أردوغان من ريف إدلب إلى الغوطة الشرقية

January 10th 2018 | كتبها

د. إبراهيم علوش

تشتعل الجبهات مجدداً، من الغوطة الشرقية إلى ريف إدلب الجنوبي، فيما يبدو أنه تصعيد تركي بالوكالة في سورية. وإذ وسّع الجيش العربي السوري والقوات الرديفة والحليفة السيطرة على بلدات وقرى ريف إدلب الجنوبي، وكسر في الآن عينه حصار العصابات المسلحة الإرهابية عن حامية إدارة المركبات في حرستا في الغوطة الشرقية، فقد كشفت مصادر إعلامية روسية أن محاولة استهداف قاعدة حميميم أكثر من مرة مؤخراً بالقنابل المحملة على طائرات مسيرة عن بعد تم باستخدام أسلحة تم تهريبها عبر الحدود مع تركيا، وهي المحاولة التي تصدت لها وسائل الدفاع الجوي السوري والروسي. وكانت ماريا زاخروفا، الناطقة بلسان وزارة الخارجية الروسية، قد صرحت، تعليقاً على محاولة استهداف العسكريين الروس في حميميم في ريف اللاذقية بصواريخ عدة اسقطتها منظومة “بانتسير” الروسية، كانت قد اطلقتها العصابات الإرهابية قبل أيام من نهاية عام 2017 من منطقة بداما بريف إدلب التي تبعد كيلومترات معدودة عن الحدود التركية، بأن “الوقائع تدل على أن دعم التشكيلات الإرهابية بالسلاح من الخارج لم يتوقف حتى الآن”.

ويشار إلى أن تقارير إعلامية روسية تحدثت أيضاً عن تزويد أردوغان لعصابات “النصرة” الإرهابية بصواريخ مضادة للطائرات. كما يشار إلى أن من اطلق العنان لحملة تخريب اتفاقية “تخفيف التوتر” في الغوطة الشرقية هو “النصرة” وعصابة “حركة أحرار الشام” الإرهابية المرتبطة عضوياً بتركيا من الشمال السوري إلى حرستا وعربين والمناطق المجاورة. ومن الواضح أن محاولة تركيا زعزعة الاستقرار الهش في مناطق “تخفيف التوتر”، ومحاولة استهداف قاعدة حميميم، جاءت رداً على القرار السوري المدعوم روسياً باستهداف عصابات “النصرة” الإرهابية في أرياف حماة وإدلب وحلب، فالخلاف لا يزال قائماً مع تركيا حول الموقف من “النصرة” بالرغم من تفاهمات “أستانا” و”سوتشي” معها، ومن البديهي أن تركيا تعدّ حق الدولة السورية وواجبها في محاربة الإرهاب بكل مسمياته وبإعادة فرض سيادتها على كل بقعة خارجة عن سيطرتها على مساحة الجغرافيا السورية تهديداً لأحلامها التوسعية، ومن هنا نفهم المشروع التركي لتأسيس عدة قواعد عسكرية في الشمال السوري، في تجاهل تام لتفاهمات “آستانا”، وفي تعدٍ واضح على سيادة الجمهورية العربية السورية، ومن هنا أيضاً نفهم استكمال تركيا بناء إحدى تلك القواعد في 1 تشرين الثاني الفائت في قمة جبل الشيخ بركات قرب مدينة دارة عزة في ريف حلب الغربي، وتسيير دوريات تركية باتجاه منطقة بداما التابعة لجسر الشغور في ريف إدلب، وهي المنطقة التي سبق الذكر أعلاه بأنها موضع إطلاق الصواريخ على حميميم بعد بدء “استطلاعها” من قبل القوات التركية بأقل من شهرين… ومن هنا نفهم وصول القوات التركية إلى مناطق بريف اللاذقية الشمالي!

