شخصية د. بشار الأسد من خلال حواريته

April 18th 2013 | كتبها

 

في خضم حملة شيطنة د. بشار الأسد التي تنخرط فيها احتكارات الإعلام الغربية وأبواق البترودولار، بغرض تبرير السياسات العدوانية لحلف الناتو وحكام الخليج والزومبيين والإخونج إزاء سورية، لا بأس من إلقاء نظرة على شخصية الدكتور بشار الأسد كما ظهرت من خلال حواريته مع الفضائية الإخبارية السورية ليلة عيد جلاء الاحتلال الفرنسي عن سورية في 17/4/2013، وكما ظهرت من خلال حوارياته الأخرى مع وسائل إعلامية مختلفة ومع من جالسوه…

 

التركيز هنا سيكون على الشخصية والأداء الإعلامي، وليس على المضمون السياسي للحوار لأنه واضح،  ولأن عشرات المحللين المؤيدين والمعارضين لبشار الأسد أشبعوه تحليلاً.  أما الشخصية التي تظهر معالمها من خلال الحوار فلم تحظَ بالقدر نفسه من الاهتمام، في الوقت الذي تشتغل فيه معاول الهدم الإعلامي،  وبعض منابر المساجد في دول عربية مختلفة، في إظهار العدوان على سورية الدولة والجيش والشعب والوطن كأنه “مشكلة مع بشار”.

 

نلاحظ أولاً أن د. بشار الأسد يستخدم أسلوباً حوارياً، سقراطياً تقريباً، في طرح أفكاره.  فهو عندما يجيب سؤالاً يطرح سؤالاً مقابلاً، أو تساؤلاً، يضع المستمع منطقياً على طريق الإجابة التي يريد أن يصل إليها، أو “يمسّكه طرف الخيط” إذا صح التعبير.  ومن ثم يتبع ذلك بطرح تساؤل منطقي أخر يقود المستمع إلى استبعاد الاجابات الخاطئة المحتملة، أو إلى التركيز على الإجابة الصحيحة المحتملة، وهكذا، معتمداً على الاستنباط والاستدلال، وصولاً للإجابة النهائية.

 

هذه الطريقة في الإجابة على الأسئلة “تخربط” بعض الإعلاميين والمراقبين بالمناسبة ممن تعودوا على الإجابات المعلبة المقددة، أو ممن ينتظرون “الجواب-المعجزة”.  لكن منهج د. بشار الأسد في الحوار هو نهج حواري تماماً، يستبعد المعجزات اللفظية ليركز على المعالجة المنطقية المجردة من التزويق والبهرجة.  وهو نهج يتميز بأنه يخاطب عقل المشاهد أو المستمع من موقع الندية، أي أنه يحترم ذلك العقل، ولا يستعلي عليه، ولا يناور، ويقدم هيكله المنطقي بشفافية، سواء قررت أن تتفق معه أو تختلف، وهو أسلوبٌ يشتبك مع العقل بلباقة وذكاء.  فلو قارنا ما بين هذا وما بين الوجبات السريعة الجاهزة في الخطاب الإعلامي المقابل، سواء كانت خبيثة على نمط البي بي سي البريطانية أو مسطحة على نمط “الجزيرة” و”العربية”، لوجدنا أن منهج د. بشار الأسد في الخطاب هو أكثر تنوراً وحداثةً وتماسكاً واتزاناً بكثير، ويا حبذا لو تعلم الإعلام السوري منه بعضاً من هذا الأسلوب بالرغم من كل التقدم المهم الذي حدث في أداء ذلك الإعلام خلال العامين الأخيرين.

 

النقطة الثانية أن د. بشار الأسد يتعامل مع المتلقي بصورة متخففة من هالات القداسة التي يحيط بها حكام العرب أنفسهم، ويطرح كل شيء على الطاولة للنقاش، حتى منصبه كرئيس، وشخصه، ولا ترى الأنا المتضخمة تسيطر عليه، ولا الهيبة المتكلسة، مطلقاً.  وتظهر هذه الخاصية في حواراته أكثر مما تظهر في خطاباته الجماهيرية طبعاً.  وتراه وهو يستقي الأمثلة من التجارب العلمية (الأواني المستطرقة، الخ…)، أي أنه كثيراً ما يتعامل كمثقف، أكثر مما يتعامل كسياسي، ولا تراه يقدم نفسه كشخص معصوم فوق البشر ولا كوصي على الناس أو كظل الرحمة السماوية على الأرض، كما يفعل كثيرٌ من حكام العرب حالياً وسابقاً، وبهذا أيضاً فإن د. بشار الأسد يكون أكثر ملائمة كرئيس للقرن الواحد والعشرين قادرٍ على قيادة مشروع إصلاحي حقيقي، خاصة إذا ما قارناه بالشخصيات المهزوزة والمتضخمة والمملوءة بعقد النقص،  والاستعلاء المستمد زوراً من حكم السماء، التي تريد أن تحل محله.

