من فكرنا القومي الجذري: لماذا جذري؟ وبماذا يختلف عن غير الجذري؟

June 11th 2013 | كتبها

 

نقول بأن نهجنا في لائحة القومي العربي هو نهجٌ قومي عروبي لأن أهدافه قومية (الوحدة والتحرير والنهضة)، ولأن بوصلته قومية (تحددها مصلحة الأمة العربية ككل، لا مصلحة قطر عربي واحد فحسب)، ولأن ثوابته قومية (وسنأتي على تعريف الثوابت في مادة أخرى)، ولأنه لا يعترف بمشروعية الحدود بين الأقطار العربية، ولأنه يرى أن تحقيق المشروع القومي غير ممكن بدون أداة عمل تنظيمي وجماهيري قومية البنيان، لا تساوي بحد ذاتها مجموع القوى قومية التوجه في كل قطر عربي على حدة، بل تساوي عملاً قومياً غير محكوم بحدود التجزئة الاستعمارية بين الاقطار العربية.

 

فماذا تعني الجذرية؟  ولماذا نقول: قوميون جذريون؟ 

 

باختصار، تعني النزعة الجذرية الذهاب بالأمور إلى نهاياتها وأسسها، أي إلى جذورها.

 

ففي العمل، تتجلى الجذرية بالمضي قدماً بطريق النضال حتى النصر أو الشهادة، أي بالسعي لتحقيق أهداف المشروع القومي كاملة، وهو ما يعني الاستعداد لبذل التضحيات والجهود لتحقيقها كاملة، كما يعني عدم التضحية بالاهداف بعيدة المدى لتحقيق مكاسب آنية (مثل الاعتراف بحق الكيان الصهيوني بالوجود بذريعة الحصول على “دولة” على جزء من فلسطين!).

 

وفي الموقف، تتجلى الجذرية باتخاذ موقف القطيعة النهائية مع أعداء الأمة وعملائهم وأنظمتهم ومشاريعهم السياسية وغير السياسية، لأن الموقف الوسطي والانتهازي والمتذبذب هو نقيض الموقف الجذري في السياسة.  مثلاً، ليس هناك نصف تطبيع أو ربع دعارة.   وليس هناك من إصلاح للتجزئة والتبعية والاحتلال، بل تغيير شامل لا يبقي لها أثراً.   والقومي الجذري يقيم المشهد السياسي وتطورات الاحداث من زاوية مصلحة الأمة دوماً، أي من زاوية الاصطفاف حول التناقض الرئيسي في كل لحظة، مع الطرف الأمريكي-الصهيوني أو ضده، ولا منطقة وسطى بين الجنة والنار.

 

وفي الرؤيا والتحليل، يكون الجذري أكثر عمقاً وشمولية، فهو لا يكتفي برؤية العوارض، أو بطرح حلول جزئية لمعالجة العوارض، بل يشخص الظواهر والمشاكل في العمق، ويطرح لعلاجها مشروعاً شاملاً هو المشروع القومي العربي الجذري.  مثلاً، مشكلات البطالة والفقر والجوع في الوطن العربي لا تحل بالعمل الخيري أو الحصول على قروض ومنح من الدول الإمبريالية ومؤسساتها، بل باستعادة العرب السيطرة على ثرواتهم وتوظيفها في مشروع تنموي حقيقي، وهو ما لا يمكن أن يتحقق إلا في سياق سيادة واستقلال وتكامل اقتصادي عربي، أي في سياق دولة الوحدة التي لا يمكن أن تأتي إلا عبر مشروع قومي حقيقي.

 

وفي البرنامج، يدرك الجذري العلاقة الضرورية بين التحرر القومي والتحرر الاجتماعي.  فالتجزئة والتبعية في الوطن العربي تدعم وجودهما الفئات المستفيدة منهما اقتصادياً واجتماعياً، والنهضة العربية لا تعني التصنيع والتنمية وازدهار الثقافة وحيوية المجتمع فحسب، بل تعني تحرر الإنسان العربي من الاستغلال والاضطهاد والظلم والأمية والجهل، وهو ما يعني بالضرورة أن النظام الاقتصادي-الاجتماعي الذي تقوم عليه دولة الوحدة لا يمكن أن يتعايش مع الاحتكار واستغلال الإنسان للإنسان، وبالنهاية، نحن غير معنيين بتحول دولة الوحدة إلى مزرعة لحفنة من المصارف والشركات الكبرى، فالوحدة للإنسان العربي، لا لاستثماره. 