تلك هي الخلفية التي تساعد على وضع تصريحات أردوغان في تونس في نهاية العام الفائت في سياقها، والتي عاد فيها إلى معزوفته القديمة الفارغة عما سوف “يسمح” أو “لا يسمح” به في “رسم مستقبل سورية”، والأهم في تلك التصريحات ما اطلقه من عنتريات عن “أنه من المستحيل أن يتولى الإشراف على إدلب” الرئيس بشار الأسد، كأن هذا المعتوه المملوء بوهم العظمة هو الذي يملك حق تحديد ما يجري على أي بقعة من الأرض العربية السورية، وكأنه يتخيل أن مثل تلك التصريحات المتغطرسة سوف تنسينا دعمه المفضوح للإرهاب على الأرض السورية على مدى سنوات، أو سوف تنسينا أن الدور التركي في شمال سورية غير مشروع وغير مرحب به قط، وكأن أردوغان يظن بأن انتهاك القوات التركية لسلامة أراضي الجمهورية العربية السورية ووحدتها سوف يمر مرور الكرام، لا بل كأن هذا المجنون نسي أن من هزم العصابات الإرهابية في حلب ودير الزور والبادية السورية والغوطة الغربية سوف يعجز عنها في الغوطة الشرقية أو إدلب، وكأنه يتناسى، إيغالاً في الوهم، كل الدروس التي تلقنها مع انكسار المشروع العثماني التوسعي على صخرة سورية العربية وشعبها وجيشها وأسدها.

تصريحات مولود جاويش أوغلو، وزير الخارجية التركي، على هامش زيارة أردوغان لباريس، لإذاعة “صوت إسرائيل” بالعبرية بأن العلاقات مع “إسرائيل” سوف تستمر بسبب ما سمّاه “المصالح المشتركة”، “بالرغم من التوتر حول الملف الفلسطيني”، لا يمكن فهمها أيضاً بمعزل عن تصريحات أوغلو نفسه لوكالة الأنباء الألمانية في مستهل هذا العام عن ضرورة ما سمّاه “تنحي الأسد”، وبأنه “لا مكان له حتى في المرحلة الانتقالية”، وإلى ما هنالك من خزعبلات لا تصمد كثيراً في وجه الوقائع الميدانية والسياسية التي فرضتها الدولة السورية على الأرض، إنما هي حشرجة من هُزم مشروعه استراتيجياً، ووجد نفسه في زاوية إدلب ثم على وشك أن يُخرَج منها، فراح يعلّي السقف ويحرك القلاقل ويثير أوكار الإرهاب لعله يزيد من ثقله على طاولة المفاوضات، لكنها مغامرة سترتد إلى نحور القائمين عليها، لا سيما أن التحرش بالروس سبق أن جربه أردوغان من قبل، وهو يعرف جيداً أنه مغامرة سوف يدفع ثمنها غالياً، وقد جاء الرد السوري والروسي عنيفاً بدك أوكار الإرهابيين المدعومين من تركيا في أكثر من مكان.

فتح معركة الغوطة الشرقية جاء لتخفيف الضغط على “النصرة” وأخواتها في ريف إدلب، وللحفاظ على شيء من النفوذ التركي في المفاوضات المتعلقة بسورية، فنظام أردوغان يعرف أنه أعجز من أن يفرض شيئاً على سورية وحلفائها حول شكل الحكم فيها، ولذلك نجده يلعب مجدداً بورقة الإرهاب ليقول: “أنا هنا”! أما الباقي فأضغاث أحلام. بالرغم من ذلك، لا نستطيع أن نتغافل عن حقيقة أن منظومة القواعد العسكرية التركية المزمعة في الشمال السوري هي في بعدها الاستراتيجي “طوقٌ” ناتوي مقابل لقاعدتي حميميم وطرطوس، أو أن نتغافل عن حقيقة أن الدعم التركي للإرهاب لا يتم بمعزل عن الدعم الأمريكي له، ومن ذلك ما رشح مؤخراً عن نقل مروحيات أمريكية لقوات من “داعش” من مخيم السد جنوب الحسكة إلى جهة مجهولة، وسعي الولايات المتحدة لتأسيس جماعة إرهابية بمسمى جديد هو “الجيش السوري الجديد”، وما زعمت أمريكا أنه “خط أحمر” رسمته شرق الفرات، مما يؤكد أن تركيا تستظل جزئياً في تحركاتها في سورية بالمظلة الأمريكية بالرغم من التناقض مع الولايات المتحدة حول ملف دعم الأخيرة لـ”قوات سورية الديموقراطية” وملفات أخرى.

