جولة غزة الأخيرة في ضوء العقل الاستراتيجي الصـ.ـهـ.ـيـ.ـوني

August 10th 2022 | كتبها

 

إبراهيم علوش – الميادين نت

ربما يكون من السابق لآوانه استخلاص دروس جولة غزة الأخيرة بين يومي الجمعة والأحد الفائتين، لكن يمكن القول إنها قابلة للقراءة من زاويتين، تكتيكية واستراتيجية.

أما الزاوية الأولى، فتتعلق باستهداف العدو الصـ.ـهـ.ـيـ.ـوني، منهجياً، حركة الجـ.ـهـ.ـاد الإسلامي، والتي حملت العبء الرئيسي للجولة الأخيرة مع العدو الصـ.ـهـ.ـيـ.ـوني، كما حملته بعيد اغتيال قائدها العسكري الأسبق في غزة، بهاء أبو العطا، في تشرين الثاني / نوفمبر 2019، في الجولة التي سماها العدو الصـ.ـهـ.ـيـ.ـوني آنذاك “عملية الحزام الأسود”.

فمن الضفة الغربية إلى غزة، ومن بؤرة جنين النوعية إلى الكوادر العسكرية المتقدمة لحركة الجـ.ـهـ.ـاد في القطاع، تدل مسارات حركة العدو، عسكرياً وأمنياً، على أن حركة الجـ.ـهـ.ـاد هي المستهدف رقم واحد في فلسطين.  وينعطف على ذلك طبعاً تركيز أجهزة التنسيق الأمني مع الاحتلال في الضفة الغربية، في المرحلة الراهنة، على أولوية استهداف حركة الجـ.ـهـ.ـاد بالذات وبيئتها الحاضنة.

يغطي الإعلام الغربي والصـ.ـهـ.ـيـ.ـوني وبعض العربي مثل ذلك التوجه ضد حركة الجـ.ـهـ.ـاد على أنه جزءٌ من الحرب على “إيران ونفوذها في المنطقة”، لا باعتباره حملة اجتثاث لفصيلٍ عربيٍ فلسطينيٍ أصيل ذي باعٍ طويل في مقارعة الاحتلال الصـ.ـهـ.ـيـ.ـوني.  ويتسق مثل ذلك الخطاب تماماً مع مشروع بناء تحالف “عربي”-صـ.ـهـ.ـيـ.ـوني لمواجهة إيران و”أذرعها”، من اليمن إلى لبنان إلى فلسطين.

العينُ، إذاً، على عزل حركة الجـ.ـهـ.ـاد سياسياً عن بيئتها الطبيعية، ومن ذلك رميها زوراً بـ”نشر التشيع” في غزة أو في غيرها.  لكنّ الحقيقة هي أن حركة الجـ.ـهـ.ـاد تحظى بالكثير من التعاطف في الشارع الفلسطيني لأسباب سياسية صرف، لا صلة لها بإيران سلباً أو إيجاباً، ولا حتى بتدينها (السنّي)، إنما لكونها الفصيل الفلسطيني الأكبر حجماً الذي: أ – لا يعترف بحق الكيان الصـ.ـهـ.ـيـ.ـوني بالوجود، ب – لا يتعاطى ترهات “الدويلة الفلسطينية” و”حدود الـ67″ وقرارات “الشرعية الدولية ذات الصلة” وإلى ما هنالك من هراء، ج – لا يصارع على حصة ومغانم في “السلطة الفلسطينية” التي تبقى مرجعية قيامها اتفاقية أوسلو.

ومن هنا، لا تزاحم حركة الجـ.ـهـ.ـاد أحداً على مناصب سلطوية ولا على مقاعد في المجلس التشريعي لسلطة أوسلو، ناهيك بالكنيست الصـ.ـهـ.ـيـ.ـوني، لا سمح الله.