 

ولا تعني الجذرية أن المناضل القومي لا يسعى لتحقيق المكاسب الآنية ما دامت تصب في مصلحة الهدف الآجل، ولا تتناقض معه أو تضحي به.  على العكس من ذلك تماماً، يؤمن المناضل القومي الجذري أن النصر الكبير هو حصيلة الانتصارات الصغيرة.  فرحلة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة، والمهم أن يكون اتجاه الرحلة سليماً.   ومن البديهي أن المشروع القومي لا يتحقق بطفرة فجائية، بل نتيجة تراكم بطئ لمئات آلاف الانجازات الصغيرة التي يحققها المناضلون القوميون.

 

كما لا تعني الجذرية أبداً رفض التعاون مع القوى والشخصيات التي تخدم مصلحة الأمة، من زاوية مقياس التناقض الرئيسي، في كل مرحلة تاريخية، بسبب وجود خلافات معها حول هذه النقطة أو تلك… فشتان ما بين الجذرية من جهة والجمود العقائدي من جهة أخرى.  فالجذرية تعني الثبات على المبدأ، والمرونة في وسائل تحقيق الهدف بما لا يتعارض مع الثوابت.  أما الجمود العقائدي فيعني الحفاظ الحرفي على الشكل، مع تضييع الجوهر والاتجاه والحيوية والهدف الآني والآجل. 

 

أخيراً، لا تعني الجذرية فرض قوالب جامدة على الواقع أو على الناس أو على الظروف فإما أن يكونوا أو تكون كما نرغب تماماً وإما ندخل في حالة من العزلة التطهرية!  على العكس تماماً، لا تتجلى الجذرية في الغرف المغلقة وحلقات الرفاق المتوافقين على معظم القضايا، بل تتجلى في النضال اليومي لتحقيق الانجازات الصغيرة التراكمية بالرغم من صعوبة الظروف وتشوه الوعي العام والمشاكل الشخصية التي يعيشها المناضل القومي الجذري.  فالجذرية تحدي ونضال يومي، وبوصلة نقية، وترفع عن المعارك الصغيرة، لمصلحة المشروع الكبير، المشروع القومي.

 

أبو ذر القومي

 

للمشاركة على الفيسبوك:

 

https://www.facebook.com/photo.php?fbid=626646294014219&set=a.419967428015441.105198.419327771412740&type=1

 

 

 

  

الموضوعات المرتبطة

ملاحظات على هامش اللحظة المصرية الراهنة

- لا يحتاج أي مراقب سياسي حصيف للكثير من الجهد ليلاحظ أن مصر يتم تطويقها اليوم من بوابة: أ – خطر الإرهاب في سيناء من الشرق، ب – خطر قطع مياه النيل من الجنوب، ج – الخطر التركي من الغرب [...]

العقب الحديدية وانحلال الجمهورية في الولايات المتحدة

"العقب الحديدية" هي الترجمة العربية لعنوان رواية جاك لندن The Iron Heel، أما ترجمة العنوان الحرفية الأدق فهي في الواقع "كعب القدم الحديدي" (بالمفرد)، وقد نُشرت عام 1908 من منظور مستقبلي، كأنها مذكرات [...]

العمل القومي: لا نجاح من دون التعلم من التجارب الفاشلة

إذا كانت التجارب القومية العربية خلال القرنين الأخيرين قد انكسرت أو فشلت، فإن ذلك لا يعني سقوط الفكرة القومية، كما أن سقوط السلطنة العثمانية لا يعني انتهاء مشروع الإسلام السياسي، وسقوط [...]

نقطة البداية في إعادة إحياء التيار القومي اليوم

بعد الاحتلال البريطاني لمصر في العام 1882، في ظلّ ولاية "حافظ الحمى والديار في وجه الاستعمار" السلطان عبد الحميد الثاني، باتَ شَطْب الوعي القومي العروبي لمصر ضرورة استراتيجية كصمام أمان [...]

الاستهداف الغربي للفكرة القومية العربية منذ محمد علي باشا

شكل القوميون العرب تاريخياً التيار الأكثر تعرضاً للاستهداف المنهجي في العصر الحديث بالضبط لأنه التيار الذي يشكل تحقيق أهدافه، مثل الوحدة والتحرير والنهضة، انقلاباً جذرياً في بنيان [...]
2020 الصوت العربي الحر.