من التنف إلى جنيف..

May 27th 2017 | كتبها

لا يحق لأحدٍ أن يسائل سورية كيف تحرك قواتها وكيف تؤكد سيادتها على أرضها

د. إبراهيم علوش

إذا كانت رسالة العدوان الأمريكي الغادر على إحدى نقاط الجيش العربي السوري والقوات الحليفة على طريق معبر التنف في البادية السورية الأسبوع الفائت هي “ضرورة الابتعاد” عن المناطق الحدودية شرق سورية وجنوبها، فقد جاء الرد السوري عليها واضحاً بتثبيت النقطة التي تعرضت للاستهداف وبتوسيع رقعة المناطق المستعادة في ريف السويداء الشرقي وريف دمشق وفي البادية أقصى جنوب شرق ريف حمص حيث يقع معبر التنف نفسه.

فإذا كان المقصود من ذلك العدوان هو “رسم خطوط حمراء” في رمال البادية “تقيّد” سيادة الدولة السورية على أرضها، فقد جاء بيان القيادة العامة للجيش والقوات المسلحة السورية واضحاً أيضاً: “إن محاولة تبرير هذا العدوان بعدم استجابة القوات المستهدفة للتحذير بالتوقف عن التقدم مرفوضة جملةً وتفصيلاً،  فالجيش العربي السوري يحارب الإرهاب على أرضه ولا يحق لأي جهة أياً كانت أن تحدد مسار ووجهة عملياته ضد التنظيمات الإرهابية”،  أي لا يحق لأحدٍ أن يسائل دولة مستقلة مثل سورية كيف تحرك قواتها وكيف تؤكد سيادتها على أرضها، فهو حقها الطبيعي وواجبها، إنما يقع الإثم على من ينتهك سيادة سورية ليهاجم من يحارب العصابات الإرهابية التي يزعم أنه جاء (من دون إذن الدولة السورية) ليحاربها.

جاء ذلك العدوان “المتردد” و”المحدود”، في الواقع، على طريق التنف، بين سورية والعراق والأردن،  ليزجي رسالة نارية لوفد الجمهورية العربية السورية في محادثات “جنيف 6” التي كانت قد شُنت الغارة إبان انعقادها، ولهذا فقد كان هنالك بالضرورة قرارٌ سياسيٌ بأن يكون العدوان، وبألا يكون تصعيدياً أكثر من اللزوم، في آنٍ معاً.  أن يكون، في محاولة للتعويض عن ضعف أوراق موزاييك الجماعات المناوئة للدولة السورية وتخبطها وتضارب أجندات مموليها ومصالحهم، لاسيما أن محادثات “جنيف 6” افتُتِحت تحت قوس القابون وانتصارات أخرى، وما كان من الممكن “للقوم”، سياسياً، أن يتحملوا المزيد من الانكسارات في البادية.  وألا يكون ذلك العدوان تصعيدياً أكثر من اللزوم، لأن ذلك كان سيقوض “العملية السياسية” التي يرجون ابتزاز التنازلات تحت سقفها.

كان العدوان إذاً لعباً أمريكياً محسوباً بالنار مع الند الروسي بعد موقفه الصلب من العدوان الأمريكي على مطار الشعيرات، لأنهم توهموا أن حشداً على الحدود الجنوبية تَجَمّعَ فيه كلُ لِسنٍ وأمةٍ، فما يُفهِم الحداثَ إلا التراجمُ، على حد تعبير شاعرنا المتنبي، قد يؤتي أكله في جنيف، فكان الرد هو الحق والواجب المشروع بالتوجه لاستعادة المناطق الحدودية، وكان العدوان بالتالي على طريق التنف، فيما بقي الموقف السوري في جنيف صلباً متوازناً كالعادة لا يشق له غبار، وأضحى الجيش العربي السوري كأنه يسترد إلى الوطن مجدداً قلعة الحدث الحمراء، فهل الحدثُ الحمراء تعرفُ لونها، وتعلمُ أيُ الساقيين الغمائمُ؟!