تحفل الساحتان الفلسطينية والعربية بالقوى والشخصيات التي تتبنى مثل هذا الموقف المبدئي أيضاً، والذي يفترض أنه بوصلة عامة بالمحصلة، لكنّ حركة الجـ.ـهـ.ـاد تختلف في أنها الأكثر فاعليةً وحضوراً ميدانياً في مواجهة العدو الصـ.ـهـ.ـيـ.ـوني، وبالتالي الأكثر استحضاراً للأمل بإمكانية استعادة حركة النضال الفلسطيني عملياً إلى جادة الصواب، جادة الميثاق الوطني الفلسطيني غير المعدل، والميثاق القومي من قبله.

ومن البديهي أن هناك أيضاً من يتعاطف مع حركة الجـ.ـهـ.ـاد كفصيل فلسطيني مـ.ـقـ.ـاوم ذي فعالية ميدانية عالية، انطلاقاً من فكرة دعم مناهضة الاحتلال عموماً، حتى لو لم يتفق مع خطها السياسي عموماً أو مع رفضها لعقلية “تجزئة قضية فلسطين” إلى 48 و67 وشتات.

لذلك، أصبح تعطيل تلك الفاعلية الميدانية المتميزة الهدف العملياتي رقم واحد لا للعدو الصـ.ـهـ.ـيـ.ـوني فحسب، بل لكل من بنى وجوده على الانخراط في مشروع تسوية أو تعايش مع العدو الصـ.ـهـ.ـيـ.ـوني في المنطقة.

ولا يخرج عنه النظام التركي، بالمناسبة، أكبر مطبع في المنطقة منذ عقود، ولا تخرج عنه حركات تزعم أنها إسلامية، مثل حزب العدالة والتنمية في المغرب، لم تتورع عن توقيع اتفاق تطبيعي مع العدو الصـ.ـهـ.ـيـ.ـوني عندما ظنت أن ذلك يحافظ على استمرارية بقائها في الحكومة.

وهي فاعلية معدية، بالمناسبة، فمن ينافس حركة الجـ.ـهـ.ـاد في الوعاء الفلسطيني، عليه أن يجاريها ميدانياً، حتى لو كان يضمر نفَسَاً تسووياً.  وهذا، بدوره، يرفع السقف النضالي في الساحة الفلسطينية ككل، ما يفيد الشعب الفلسطيني وقضيته بمقدار ما يتصاعد ويصبح مقياساً عاماً، لأنه يحاصر دعاة التسوية والتطبيع ويشل تذبذب الانتهازيين.

وهذا يفسر سياسياً بعضاً من استهداف قيادات حركة الجـ.ـهـ.ـاد العسكرية صـ.ـهـ.ـيـ.ـونياً بين يومي الجمعة والأحد في غزة، واستهدافها يومياً في جنين وسائر الضفة منذ سنوات.

 

حول محاولة الاستفراد بحركة الجـ.ـهـ.ـاد

تتمتع حركة الجـ.ـهـ.ـاد اليوم بتعاطفٍ وتأييدٍ كبيرين حتى ضمن أطياف وطنية فلسطينية مستقلة وقومية عربية ويسارية قد لا تتفق مع السياسة الإيرانية في كل المواضع، وقد لا تتفق مع حركة الجـ.ـهـ.ـاد ذاتها أيديولوجياً، وهذا مهمٌ جداً لأنه:

أ – يحصن فلسطين من تجريدها من أحد أكثر فصائلها جذريةً في هذه المرحلة، ومن محاصرتها وإسقاطها شعبياً.

ب – يحصن حركة الجـ.ـهـ.ـاد كفصيل مـ.ـقـ.ـاوم إزاء مخطط عزلها سياسياً ووطنياً، ومن محاولة تخفيض سقفها ودفعها للانخراط في لعبة “المحاصصة” عوضاً عن برنامجها، برنامج التحرير والعودة.

أدرك حـ.ــ.ـز ب الرب في لبنان هذه النقطة قبل سنوات، بالمناسبة، ولذلك اهتم بالأطر الوطنية المستقلة والقومية واليسارية التي تدعم المـ.ـقـ.ـاومة وتناهض مشروع صهينة لبنان وأمركته، حتى لو كانت تختلف عنه عقائدياً، وحتى لو كانت تختلف مع بعض المواقف الإيرانية خارج سياق التناقض الرئيسي مع العدو الصـ.ـهـ.ـيـ.ـوني.

