في حدود التقاطع الأمريكي-السوري على ضرب التكفيريين

October 1st 2014 | كتبها

خريطة سورية والعراق حسب مناطق سيطرة داعش

من الزاوية الاستراتيجية، يمكن النظر للقصف الأمريكي لمناطق سيطرة التكفيريين في العراق وسورية بأنه يمثل وضعاً لليد على تلك المناطق، بمعنى تحويلها إلى مناطق نفوذ أمريكية و”حليفة” لكسر الترابط الجغرافي-السياسي ما بين طهران وبيروت. فقد اتضح من استراتيجية أوباما المعلنة لمواجهة “داعش” بأنها تقوم في أحد عناصرها على تأسيس “حرس وطني عراقي” وعلى بناء ألوية من آلاف المسلحين السوريين الموالين لواشنطن والمحور الخليجي، وبأنها استراتيجية محسوبة جيداً لكي لا تخدم محور المقاومة، بل لكي تقوضه على المدى البعيد.

من البديهي إذن أن واشنطن والرياض حريصتان على عدم استفادة محور المقاومة من سعيهما لاحتواء “داعش” و”النصرة”، وأنهما لا تريدان للتكفيريين أن ينهاروا فجأة ليتمدد الجيش العراقي أو السوري إلى مناطقهم، وهو ما يفسر لماذا لا تتخذ الضربات الجوية والصاروخية الأمريكية والحليفة للتكفيريين طابعاً استراتيجياً قاصماً، ولماذا يستطيع التكفيريون أن يجتاحوا عشرات القرى الكردية في شمال سورية أو مواقع للجيش العراقي حتى في ظل القصف الأمريكي لهم.

فإذا حاول الجيش العربي السوري مثلاً التمدد باتجاه أي مناطق تنسحب منها “داعش” أو “النصرة” تحت وطأة القصف الأمريكي، هل ستتركه واشنطن يفعل ذلك بكل هدوء وأريحية بدون أي ردة فعل؟ أم أنها ستتعامل مع تلك المناطق كدوائر نفوذ لها تقرر هي من يدخلها أو يُمنع من دخولها؟ وإذا قررت واشنطن وحلفاؤها أن يمارسوا ذلك النوع من الوصاية على تلك المناطق، لأنهم يوضحون مسبقاً بالفم الملآن أنهم لن يقبلوا بانتقالها من يد “داعش” و”النصرة” إلى أيدٍ يعلنون ويسرون العداء لها، هل يصح أن نعتبر قصف واشنطن وحلفائها لتلك المناطق قصفاً صديقاً، حتى دون أخذ مسألة انتهاك السيادة السورية والعراقية بعين الاعتبار؟!

وينبع كل هذا من افتراض غير مؤكد بأن واشنطن وحلفاءها يريدون فعلاً اجتثاث التكفيريين من المناطق التي يسيطرون عليها في سورية والعراق. وهو افتراض غير مؤكد لان الضربات الأمريكية والحليفة للتكفيريين تأخذ طابع الاحتواء والإضعاف أكثر مما تأخذ حتى الآن طابع الضربات الاستراتيجية القاصمة، فمن الطبيعي أن تفضل واشنطن وحلفاؤها بقاء مناطق التكفيريين في حالة من “الفوضى الخلاقة” على أن تنتقل لأيدي الجيش السوري، فإن خرجت من أيدي التكفيريين، فإنها لن تقبل أن يستلمها غير حلفائها، فواشنطن تؤجل الحسم مع التكفيريين سنواتٍ ريثما يصلب عود هؤلاء الحلفاء.

يتعلق الأمر في الحالتين بإحداث اختراق أمريكي استراتيجي في المشهد السوري والعراقي يؤسس إما لتفكيك الدولتين أو لفرض “حلول سياسية” تضعهما تحت الوصاية الأمريكية-الخليجية. لذلك يجب أن لا “نستأنس” كثيراً بضربات الولايات المتحدة وحلفائها للتكفيريين إذ كثيراً ما ينسى الغارقون في تفاصيل اللحظة السياسية الراهنة أن معركة الولايات المتحدة العسكرية المباشرة مع العراق مستمرة منذ عام 1990، وأن معركتها العسكرية مع سورية مستمرة منذ نحو أربع سنوات، وأن التصعيد السياسي والحروب بالوكالة ضد سورية أقدم بكثير، فما هذه إلا حلقة من حلقات العدوان الأمريكي على بلادنا، وما سبقها وما سيلحقها كان وسيبقى عدواناً.