خلال مباحثات جنيف أيضاً شن إرهابيو “داعش” هجوماً دموياً في ريف حماة وارتكبوا مجزرةً مريعة بالمدنيين، ولكن ذلك الهجوم تم صده واحتواؤه.  فالجيش العربي السوري وحلفاؤه هو من يقاتل الإرهابيين حقاً ودوماً ولا يريد من الراقصين مع ترامب في الرياض حمداً ولا شكورا، إنما يريد أن يفكوا بلاءهم عن سورية، فمن يتبجح بمقولة “محاربة الإرهاب” لا يحارب من يحاربونه، ولا يجعل منها ذريعةً للنيل من المقاومة ولشطب فلسطين وللتحالف مع الكيان الصهيوني، أو لتدمير سورية واليمن كما تم تدمير ليبيا والعراق، أو لمنح ثروات الأمة للولايات المتحدة الأمريكية فيما الشباب العربي يعاني البطالة وقلة الفرص وفيما المجاعة والكوليرا تحصد أرواح اليمنيين حصداً.

وخلال مباحثات “جنيف “6 زعموا أن انجازاً تحقق بتناول “تفاصيل تقنية” تتعلق بدستور جديد، لكنه لعبٌ مفوتٌ بخناجر الوقت الدموي في مستهل السنة السابعة للعدوان الإقليمي والدولي على سورية ممن لا يريد لسورية أن تستعيد استقرارها، وسورية من جهتها لا تفوت فرصةً للحل السياسي إلا سارت بها حتى النهاية، لكن النموذج العملي الملموس لاستعادة السلام والاستقرار إلى ربوع سورية ثبت أنه ذاك الذي يخطه السوريون أنفسهم من خلال المصالحات المحلية التي كان آخرها، خلال مباحثات جنيف، مصالحة حي الوعر في حمص التي خرجت بموجبها الدفعة الأخيرة من المسلحين الراغبين بالخروج مع عائلاتهم إلى جرابلس أو إدلب، ليبقى من يريد أن يبقى سالماً آمناً تحت سقف الدولة.

تشرين 24/5/2017

http://tishreen.news.sy/?p=91411

للمشاركة على فيسبوك:

https://www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=1738177756199452&id=100000217333066&pnref=story

الموضوعات المرتبطة

ملاحظات على هامش اللحظة المصرية الراهنة

- لا يحتاج أي مراقب سياسي حصيف للكثير من الجهد ليلاحظ أن مصر يتم تطويقها اليوم من بوابة: أ – خطر الإرهاب في سيناء من الشرق، ب – خطر قطع مياه النيل من الجنوب، ج – الخطر التركي من الغرب [...]

العقب الحديدية وانحلال الجمهورية في الولايات المتحدة

"العقب الحديدية" هي الترجمة العربية لعنوان رواية جاك لندن The Iron Heel، أما ترجمة العنوان الحرفية الأدق فهي في الواقع "كعب القدم الحديدي" (بالمفرد)، وقد نُشرت عام 1908 من منظور مستقبلي، كأنها مذكرات [...]

العمل القومي: لا نجاح من دون التعلم من التجارب الفاشلة

إذا كانت التجارب القومية العربية خلال القرنين الأخيرين قد انكسرت أو فشلت، فإن ذلك لا يعني سقوط الفكرة القومية، كما أن سقوط السلطنة العثمانية لا يعني انتهاء مشروع الإسلام السياسي، وسقوط [...]

نقطة البداية في إعادة إحياء التيار القومي اليوم

بعد الاحتلال البريطاني لمصر في العام 1882، في ظلّ ولاية "حافظ الحمى والديار في وجه الاستعمار" السلطان عبد الحميد الثاني، باتَ شَطْب الوعي القومي العروبي لمصر ضرورة استراتيجية كصمام أمان [...]

الاستهداف الغربي للفكرة القومية العربية منذ محمد علي باشا

شكل القوميون العرب تاريخياً التيار الأكثر تعرضاً للاستهداف المنهجي في العصر الحديث بالضبط لأنه التيار الذي يشكل تحقيق أهدافه، مثل الوحدة والتحرير والنهضة، انقلاباً جذرياً في بنيان [...]
2020 الصوت العربي الحر.