ويأتي الإصرار على هذه النقطة هنا لأنها تجهض استراتيجية “الاستفراد” بقوى المـ.ـقـ.ـاومة الواحدة تلو الأخرى سياسياً، بعد عزلها شعبياً، ما يمهد للاستفراد بها أمنياً وعسكرياً.  ولذلك، كان لمشاركة بعض الفصائل في غزة في المعركة الأخيرة، مهما بلغ حجم تلك المشاركة، أهمية كبيرة في منع استراتيجية الاستفراد بالجـ.ـهـ.ـاد من تحقيق أهدافها سياسياً، بمقدار ما أعطى الالتفاف الشعبي الواسع في فلسطين والخارج حول غزة في معركتها التي قادتها حركة الجـ.ـهـ.ـاد بعداً وطنياً فلسطينياً لا تخطئه العين.  وهذا إنجازٌ وطنيٌ مـ.ـقـ.ـاوم لأنه أعاق الاستراتيجية الصـ.ـهـ.ـيـ.ـونية، ولأنه مثل نموذجاً للوحدة الميدانية المقاتلة.

كان لا بد لحركة الجـ.ـهـ.ـاد في غزة، بدورها، من منع الاستفراد بامتدادها التنظيمي وذراعها المسلحة وحواضنها في الضفة الغربية وأسراها الذين يجري التنكيل بهم في سجون الاحتلال، ومنهم الأسير خليل العواودة، المضرب عن الطعام منذ 149 يوماً عند لحظة كتابة هذه السطور.

ولذلك، هددت حركة الجـ.ـهـ.ـاد المستعمرات الاستيطانية المحاذية للقطاع بعد اختطاف الاحتلال للشيخ بسام السعدي في جنين، أحد أهم قيادات الحركة في الضفة.  ولم يكن بالإمكان إلا ما كان، وإلا أن تهرع حركة الجـ.ـهـ.ـاد في غزة لمساندة الضفة، منعاً للاستفراد بهم، وتثبياً لمعادلة الردع، مهما كانت التضحيات.   وكان تثبيت معادلة الردع النقطة التي ركز عليها سماحة السيد ح. في تعليقه على نتائج معركة غزة الأخيرة، بعد إعلان وقف إطلاق النار ليلة الأحد.

في البعد الاستراتيجي لمعركة غزة الأخيرة

يرى البعض أن حاجة رئيس الوزراء الحالي للكيان الصـ.ـهـ.ـيـ.ـوني، يائير لابيد، إلى تأمين المزيد من الأصوات، قبيل انتخابات الكنيست التي ستجري في 1 تشرين الثاني / نوفمبر المقبل، ربما يكون الدافع الأهم خلف عملية اغتيال قائد شمال غزة في “ســر ا يـ.ـا القد س”، تيـ.ـسير الجعبر ي، عصر يوم الجمعة الموافق 5 آب / أغسطس الفائت.

وربما يكون مثل هذا العامل الانتخابي قد ألقى بثقله خلف توقيت التصعيد الصـ.ـهـ.ـيـ.ـوني في غزة، لا في التوجه العام للمؤسسة الأمنية والعسكرية في الكيان الصـ.ـهـ.ـيـ.ـوني.  فالأساس بالنسبة للكيان هو العمل على تقليص قدرة حركة الجـ.ـهـ.ـاد على تهديد الكيان الصـ.ـهـ.ـيـ.ـوني وتعطيل سيرورة الحياة الطبيعية فيه، ومن هنا تلا استهدافَ تيـ.ـسير الجعبر ي استهدافُ عددٍ من القيادات العسكرية لـ”ســر ا يـ.ـا القد س” أبرزهم قائد المنطقة الجنوبية في غزة خـ.ـا لد منصو ر.

يمثل العدوان الصـ.ـهـ.ـيـ.ـوني الأخير على غزة، في الواقع، استمراراً لما يسميه استراتيجيو الكيان الصـ.ـهـ.ـيـ.ـوني “الحرب بين الحروب”، وهي استراتيجية تقوم على استهداف قدرات الدول والحركات التي يعدها الصـ.ـهـ.ـاينة معادية لهم منهجياً، بحيث يمنعونها من الإخلال بـ”ميزان الردع” الذي يحاول المحتل فرضه، من خلال تحديد “التهديدات الناشئة” وتدميرها انتقائياً في المهد، باستخدامٍ مركبٍ وتفاعليٍ للأدوات العسكرية والأمنية.

