الجذور اليهودية للفكر التكفيري

August 19th 2015 | كتبها

الصهيونية والتكفير

من محمد أبو خضير إلى علي الدوابشة، إلى حرق المساجد والكنائس الفلسطينية، يمثل الحرق إذا قام به اليهودي صيغةً رمزية لتطهير الدنس والرذيلة عنده، وتحويله إلى أضحية للرب، ونلاحظ هنا وجه شبهٍ عجيباً بين الفكر التكفيري والفكر الصهيوني، حتى أن الأمر بالتحريق منصوص عليه في التوراة: “فَضَرْباً تَضْرِبُ سُكَّانَ تِلكَ المَدِينَةِ بِحَدِّ السَّيْفِ وَتُحَرِّمُهَا بِكُلِّ مَا فِيهَا مَعَ بَهَائِمِهَا بِحَدِّ السَّيْفِ. تَجْمَعُ كُل أَمْتِعَتِهَا إِلى وَسَطِ سَاحَتِهَا وَتُحْرِقُ بِالنَّارِ المَدِينَةَ وَكُل أَمْتِعَتِهَا كَامِلةً لِلرَّبِّ إِلهِكَ فَتَكُونُ تَلاًّ إِلى الأَبَدِ لا تُبْنَى بَعْدُ.” (تثنية 13: 15- 17).

تتحقق في التوراة والتلمود عموماً الصيغة الأولية لأحكام التكفير من خلال عناصرها الأساسية الثلاث: 1) اعتبار غير اليهود أميين أو أغياراً كفرة، 2) إعفاء اليهود من أي ضوابط أخلاقية في التعامل معهم، و3) منح الذات اليهودية حق إطلاق حكم التكفير على الأغيار وحق ممارسة التجاوزات بحقهم بسند شرعي يهودي تحول إلى ثقافة استعلاء واستذءاب.

يتجلي ذلك في علاقة خاصة مع الله عز وجل، بحسب زعمهم، تجعلهم مؤمنين وتجعل غيرهم كفرة بحق الولادة، وليس بحق الإيمان بالضرورة، كما جاء في سفر اللاويين (الإصحاح 20): “وقد أفرزتكم من بين الشعوب لتكونوا خاصتي”. وفي فكرة “مخالفة الكفار” والتجاوز عليهم وعلى أرضهم جاء في السفر نفسه: “لاَ تُمَارِسُوا عَادَاتِ الأُمَمِ الَّتِي سَأَطْرُدُهَا مِنْ أَمَامِكُمْ، لأَنَّهَا ارْتَكَبَتْ كُلَّ هَذِهِ الْقَبَائِحِ، فَكَرِهْتُهَا… وَوَعَدْتُكُمْ أن تَرِثُوا دِيَارَهَا. وَأَنَا أَهَبُكُمْ إِيَّاهَا لِتَمْتَلِكُوهَا، أَرْضاً تَفِيضُ لَبَناً وَعَسَلاً. فَأَنَا الرَّبُّ إِلَهُكُمْ، مَيَّزْتُكُمْ عَنْ بَقِيَّةِ الشُّعُوبِ”، وفي الإصحاح نفسه نجد وفرةً من أحكام القتل على تجاوزات أخلاقية مختلفة إذا مارسها يهود.

كذلك جاء في التلمود: “إذا ضرب غير اليهودي يهودياً فكأنه ضرب العزة الإلهية… إذا ضرب أمي إسرائيلياً فالأمي يستحق الموت (سنهدرين ص 2 و 58)، وجاء في تلمود القدس (ص 94) أن النطفة التي خلق منها غير اليهود هي نطفة حيوان. فمفهوم “نجاسة” الأغيار هو مفهوم تلمودي بالأساس. “لأن الأرواح غير اليهودية هي أرواحٌ شيطانية شبيهة بأرواح الحيوانات” (ص 43 من كتاب “الكنز المرصود في قواعد التلمود”)، ونلاحظ هنا مدى التشابه بين الفكر اليهودي والفكر التكفيري في التعامل مع الخارجين عن “الدين الصحيح” كأنهم من غير البشر، واقتصار مفهوم البشر على أصحاب “الفرقة الناجية”، وهي عند اليهود من يولد لأمٍ يهودية أو يؤمن بالعقيدة اليهودية، وينسحب مفهوم النجاسة وفقدان الصفة الإنسانية في التلمود على اليهودي المرتد، الذي يقرر الحاخامات أنه خرج من الملة، فيعتبرون مثل هؤلاء خنازير نجسة، كذلك يعتبرون أن غير اليهود هم حيوانات خلقوا لخدمة اليهود، إنما خلقهم الله على هيئة البشر ليكونوا لائقين لخدمة اليهود الذين خلقوا لأجلهم. أما الحكم على المرتد بالرجم والصلب، فهو حكم يهودي بالأساس… وكان مما جاء في التلمود:
• من حق اليهودي أن يقتل بيديه غير المؤمنين ، لأن الذي يهرق دماء غير المؤمنين يقدم قربانا لله.
• أقتل الصالحين من غير اليهود.

إفلا يشبه هذا القتل والتمثيل غير المقيدين اللذين تمارسهما القوى التكفيرية اليوم بحق من تعتبرهم كفاراً؟!