في السياق الأشمل، لا نستطيع أن نفصل تأسيس قواعد عسكرية تركية في شمال سورية عن سعي نظام أردوغان لتثبيت قواعد عسكرية للمشروع العثماني في عموم الوطن العربي، من القاعدة التركية في قطر، إلى القاعدة التركية في الصومال، إلى القواعد التركية في شمال العراق، إلى المفاجأة التي فجرها أردوغان بإعلانه، خلال زيارته السودان مؤخراً، عن إقامة منشأة وقاعدة عسكرية كبيرة في جزيرة سواكن السودانية على البحر الاحمر، قرب باب المندب، مما فجر أزمة دبلوماسية بين مصر والسودان. مشروع التوسع العثماني يحاول مد أذرعه إذاً في عموم الوطن العربي، وفي مفاصل استراتيجية، ليهدد الأمن القومي العربي في الصميم، وهو يواصل إقامة أوثق العلاقات العسكرية والأمنية والاقتصادية مع الكيان الصهيوني، فيما يتشدق بالدفاع عن القدس وغزة وفلسطين. فسورية ليست وحدها المستهدفة من قبل هذا المشروع، ولكن سورية هي حارسة الجبهة العربية في مواجهة المشروع العثماني (والصهيوني بالضرورة)، ولن يستطيع المشروع العثماني فرض وجوده الشامل إلا بتخطيها، وقد حملت سورية على عاتقها عبء مواجهته بالنيابة عن كل الأمة، ولذلك فإن الدفاع عن سورية في وجه التمدد العثماني يظل أولوية أولى للدفاع عن الأمن القومي العربي، وهو الدرس الذي يتوجب أن يفهمه حمقى بعض الأنظمة العربية الذين يتوجسون من التغلغل العثماني، ويعيثون خراباً في سورية في الآن عينه.

تشرين 10/1/2017

http://tishreen.news.sy/?p=131029

للمشاركة على فيسبوك:

أردوغان من ريف إدلب إلى الغوطة الشرقيةد. إبراهيم علوشتشتعل الجبهات مجدداً، من الغوطة الشرقية إلى ريف إدلب الجنوبي، ف…

Geplaatst door ‎إبراهيم علوش‎ op woensdag 10 januari 2018

الموضوعات المرتبطة

خمسة خيارات للسياسة الأوروبية في سورية

د. إبراهيم علوش تحت عنوان "خيارات الاتحاد الأوروبي في التعامل مع نظام الأسد"، نشر مركز أبحاث هولندا للعلاقات الدولية Clingendael ورقةً في نهاية الشهر الفائت، هي حصيلة ورشة عمل عقدها المركز [...]

خمس سنوات من العدوان: اليمن يقاتل.. إذاً هو موجود

د. إبراهيم علوش لم يكن على اليمن أن ينتظر الكورونا ليذوق طعم الجائحة، إذ أن الكوليرا غزته في خضم العدوان، ولم يدفع ذلك قوى العدوان إلا لزيادة الحصار عليه تشدداً، فيما شاح العالم بوجهه عن [...]

نظرة في البنية التحتية للإرهاب الدولي: شركة “سادات” التركية أنموذجاً

د. إبراهيم علوش خلال معارك شمال غرب سورية بداية الشهر الجاري، برز فرقٌ كبيرٌ في الأرقام الواردة عن خسائر الجيش التركي بين ما اعترفت فيه تركيا رسمياً (59 قتيلاً)، وبين ما نقلته المصادر [...]

مأثرة أسياد المقاومة في سراقب

د. إبراهيم علوش شتان ما بين أن تكون "حليفاً" للطرف الأمريكي-الصهيوني، فيفرض عليك ذلك "الحليف" أن تتبع له وتخضع، ويأخذ منك ويأخذ، كما ما زالت تفعل إدارة ترامب مع حكام دول الخليج العربي، ليخذلك [...]

ماذا تريد الدولة العميقة الأمريكية في سورية؟

د. إبراهيم علوش صدر في 12 شباط الفائت تقريرٌ من 42 صفحة بعنوان "النزاع المسلح في سورية: لمحة عامة والرد الأمريكي" عن مركز الأبحاث التابع للكونغرس الأمريكي Congressional Research Service، وهو مركز أبحاث تأسس [...]
2020 الصوت العربي الحر.