تحكم هذه الرؤيا الأمنية السلوك العدواني للكيان الصـ.ـهـ.ـيـ.ـوني من البرنامج النووي الإيراني إلى المسرح السوري إلى المـ.ـقـ.ـاومة الفلسطينية داخل فلسطين وخارجها؛ ويمكن أن نضيف مسرح العمليات اللبناني إلى هذه القائمة، سوى أن حـ.ــ.ـز ب الرب تمكن فعلاً من فرض معادلة ردع عسكرية مقابلة من جهته، ما حوّل “الحرب بين الحروب” التي يشنها العدو الصـ.ـهـ.ـيـ.ـوني في لبنان إلى مستويات أخرى، غير عسكرية، لا تقل ضراوةً وخطورةً.

وتقترن هذه الرؤية الأمنية الحاكمة لعقلية صناع القرار في الكيان الصـ.ـهـ.ـيـ.ـوني ببرنامج سياسي يقوم على فرض الرضوخ الكامل على الشعب الفلسطيني خصوصاً، وعلى المحيط العربي عموماً، لكي يتقبل “حق” الكيان الصـ.ـهـ.ـيـ.ـوني في الوجود، وفي التوسع الاستيطاني في الضفة، وتهويد القدس والمقدسات وعموم فلسطين والجولان، بالتوازي مع إقامة علاقات تطبيعية غير مشروطة من المغرب حتى البحرين تسمح للكيان الصـ.ـهـ.ـيـ.ـوني بالتغلغل سرطانياً في المحيط العربي، وصولاً إلى تحويله إلى “شرق أوسط جديد”، مفكك، ومفتقد للهوية.

لا مشروع تسووياً، فإما المـ.ـقـ.ـاومة وإما الاستسلام

أثبتت العقود الفائتة أن الكيان الصـ.ـهـ.ـيـ.ـوني لا يمتلك استراتيجية سياسية للتصالح مع المحيط، بل يمتلك استراتيجية إخضاع تقوم على إضعافه وتقويض عناصر قوته و”كي وعيه” وتشويش بوصلته ودفعه للاستسلام غير المشروط.  وإذا وضعنا مخططات التفكيك والتلاعب بالتناقضات الداخلية والحرب الإعلامية والثقافية جانباً، فإن التشدد الصـ.ـهـ.ـيـ.ـوني سياسياً أمرٌ جيدٌ جداً، لأنه يكشف عورة دعاة التسوية مع الصهاينة سياسياً ويحرج المطبعين ويعريهم.

وما التطبيع، في الواقع، إلا غطاءٌ سياسيٌ لما يقوم به الاحتلال من مجازر وتهويد، من غزة إلى غيرها.  وها قد رأينا، على سبيل المثال لا الحصر، ما جنته السلطة الفلسطينية من نحو ثلاثة عقود من مسيرة أوسلو والتنسيق الأمني مع الاحتلال.  ومع ذلك، فإن هناك من يروج للتطبيع بذريعة تحقيق التقدم التكنولوجي… وكأن العدو الصـ.ـهـ.ـيـ.ـوني جمعية خيرية لتوزيع التكنولوجيا المتقدمة على العرب لا يمنعنا عنها إلا “انغلاقنا” إزاءه!

لم تتغير العقيدة الاستراتيجية الصـ.ـهـ.ـيـ.ـونية منذ ما قبل تأسيس الكيان الصـ.ـهـ.ـيـ.ـوني.  وهي تقوم على اعتبار الدول العربية كافةً إما تهديداً كائناً أو كامناً لوجود الكيان، ومن لا يمثل تهديداً الآن، فإنه مرشح للتحول إلى تهديد بفعل التغيرات الداخلية عنده، إذا استيقظ الرأي العام أو إذا تغير نظامٌ ما.  ولذلك، فإنه يعمل بشكل حثيث على ضرب الجميع استباقياً، حتى المطبعين منهم، على تعطيش مصر، وعلى شطب عروبة دول الخليج من خلال الدفع دولياً باتجاه منح المقيمين غير العرب فيها حقوقاً سياسية، وعلى ضرب العراق بالقوة العسكرية الأمريكية، وعلى تدمير ليبيا وسورية واليمن، وعلى ذبح الشعب العربي الفلسطيني وتشويه وعيه واختراقه بالطروحات التسووية والتعايشية.