تقوم ممارسة السياسة على تقاطعات وتعارضات بعضها مبدئي وبعضها استراتيجي وبعضها تكتيكي، وقد تقاطعت إيران مع الولايات المتحدة بعيد العدوان على العراق عام 2003 لكن من يفهم السياسة بشكل جامد لم يستطع أن يرى أن الصراع على العراق نفسه، من بين عوامل أخرى، حوّل ذلك التقاطع إلى تعارض ثم إلى تناقض رهيب بين إيران والولايات المتحدة تمثل كل المنطقة ملعبه. كذلك تشهد المنطقة صراعاً دولياً حاداً بين دول البريكس الصاعدة وبين الولايات المتحدة وحلفائها لا يخلو من تقاطعات هنا وهناك مثل التقاطع الروسي-“الإسرائيلي” على حقول الغاز في المتوسط. وتشهد المنطقة أيضاً صراعاً بين مشروع التفكيك الصهيوني والدول العربية المركزية على الرغم من كل فسادها وانتهاكاتها ومشاكلها. وتتجمع بؤرة كل تلك الصراعات والتقاطعات اليوم في سورية، فلا يمكن اعتبار البعد المحلي للأزمة السورية اليوم هو الأساس فيها حتى لو افترضنا صحة كل مزاعم أعداء سورية عن نظامها.

العبرة أن التقاطع بين سورية والولايات المتحدة على ضرب “داعش” و”النصرة” هو تقاطع مرحلي في سياق تناقض مبدئي واستراتيجي، أي أنه تقاطع غير مستقر وجزئي لأنه لا ينطلق من منظومة رؤى ومصالح ومشتركة، وهو ليس تقاطعاً استراتيجياً من ناحية أن الولايات المتحدة تحرص أن لا تصب نتائجه في خانة تقوية سورية ومحور المقاومة في المنطقة، ولو كان تقاطعاً استراتيجياً من ناحية إضعاف خصم عنيف وهمجي لن تتركه الولايات المتحدة يضعف وينهار، بعد أن خرج عن طوع من وظفوه في مشروعهم الإقليمي، دون إنشاء بديل مضمون له يمكن أن تستند الولايات المتحدة وحلفاؤها إليه. فإذا كانت سورية تعتبر أن ضربات أمريكا وحليفاتها للتكفيريين تثبت صحة موقفها منذ بداية الأزمة بأنها تخوض حرباً ضد الإرهاب، وبأن الإرهاب لا دين له ولا عقل، بدلالة ارتداده على من صنعوه ودعموه ومولوه، فإن الجانب الآخر من هذه المعادلة هو أن من يحاول احتواء التكفيريين وتحجيمهم اليوم هو نفسه من قاد المؤامرة الكونية على سورية منذ بداية أزمتها، وليس من المعقول ممن دبر مثل تلك المؤامرة وأدارها أن يريد الخير لسورية أو لمعسكر المقاومة بأي شكل من الأشكال.

إبراهيم علوش

البناء1/10/2014

للمشاركة على الفيسبوك

https://www.facebook.com/photo.php?fbid=963799316970637&set=a.306925965991312.96654.100000217333066&type=1&theater

الموضوعات المرتبطة

ما هي العروبة الحضارية؟

د. إبراهيم علوش هل تقوم العروبة على أساسٍ عِرقي أو عنصري، كما يزعم البعض؟ وهل يشكل الانتماء لـ"عِرقٍ عربيٍ صافٍ" أحد شروط الانتماء للعروبة، بما يخرج منها من لا ينحدرون من أصلابٍ عربية صرف من [...]

ثقافة “الوجبة السريعة” والصراع على وعي الكتلة الشبابية

د. إبراهيم علوش فجوة التواصل مع الشباب التي تطرق إليها د. عبداللطيف عمران مشكوراً، في مقالته "من يخاطب الشباب؟"، الأربعاء الفائت، تفتح الباب على تساؤلاتٍ كثيرة لطالما واجهت دعاة التحرر الوطني [...]

هل القضية الفلسطينية شأنٌ سوري؟

د. إبراهيم علوش لعل من أسوأ آثار سنوات الحرب الممتدة على سورية، والحصار الخانق، أن هناك من يظن أن هذه الآثار ستدفع البعض ليتساءل: ما لنا وفلسطين والقضية الفلسطينية؟ ولماذا لا نوقع معاهدة أو [...]

عروبة سورية: قدرٌ أم خيار؟

د. إبراهيم علوش ليس سراً أن بعض السوريين باتت لديهم ردة فعل حادة إزاء العروبة خلال السنوات الفائتة لعدة أسباب منها ما عانته سورية من ممارسات إرهابية وأعمال إجرامية ومواقف سياسية رعتها بعض [...]

فتح قومي عربي أم “غزو إسلامي”؟

- تعبير "الأقوام السامية" مصطلح توراتي، وغير علمي، وهو مثل "الشرق الأوسط" يستخدم للتعمية على حقيقة كون هذه الأقوام تشترك بقاسم مشترك واحد هو العروبة، وبالتالي فإن مصطلح "الأقوام السامية" يجب [...]
2019 الصوت العربي الحر.