 

لكن المشكلة في هذا النهج العقلاني المتنور في الواقع، وفي الخطاب المباشر المتجرد من أثقال الرسميات، أنه لا يصل للشخص الذي لا يتمتع بقدرات عقلية كافية، أو الذي لا يعترف بحكم العقل أصلاً، أو الذي تم تغييب عقله، أو الذي تعود أن يُسحق إلى درجة تجعله يفهم الخطاب النِدي المتجرد من الرسميات باعتباره رخصة لعدم الاحترام.  ولنلاحظ بالمقابل أن خطاب قوى الظلام، في أوروبا القرون الوسطى مثلاً، أو الذي يمارسه شيوخ الزومبيين والإخونج عندنا اليوم، يقوم على: 1) مصادرة عقل المتلقي بالترغيب والترهيب الأخروي، 2) زرع مجسات لاعقلانية في ذهنية المتلقي يمكن التلاعب بها لاحقاً عند الضرورة، 3) قيادة المتلقي كقطيع بلا عقل من خلال التلاعب بعاطفته الجمعية بعدها.

 

إذن الفكرة هي أن الإعلام السوري، والرئيس الأسد شخصياً، يجب أن يطورا خطاباً موازياً وإستراتيجية إعلامية وتثقيفية للتعامل مع الملايين من السوريين والعرب الذين بات ينطبق عليهم ما جاء في الفقرة السابقة بفعل المليارات التي انفقها البترودلار عن وعي وإدراك كاملين لتحويل المواطنين إلى زومبيين وأخونج، أو، على طرف النقيض، إلى ليبراليين متجردين من أي حس وطني أو قومي.  وربما يكون الخطاب الجماهيري القصير أنسب للتعامل مع هذه الحالة… وكذلك المضي بتأسيس خطاب إسلامي متنور لاطائفي وهو الأمر الذي تطرق إليه الرئيس بشار، والذي سبق أن اقترحته في بداية الأزمة.  وقد سبق أن أشرت وأصررت أن انحسار الفكر والحس القومي والوطني هو ما خلق الفراغ الذي سارع الفكر الظلامي بملئه.  ولذلك فإن مجرد عرض مقابلة د. بشار الأسد بمناسبة يوم الجلاء، هو جزء من الجهد المدروس لإعادة إحياء الحس الوطني المناهض للاستعمار، كما أن اختيار إعلامي عراقي، خاطبه السيد الرئيس باعتباره مواطناً عربيا، يحمل أكثر من رسالة قومية في آن معاً، وكذلك عرض صور وكلمات للقائد جمال عبد الناصر على شاشة الفضائية الإخبارية قبيل المقابلة، والرسالة وصلت… لكن لا يكفي، إذ لا بد من مشروع فكري تثقيفي كامل لإعادة تحرير العقل المستلب والمغيب، وإعادة الاعتبار للحس الوطني والفكر القومي العربي.

 

إبراهيم علوش

 

للمشاركة على الفيسبوك:

 

https://www.facebook.com/photo.php?fbid=642226002461305&set=a.306925965991312.96654.100000217333066&type=1

 

 

 

الموضوعات المرتبطة

المتباكون على الخلافة العثمانية

يطلع علينا بين الفينة والأخرى من يتباكى على قرون التجمد الحضاري خارج التاريخ في ظل الاحتلال العثماني، بذريعة أن ما تلاه كان تجزئة واحتلالاً وتبعية للغرب، والمؤسف أن بعض هذا الأصوات محسوبة [...]

الحرب الاقتصادية على سورية تتصاعد… محكمة فيدرالية في واشنطن تحكم بتعويض أمس مقداره 302 مليون دولار على الدولة السورية بعد إدانتها بمقتل المراسلة الحربية الأمريكية ماري كولفن

ويبدو أن العقوبات المالية بذرائع "قانونية" ستكون نهجاً مع سورية من الآن فصاعداً، كما كانت مع العراق وليبيا من قبل، في سياق تشديد الحرب الاقتصادية على سورية بعد فشل الصيغ الأخرى من العدوان [...]

حول الإعلان عن الانسحاب الأمريكي من سورية

حتى ساعاتٍ مضت، كانت الإشارات الصادرة من واشنطن توحي بأنها "باقية وتتمدد" في سورية، لا سيما مع الإعلان عن تأسيس نقاط وقواعد عسكرية جديدة لقوات "التحالف"، ومع تصريحات جيمس جيفري، المبعوث [...]

حول تعبير شعوب أو لغات “سامية”

  نجح المستشرقون باستدخال تعبير شعوب أو لغات "سامية" semitic للدلالة على الأقوام التي عاشت تاريخياً في المشرق العربي واللهجات التي يتحدثونها.. ويعرف من يعيشون في الغرب أن المقصود بتعبير "سامي" [...]

البعد الاقتصادي لاحتلال شرق سورية

إبراهيم علوش بالإضافة للبعد الجغرافي-السياسي، المتمثل بإقامة حاجز بين سورية والعراق، وقطع التواصل بين  أجزاء محور المقاومة، لا بد من التذكير بالبعد الاقتصادي فيما يتعلق بمناطق سيطرة "قسد" [...]
2019 الصوت العربي الحر.