كان الكيان الصـ.ـهـ.ـيـ.ـوني مكشوفاً بين عامي 1948 و1967، في العقيدة الاستراتيجية الصـ.ـهـ.ـيـ.ـونية، لأنه امتد طولياً بصورةٍ غير ملائمةٍ للدفاع، وقابلة لشقه إلى نصفين عند أقصى غرب الضفة الغربية، قبل احتلالها عام 1967، لا سيما في شمالها من جهة أقصى غرب محافظات جنين وطولكرم وقلقيلية، وفي جنوب الضفة، من الجهة الجنوبية الغربية لمحافظة الخليل التي لا تبعد كثيراً عن قطاع غزة.  هذا يعني أن الكيان حتى مع الضفة الغربية يفتقد لعمقٍ استراتيجيٍ كافٍ.  ومن هنا بناء ما يسمى “الجدار العازل”، الذي يشكل خطاً دفاعياً ثانياً في الواقع، أمام هجوم مفترضٍ بالدبابات، أو أمام زحفٍ بشري.

أما خط الدفاع الخارجي للكيان، فهو غور الأردن الذي يعمل العدو على قدمٍ وساقٍ على تهويده وتعزيز الاستيطان فيه، كما يعمل على تهويد الجولان وتعزيز الاستيطان فيه، والذي يمثل امتداداً للغور شمالاً من جهة سورية.

الانسحاب من الضفة إذاً، أو إلى ما يسمى “حدود الـ67″، يمثل كابوساً استراتيجياً في العقيدة الاستراتيجية الصـ.ـهـ.ـيـ.ـونية، ولا يوجد حزب صـ.ـهـ.ـيـ.ـوني رئيسي واحد يفكر فيه بجدية.  ولذلك، فإن أقصى ما يمكن الحصول عليه ضمن مشروع التسوية المزعوم هو اسم “دويلة” باطنها حكم ذاتي محدود على جزء من السكان، كما نرى بعد 30 عاماً من أوسلو.

فلا انسحاب من الضفة، والغور تحديداً، مع أو من دون قيد أو شرط، ومن يهزم الصـ.ـهـ.ـاينة، لماذا يقبل بالضفة الغربية وحدها؟  ومن لا يهزمهم، فلن يأخذ منهم شيئاً.  ومن يتوازن معهم استراتيجياً فلن يعطوه ما يساعده على التغلب عليهم استراتيجياً في مرحلة لاحقة.  وعليه، فإن مشروع التحرير الكامل وبرنامج عروبة كل أرض فلسطين يبقى الخيار الأكثر عقلانيةً على المستوى الاستراتيجي، وحتى نملك القوى الكافية لتحقيق مثل ذلك المشروع، فإن المـ.ـقـ.ـاومة وحرب المواقع لاستنزاف العدو والعمل بشكل حثيث على تعديل ميزان القوى يبقى الخيار المنطقي الوحيد.

ليست الخسائر المادية للكيان هي الأهم

ركز البعض خلال الجولة الأخيرة في غزة، وفي معركة “سيـ.ـف القدس” قبلها، على الخسائر المادية والاقتصادية للكيان الصـ.ـهـ.ـيـ.ـوني خلال تلك المعارك.  وهذا على قدرٍ ما من الأهمية، لكنّ الغرب والحركة الصـ.ـهـ.ـيـ.ـونية العالمية أكثر من قادرين على تعويضها.  الأهم من الخسائر المادية والمالية هو تعطيل دورة الحياة الطبيعية والمدنية في كيان يسعى للظهور بمظهر القوة الإقليمية المتفوقة القابلة للتحول إلى قوة عظمى.  فإذا بدا غير مستقرٍ وغير آمن، فإنه يبدو هزيلاً وسخيفاً تحت لافتة تفوقه المزعوم.