وجاء في سفر ميخا (4:13) في التوراة: “قُومِي وَدُوسِي يَا بِنْتَ صِهْيَوْنَ، لأَنِّي أَجْعَلُ قَرْنَكِ حَدِيدًا، وَأَظْلاَفَكِ أَجْعَلُهَا نُحَاسًا، فَتَسْحَقِينَ شُعُوبًا كَثِيرِينَ، وَأُحَرِّمُ غَنِيمَتَهُمْ لِلرَّبِّ، وَثَرْوَتَهُمْ لِسَيِّدِ كُلِّ الأَرْضِ”. فأليست هذه هي نفسها فلسفة داعش في التعامل مع أهل المناطق التي يدخلونها؟!

وفي سفر التثنية جاء: ” 1 مَتَى أَتَى بِكَ الرَّبُّ إِلهُكَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أَنْتَ دَاخِلٌ إِلَيْهَا لِتَمْتَلِكَهَا، وَطَرَدَ شُعُوبًا كَثِيرَةً مِنْ أَمَامِكَ: الْحِثِّيِّينَ وَالْجِرْجَاشِيِّينَ وَالأَمُورِيِّينَ وَالْكَنْعَانِيِّينَ وَالْفِرِزِّيِّينَ وَالْحِوِّيِّينَ وَالْيَبُوسِيِّينَ، سَبْعَ شُعُوبٍ أَكْثَرَ وَأَعْظَمَ مِنْكَ، 2 وَدَفَعَهُمُ الرَّبُّ إِلهُكَ أَمَامَكَ، وَضَرَبْتَهُمْ، فَإِنَّكَ تُحَرِّمُهُمْ. لاَ تَقْطَعْ لَهُمْ عَهْدًا، وَلاَ تُشْفِقْ عَلَيْهِم”. ولو استبدلنا اسماء الجماعات الكنعانية الواردة في التوراة بأسماء الجماعات الطائفية في العراق وسورية، فإننا نجد أنفسنا إزاء ممارسات تكفيرية مستندة إلى التوراة.. لا إلى إعلام التكفير مثل ابن حنبل والغزالي وابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب فحسب.

إذن نرى بوضوح أننا إزاء ثقافة تكفير واستباحة للآخر كعقيدة، لا إزاء مجموعة تجاوزات فردية مثلاً، وأن هذه الثقافة التوارتية والتلمودية هي المصدر الأساسي للفكر والممارسات التكفيرية في الغرب والشرق وفي الماضي والحاضر، بما تمثله من شرعنة لامتهان المخالفين من دون أي ضوابط، وفي هذا نجد نقاط التقاطع بين الفكر الصهيوني والفكر التكفيري على مستوى عقائدي، حتى دون النظر في نقاط التقاطع السياسية الراهنة مثل الإسهام في مشروع التفكيك وتلقي الدعم من العدو الصهيوني عبر جبهة الجولان، فهذا الفكر أقرب للـ”إسرائيليات” منه للإسلام. فالتكفيريون يطلقون حكم التكفير على كل الطوائف الدينية الأخرى، المسلمة وغير المسلمة، ويتعالون عليها، ويمنحون أنفسهم حق استباحتها فرادى وجماعات، ويفعلون ذلك من دون صفة دينية رسمية استناداً لما يعتقدون أنه سندٌ شرعي، وإلى هنا تنطبق عليهم القواسم المشتركة مع بقية التكفيريين عبر تاريخ الأديان، غير أنهم في كل ذلك لا يمثلون أكثر من فرع في شجرة جاءت بذرتها من التوراة والتلمود، حتى لو وجدت خصوصيات تميز التكفير العربي الإسلامي في القرن الواحد والعشرين عما سواه.

إبراهيم علوش

البناء 19/8/2015

للمشاركة على فيسبوك:

https://www.facebook.com/photo.php?fbid=1166514900032410&set=a.306925965991312.96654.100000217333066&type=1&theater

الموضوعات المرتبطة

ما هي العروبة الحضارية؟

د. إبراهيم علوش هل تقوم العروبة على أساسٍ عِرقي أو عنصري، كما يزعم البعض؟ وهل يشكل الانتماء لـ"عِرقٍ عربيٍ صافٍ" أحد شروط الانتماء للعروبة، بما يخرج منها من لا ينحدرون من أصلابٍ عربية صرف من [...]

ثقافة “الوجبة السريعة” والصراع على وعي الكتلة الشبابية

د. إبراهيم علوش فجوة التواصل مع الشباب التي تطرق إليها د. عبداللطيف عمران مشكوراً، في مقالته "من يخاطب الشباب؟"، الأربعاء الفائت، تفتح الباب على تساؤلاتٍ كثيرة لطالما واجهت دعاة التحرر الوطني [...]

هل القضية الفلسطينية شأنٌ سوري؟

د. إبراهيم علوش لعل من أسوأ آثار سنوات الحرب الممتدة على سورية، والحصار الخانق، أن هناك من يظن أن هذه الآثار ستدفع البعض ليتساءل: ما لنا وفلسطين والقضية الفلسطينية؟ ولماذا لا نوقع معاهدة أو [...]

عروبة سورية: قدرٌ أم خيار؟

د. إبراهيم علوش ليس سراً أن بعض السوريين باتت لديهم ردة فعل حادة إزاء العروبة خلال السنوات الفائتة لعدة أسباب منها ما عانته سورية من ممارسات إرهابية وأعمال إجرامية ومواقف سياسية رعتها بعض [...]

فتح قومي عربي أم “غزو إسلامي”؟

- تعبير "الأقوام السامية" مصطلح توراتي، وغير علمي، وهو مثل "الشرق الأوسط" يستخدم للتعمية على حقيقة كون هذه الأقوام تشترك بقاسم مشترك واحد هو العروبة، وبالتالي فإن مصطلح "الأقوام السامية" يجب [...]
2019 الصوت العربي الحر.