ليصل إلى المملكة العربيّة السعوديّة، مُعتبراً أنّ الأردن سيكون حلقة الوصل بين إسرائيل ودول الخليج في قضية السكك الحديديّة التي تربط بينهما”.

وكان قد رشح، في صيف عام 2015، أن “الإدارة المدنية” للضفة الغربية، والتابعة للجيش الصهـ.ـيوني، قرّرت المصادقة على مخطط لمدّ شبكة سكك حديدية في جميع أنحاء الضفة الغربية، وإن المخطط يشمل 473 كيلومتراً من السكك الحديدية و30 محطة قطار في 11 خط سكة حديدية مختلف، “يتجاهل الحدود السياسية القائمة”، حيث ستربط السكك الحديدية بين المدن الفلسطينية كما ستربط هذه المدن مع المدن في “إسرائيل”، ومع الأردن و”سورية أيضاً”، “وستخدم جميع سكان المنطقة”، وبسبب الطبيعة الجبلية للضفة، فإن المخطط يشمل عشرات الجسور والأنفاق، بحسب مواقع مختلفة على الإنترنت.

 

ليس الأردن والسلطة الفلسطينية، إذاً، إلا منطقتين طرفيتين تمثلان موطئ قدم للوصول إلى العراق وسورية ودول الخليج.  وبالتالي، فإن مشروع “الكونفدرالية الثلاثية” (بين الأردن والدويلة الفلسطينية والكيان الصهـ.ـيوني)، والذي يبرز بين الفينة والأخرى، ليس إلا صيغة سياسية لتسهيل التغلغل الصهـ.ـيوني في المشرق العربي. 

 

أسست معاهدة وادي عربة قاعدةً لربط البنية التحتية في الأردن بالكيان الصهـ.ـيوني من خلال عدد من المشاريع، مثل اتفاقية الغاز مع العدو الصهـ.ـيوني بقيمة 10 مليار دولار لمدة 15 عاماً لتوليد الكهرباء عام 2016، والتي أصدرت المحكمة الدستورية قراراً في أيار/ مايو عام 2020 أنها لا يمكن أن تُلغى رغم الاحتجاجات، ولا حاجة لعرضها على مجلس النواب… ومن تلك الاتفاقيات أيضاً مشروع قناة البحرين (الميت-الأحمر) لتحلية المياه وإنقاذ البحر الميت، بسبب سرقة “إسرائيل” لمياه نهر الأردن، الذي لم يتم الإعلان عن صيغة نهائية له بعد.. وهناك أيضاً المناطق الصناعية المؤهلة Qualified Industrial Zones (QIZ’s) التي يتم بموجبها التصدير للولايات المتحدة منذ التسعينيات من دون جمرك ما دام يوجد فيها مُدخل “إسرائيلي”، وأغلب الشركات والعمالة فيها غير أردنية أصلاً.. ناهيك عن تقارير كثيرة عن تطوير وادي الأردن ومشاريع مناطق حرة وصناعية ثلاثية مع السلطة الفلسطينية.

 

التطبيع لا ينجح إن لم تضمن “إسرائيل” روافع تمكنها من قطع الكهرباء والماء والحياة الاقتصادية عن الدول المطبعة إن هي قررت تغيير رأيها.  فلا أمان للكيان الصهـ.ـيوني مع رأي شعبي عربي يمكن أن يمارس ضغوطاً تدفع باتجاه وقف التطبيع.  ولذلك فإن النموذج الأردني لإنتاج الكهرباء بغاز فلسطيني مسروق يضع كل مواطن أمام خيار صعب: إما أن يقبل التكامل الإقليمي مع “إسرائيل”، وإما أن يقبل العيش بلا كهرباء وماء واقتصاد إلخ..  ثم يقال له: إن شئت ألا تطبع، فلا تطبع! 

وستكون لنا عودة إلى البعد الاقتصادي للتطبيع، في مقالات مقبلة، إن شاء الله.

للمشاركة على فيسبوك:

https://www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=5932281936788992&id=100000217333066

https://www.almayadeen.net/articles/التطبيع-الرسمي-فلسطينيا-وأردنيا:-قراءة-في-مقدمات-الاتفاقات-ا

الموضوعات المرتبطة

إشكالية الموقف من تركيا عقائدياً وسياسياً

  إبراهيم علوش  - صباح الخير/ البناء    شكلت شبه هضبة الأناضول تاريخياً كتلةً جغرافيةً-سياسيةً شديدةَ الوطأة على الميدان الشامي، وعبره، على الوطن العربي كله.  فمنذ الحثيين، حتى الرومان [...]

خطوط الصراع في الانتخابات النصفية الأمريكية

  إبراهيم علوش  - الميادين نت تجري في الولايات المتحدة الأمريكية في 8 تشرين الثاني / نوفمبر المقبل انتخاباتٍ نصفية حاسمة يُقرَر فيها مصير كامل مقاعد مجلس النواب الـ435، و35 مقعداً من أصل 100 في [...]

هل يفرض الغرب سقفاً سعرياً على النفط الروسي؟

  إبراهيم علوش – الميادين نت الخبر الاقتصادي الدولي الأهم في الأيام الفائتة كان قرار الاتحاد الأوروبي، المدعوم أمريكياً، في الثاني من أيلول / سبتمبر الفائت، فرض سقف أعلى على سعر النفط [...]

نهج المــقــاومة والعمل القومي: هل يقوم أحدهما مقام الآخر؟

  إبراهيم علوش – المستقبل العربي* شخصت الأبصار إلى غزة ثم إلى نابلس في شهر آب / أغسطس الفائت، ولطالما احتضنت عيون الشرفاء كلَ حالةِ مـ.ـقـ.ـاومةٍ متميزة، ولو كانت تحدياً للهيمنة الغربية، أو [...]

تايوان والصراع على جبهة أشباه الموصلات

  إبراهيم علوش – الميادين نت ربما تبدو الجبهة الأوكرانية أكثر صخباً، وتداعياتها الاقتصادية على أوروبا والعالم أبلغ أثراً، وتناولها إعلامياً أشد إثارةً، لكنّ الجبهة الأكثر ضراوةً، هي، [...]
2022 الصوت العربي الحر.