ليس المستعمرون المستوطنون مثلنا، فهم غير متعودين على الصعوبات ونكد الانقطاعات وعلى التعطيل المطول للحياة الطبيعية، وعلى تهديد أمنهم الشخصي، ولذلك فإن أثر المـ.ـقـ.ـاومة هنا هو تقويض ثقة المحتلين بأنفسهم وبدولتهم ودفعهم إلى الهجرة المعاكسة.

ولذلك، يسعى العدو الصـ.ـهـ.ـيـ.ـوني دوماً لئلا تطول معاركه كثيراً، وأن يحسمها بأسرع وقت ممكن.  وهذه نقطة يجب أخذها بعين الاعتبار، فكلما طالت المعركة، كلما ازداد العبء النفسي والسياسي والاستراتيجي عليه، فعنصر الاستنزاف هو الذي يخيفه أكثر من غيره، والتهديدات التي تطلقها المـ.ـقـ.ـاومة، في لبنان أو فلسطين، تدفعه للاستنفار، وهذا يعني تحويل الاحتياط من الحياة المدنية إلى العسكرية، والنزول إلى الملاجئ، ووقف حركة الطيران والقطارات، إلخ… ولهذا يكفي أن تنفذ المـ.ـقـ.ـاومة تهديداتها مرة كل عشر مرات، ما دام التهديد قابلاً للتصديق، لكي تستنزف العدو عشر مرات، فإذا تراخى، فإنها الفرصة السانحة.  ويأخذ بعض المعلقين على سماحة السيد ح. كثرة إطلاق التهديدات ضد الكيان، ولكنه يعرف ماذا يفعل تماماً هنا.

العنصر البشري هو نقطة ضعف الكيان الصـ.ـهـ.ـيـ.ـوني الأساسية بالمناسبة.  ولذلك تعتمد أغلب قواته العسكرية على الاحتياط.  فجيشه النظامي نحو 170 ألفاً، والاحتياطي نحو 500 ألف.  وسبقت الإشارة إلى أن الاستنفار يعني تعطيل الاحتياط، وأن ذلك مرهقٌ إذا استمر طويلاً، فكيف نجعله يستمر أكثر من أسبوع أو أسبوعين؟  وكيف يمكن أن نجعله يستمر أشهراً مثلاً؟  هذا ما يجب التفكير فيه بجدية، مع أن أسبوع أو أسبوعين أفضل من السماح للمحتل بالاستقرار والتنعم بأرضنا المحتلة وثرواتها هانئاً.  فلا مزايدة هنا أبداً، إنما سعيٌ نحو الأفضل.  وبورك بمن يعطل الحياة الطبيعية في الكيان ولو يوماً واحداً.

أخيراً، من الطبيعي أن تسعى المـ.ـقـ.ـاومة إلى تطوير ترسانها الصاروخية نوعياً، وأن تطور أداءها بما يسمح  بتجاوز القبة الحديدية وأخواتها الأكثر تطوراً.  لكنْ، ثمة تكتيكٌ سبق أن لجأت فصائل المـ.ـقـ.ـاومة إليه هو القنـ.ـبـ.ـلة البشرية، وميزته أنه يستهدف نقطة الضعف الأهم لدى العدو الصـ.ـهـ.ـيـ.ـوني: العنصر البشري.

وسبق أن اشتعل حوارٌ حول فاعلية مثل ذلك التكتيك ومشروعيته في الساحة الفلسطينية قبل 20 عاماً، كتبت خلاله سلسلة مقالات دعماً لتكتيك القنـ.ـبـ.ـلة البشرية، ولكنه بالفعل أقوى سلاح في مواجهة المستعمر المستوطن لأنه يضع العدو في حالة هستيرية، فإن استمرت زمناً كافياً، فإنها ستدفعه إلى الرحيل لا محالة، كما أن ذلك السلاح هو التعبير الأسمى عن حقيقة الصراع باعتباره صراعاً تناحرياً مع المحتل الغاصب لا يحل إلا هكذا.

