الهوية العربية

May 19th 2010 | كتبها

د. إبراهيم علوش

السبيل 20/5/2010

هذا الاستفحال الظاهر أو المستتر لنزاعات الهويات الفرعية والمفتعلة والمفبركة، من صعدة للعراق  للأردن لدارفور إلى الصحراء الغربية الخ…، لم يأتِ صدفةً أو بلا سياق.  فالحملة ضد الهوية القومية والحضارية لأمتنا، أي على العروبة والإسلام، قديمة قدم الاستشراق نفسه، لكنها تبلورت كإستراتيجية سياسية ذات معالم ملموسة بالأخص في حقبة المعاهدات في التسعينات، ثم بشكل مكشوف بعيد احتلال العراق.   وكان اسم تلك الإستراتيجية: “الشرق أوسطية”.

ويبدأ نفي الهوية العربية في العقل الاستشراقي والمتغرب بمحاولة إظهار الوجود العربي خارج الجزيرة العربية كاحتلال أو كوجود طارئ منقطع الجذور، وبتقديم الفتح الإسلامي في حدود الوطن العربي الحالية كغزوٍ غاشمٍ لأقوام من الجزيرة العربية على أقوام أصيلة لا يرتبطون معها برابط.

وهو خلطٌ وتهويمٌ يتراوح ما بين الجهل الفاضح، والتوجيه المشبوه سياسياً والمخترق ثقافياً، لأنه يتجاهل عمق الرابط اللغوي والحضاري، وحتى العشائري، ما بين الجزيرة العربية وبقية أجزاء الوطن العربي.  فمناذرة العراق، وغساسنة بلاد الشام جاؤوا من شبه الجزيرة العربية كما هو معروف، وكذلك أظهر د. عثمان السعدي أن الأمازيع جاؤوا من اليمن قبل عدة ألفيات، ووضع قاموساً يظهر ترابط اللهجة الأمازيغية بالعربية، وبالفينيقية-الكنعانية القديمة، وهي من جدات اللغة العربية المسماة زوراً “السامية”، و”السامية” طبعاً هي اللفظة التي استحدثها المستشرقون من أجل إلغاء ذكر أي شيء عربي من تاريخ حضارة الإنسان كما يوضح د. أحمد الداوود في دراساته.  وهناك أيضاً دراسات د. عكاشة الدالي عن عروبة مصر القديمة، ناهيك عن مجلدات محمد عزة دروزة التي وثق فيها عروبة العراق وبلاد الشام ووادي النيل المتصلة منذ أقدم العصور.

وعلى كل حال، المراجع التي تؤكد العروبة المتصلة لبلادنا منذ أقدم العصور متوفرة لمن يبحث عنها، ونقول المتصلة لأن العروبة لا يخل بها احتلالٌ عابر، ولو طال به الأمد.  وفي مادة بعنوان “الفتح الإسلامي لم يكن غزواً” في مجلة البيان الكويتية، عدد شهري 7 و8 لسنة 1998، يظهر د. فؤاد المرعي أن اندفاع سكان العراق وبلاد الشام ومصر للانضواء تحت راية الإسلام، بعد ألف من الاحتلالين الرومي والفارسي، يعود أساساً لعدم قدرة الاحتلالين على اجتثاث العروبة التاريخية للمنطقة.  وتظهر نفس المادة أن المسلمين دخلوا بلاد الشام والعراق ومصر محررِين لا مستعمِرين، وأن المسلمين الأوائل كانوا يعرفون أن مسيحيي الشرق، أبناء عمومتهم بالنسب، كانوا مضطهَدين من الروم، وبالتالي أنهم سيؤيدونهم على أساس قومي عربي، ولو لم يدخلوا في الإسلام، فذلك حساب إستراتيجي واثق، لا عمل مغامر، يقوم على شعور غريزي بوحدة الأرض والثقافة والإنسان العربي في وعائه الجغرافي الطبيعي الذي لا يميز بين جزيرةٍ عربية، وهلالٍ خصيب، ووادي نيلٍ، ومغربٍ عربي، وهي العروبة التي هيأت لانتشار الإسلام نفسه كحركة وحدة وتحرير ونهضة للأمة العربية.   وثمة سبب، بالمقابل، لعدم تخلي فارس عن لسانها بعد الإسلام! 