وفي زمن التكفير، نقل العدو الصـ.ـهـ.ـيـ.ـوني تكتيك القنـ.ـبـ.ـلة البشرية للاستخدام ضد المدنيين العرب، فأين دعاة زهق أرواح المدنيين العرب من المحتلين الغاصبين في فلسطين اليوم يا ترى؟

لعل الفارس الفلسطيني الذي ينطلق منفرداً ضد المحتل الغاصب بسكـ.ـينٍ أو بسيارةٍ أو بمسدسٍ صغير هو ارتجالٌ شعبيٌ للتعويض عن الفراغ الذي تركه التوقف عن استخدام تكتيك القنابل البشرية في فلسطين ضد المحتلين الغاصبين، ولكنه ما برح خياراً ممكناً ومتاحاً وفعالاً، وهم يقتلوننا كل يوم، ويرتكبون المجازر لا عن طريق الخطأ، بل كجزءٍ من “استراتيجية الردع” التي يتبنونها، معتقدين أن المجازر ترفع تكلفة المـ.ـقـ.ـاومة إلى حدودٍ غير محتملة، وتؤدب البيئة الحاضنة، وبين أيدينا سلاحٌ ثبت أنه يؤلم العدو أكثر من شيء آخر، فلمَ نتردد في استخدامه؟  لأن الغرب الذي يدعم الكيان الصـ.ـهـ.ـيـ.ـوني وهو يرتكب المجازر فينا يقول إنه سلاح “غير حضاري”؟  أهلاً وسهلاً…

للمشاركة على فيسبوك:

https://www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=pfbid021xUNTJhvEMAWtPoupNab7aXWgx7pNGF8TAqC9bQoX47g7ajYzoAGpn2qyjDTJh8Dl&id=100041762855804

https://www.almayadeen.net/research-papers/%D8%AC%D9%88%D9%84%D8%A9-%D8%BA%D8%B2%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AE%D9%8A%D8%B1%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%B6%D9%88%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%AA%D9%8A%D8%AC%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%87%D9%8A%D9%88%D9%86%D9%8A

الموضوعات المرتبطة

إشكالية الموقف من تركيا عقائدياً وسياسياً

  إبراهيم علوش  - صباح الخير/ البناء    شكلت شبه هضبة الأناضول تاريخياً كتلةً جغرافيةً-سياسيةً شديدةَ الوطأة على الميدان الشامي، وعبره، على الوطن العربي كله.  فمنذ الحثيين، حتى الرومان [...]

خطوط الصراع في الانتخابات النصفية الأمريكية

  إبراهيم علوش  - الميادين نت تجري في الولايات المتحدة الأمريكية في 8 تشرين الثاني / نوفمبر المقبل انتخاباتٍ نصفية حاسمة يُقرَر فيها مصير كامل مقاعد مجلس النواب الـ435، و35 مقعداً من أصل 100 في [...]

هل يفرض الغرب سقفاً سعرياً على النفط الروسي؟

  إبراهيم علوش – الميادين نت الخبر الاقتصادي الدولي الأهم في الأيام الفائتة كان قرار الاتحاد الأوروبي، المدعوم أمريكياً، في الثاني من أيلول / سبتمبر الفائت، فرض سقف أعلى على سعر النفط [...]

نهج المــقــاومة والعمل القومي: هل يقوم أحدهما مقام الآخر؟

  إبراهيم علوش – المستقبل العربي* شخصت الأبصار إلى غزة ثم إلى نابلس في شهر آب / أغسطس الفائت، ولطالما احتضنت عيون الشرفاء كلَ حالةِ مـ.ـقـ.ـاومةٍ متميزة، ولو كانت تحدياً للهيمنة الغربية، أو [...]

تايوان والصراع على جبهة أشباه الموصلات

  إبراهيم علوش – الميادين نت ربما تبدو الجبهة الأوكرانية أكثر صخباً، وتداعياتها الاقتصادية على أوروبا والعالم أبلغ أثراً، وتناولها إعلامياً أشد إثارةً، لكنّ الجبهة الأكثر ضراوةً، هي، [...]
2022 الصوت العربي الحر.