وقد بات من الضروري أن نذكر اليوم بهذا في مواجهة غزاةٍ جدد يحاولون إظهار العروبة والإسلام في بلادنا كاحتلال طارئ، وفي مواجهة هويات التفكيك الدموي المدعومة غربياً. 

وتأتي التتمة الصهيونية المباشرة للرواية المؤسسة ل”الشرق أوسطية” من خلال نفي عروبة القدس قبل الإسلام، وهو ما يؤسس لزعم هوية يهودية مزيفة لها قبل الرومان.  وهو أمرٌ من أخطر ما يكون في ظل مشاريع تهويد القدس الحالية. 

وباني القدس هو “ملكي صادق” ملك قبيلة اليبوسيين الكنعانية.  فمن لا يصر على دور اليبوسيين العرب في تأسيس القدس وعلى عروبة الكنعانيين الناجزة عروبةً لا ريب فيها، وبالتالي عروبة أرض كنعان، فإنه يقدمها مع الأقصى لقمةً سائغة لليهود بذريعة ملكيتهم التاريخية لها.   فإذا مر العبرانيون يوماً بأرض كنعان كما يزعمون، فإنهم يكونون قد مروا بها كأي احتلال، وقبلهم ومعهم وبعدهم بقي الكنعانيون ليحافظوا على عروبة الأرض، وتلكم هي الهوية العربية المتصلة التي لا يبدلها أي احتلال.  

 

الموضوعات المرتبطة

في التوظيف السياسي لفكرة “القومية الآرامية”

- نقلت وسائل إعلام مختلفة في أواسط شهر أيلول 2014 أن وزارة داخلية الاحتلال الصهيوني قررت الاعتراف بما أسمته "القومية الآرامية" في فلسطين المحتلة، وأنها ستبدأ، بناء على ذلك، بوضع وصف "آرامي" إلى [...]

في الأزمات تكشف “الديموقراطية الأمريكية” عن لونها الحقيقي: سيف قانون لوغان يسلط فوق رأس جون كاري

سيف قانون لوغان لعام 1799 في الولايات المتحدة يسلط فوق رأس وزير الخارجية الأمريكي السابق جون كاري بعد تحدثه مع محمد جواد ظريف، وزير الخارجية الإيراني، بضع دقائق في مؤتمر في ميونخ انتقد وزيرُ [...]

على هامش “اللقاء الشعبي لدراسة سبل مواجهة صفقة القرن” في بيروت

كل عام وأنتم بخير، عشية هذا العيد، عسى أن يعاد على أمتنا العربية باليمن والبركات، - لاحظوا أن الاعتداءات الصهيونية تتصاعد على سورية كلما حقق الجيش العربي السوري تقدماً في مواجهة التكفيريين [...]

العربية والسريانية في بلاد الشام: أختان لا عدوتان

دخلت اللغة العربية بلاد الشام قبل الإسلام بقرونٍ طويلة، ولم تأتِ مع الغساسنة الذين يقول البعض أنهم وطئوا الشام من جهة الصحراء في القرن الثاني أو الثالث للميلاد، ويقول البعض الآخر إنهم قدموا [...]

الصراعات المؤجلة التي تنتظر الصين

الحرب التجارية التي تشنها الولايات المتحدة على الصين، سواء من خلال فرض الرسوم والجمارك والعوائق غير الجمركية على المنتجات الصينية، أم من خلال محاربة الشركات الصينية الريادية مثل "هواوي" [...]
2019 الصوت العربي الحر.