أكذوبة “الخوذ البيضاء” .. أصلها وفصلها

February 28th 2018 | كتبها

د. إبراهيم علوش

من يُصدقْ معظم وسائل الإعلام الغربية والعربية يتوهمْ أن كل مقذوف أُطلق من أو على دمشق وريفها خرج حصرياً من سبطانة تابعة لأحد قطاعات الجيش العربي السوري وحلفائه، ويظنْ أن المستهدف من هذه القذائف والصواريخ هو “المدنيون الآمنون المسالمون” في الغوطة الشرقية!

مروجو تلك الدعاية الحربية الكاذبة لا يغطون طبعاً مشاهد الإرهابيين التكفيريين الذين يتخذون من المدنيين دروعاً بشرية في الغوطة ولا بشاعاتهم القروسطية، حتى عندما يستعرض اولئك الإرهابيون أقفاصَ الأسرى من النساء والرجال والأطفال في الشوارع، ولا يغطون تتابع المجازر اليومية في دمشق التي تُسببها قذائف وصواريخ الإرهابيين الملقاة بشكلٍ متعمدٍ على مرافق المدينة ومدارس الأطفال ومراكز الهلال الأحمر العربي السوري والمارة والسيارات في الشوارع في ساعات الذروة، ولا ينشرون اسماء الشهداء من المدنيين والعسكريين الذين ارتقوا نتيجة الاعتداءات الإرهابية ولا المقابلات مع احِبَتِهم واقاربهم واولادهم، ولا يعرضون كل الصور والفيديوهات التي تكشف حجم الفبركة المسرحية في سردية “قتل المدنيين في الغوطة”.

مروجو تلك السردية، فضلاً عن ذلك، لا يقولون لنا إن كانت حكومات البلدان التي يبثون دعاتهم الحربية منها يمكن أن تتسامح مع وجود جماعات إرهابية تكفيرية في محيط عواصمها تدأب على استهداف المدنيين فيها يومياً، لكنْ كما في معركة استرداد أحياء شرق حلب من قبلُ، وفي عموم سورية، برزت مجدداً، عشية معركة اجتثاث الإرهاب التكفيري من شرق الغوطة، ظاهرة مسبقة الصنع انتجتها مختبرات الإعلام الحربي المعادي، ظاهرة موجهة سياسياً واستخبارياً لتسويغ الإرهاب التكفيري والعدوان الكوني على سورية، هي ظاهرة “الخوذ البيضاء” التي يخوض الإعلام المقاوِم، والإعلام الروسي، معركة شعواء مع وسائل إعلام غربية ناطقة بلغات مختلفة، ووسائل إعلام بترودولارية، لكشفها على حقيقتها كثمرة للعلاقة العضوية بين الدول الغربية والإرهاب التكفيري في سورية.

“الخوذ البيضاء”، المسماة زوراً “الدفاع المدني السوري”، يقول موقعها على الشبكة العنكبوتية أنها منظمة “غير منحازة وحيادية” و”لا تدين بالولاء لأي حزب سياسي”، “هدفها تقديم الإغاثة الطبية العاجلة في الأماكن التي تتعرض لهجمات في سورية”!

لكنَ القليل من البحث في تاريخ تلك المجموعة وارتباطاتها ونشاطاتها سوف يظهر أنها ليست حيادية بتاتاً، وأنها مرتبطة بـ”جبهة النصرة” وأخواتها ميدانياً، وأنها مدعومة من الدول الغربية مالياً وإعلامياً، وأنها توظف سياسياً في لحظات مفصلية في محاولة لـ”ترجيح” وجهة نظر الجماعات الإرهابية والتكفيرية والدول الغربية والرجعية العربية الداعمة لها.

هكذا تحولت “الخوذ البيضاء” رسمياً إلى إحدى أدوات حروب الجيل الرابع لـ”تغيير النظام”، ولذلك دأب الغرب على “تمجيدها” و”التغني بشجاعتها” و”الذود عنها” إعلامياً، وحَظَر من أجلها بعض المواد الإعلامية عن الشبكة العنكبوتية، وبذل جهوداً حثيثة وموارد فنية ومالية لإغراق الحقائق الثابتة عنها في بحرٍ من التضليل. على سبيل المثال، نال فيلم وثائقي قصير بعنوان “الخوذ البيضاء” جائزة أوسكار من هوليود قبل عامٍ بالضبط، وهو فيلم من إنتاج شركة Netflix الأمريكية التي تنشر الأفلام على الإنترنت، وقد علّق السيد الرئيس بشار الأسد، عندما سئل عن هذا الأوسكار في مقابلة مع قناة “فينكس” الصينية نشر نصها على موقع وكالة سانا في 11 آذار 2017:

“يجب أن نهنئ النصرة على نيل أول جائزة أوسكار! إنه لحدثٌ غير مسبوق بالنسبة للغرب أن يعطي القاعدة جائزة أوسكار، وأمرٌ لا يصدق”.

نشاطات “الخوذ البيضاء” الإرهابية وارتباطها مع “النصرة” وغيرها باتت معروفة، وقد وثقت لها قناة “روسيا اليوم” بالإنكليزية ووكالة “سبوتنيك” وبعض وسائل الإعلام السورية والحليفة والمستقلة جيداً بالصوت والصورة، فتارة يظهر عناصر تلك الجماعة وهم يحملون السلاح إلى جانب العصابات التكفيرية، وطوراً تراهم يعلنون الولاء لعصابات إرهابية تكفيرية على صفحاتهم على “فيسبوك” صراحة، مما لا تراه إدارة “فيسبوك”، على ما يبدو، مخالفاً لـ”قوانين المجتمع” التي تتذرع بها لحظر صفحاتنا ومنشوراتنا المؤيدة للمقاومة، وتارةً ترى فيديو منشور من قبل “هيئة تحرير الشام” (النصرة) في 16 آذار 2017 يعبر فيه المدعو “أبو جابر” عن “شكره وتقديره للجنود المجهولين للثورة، وعلى رأس القائمة أهالي الشهداء ورجال الخوذ البيضاء”! ومرة تراهم في فيديوهاً منشوراً من قبل العصابات المسلحة في نهاية شهر أيار 2017 ينتظرون إعدام أحد المواطنين السوريين ويسارعون لنقله على حمالة بعد قتله… ومرة ترى صوراً لهم وهم يحتفلون فوق جثث الجنود العراقيين… والحقيقة أن المرء يحتاج لأن يكون أعمى البصيرة تماماً ليتجاهل كل هذه المعطيات، ولكي ينكر أن “الخوذ البيضاء ليست أكثر من عملية تجميل للقاعدة”، كما صرّح الرئيس الأسد في مقابلته مع قناة “فينكس” الصينية.

نضيف أن مؤسس جماعة “الخوذ البيضاء” هو ضابط الاستخبارات العسكرية البريطانية جيمس لو مَجوريَر، وهي حقيقة يمكن أن يتأكد منها القارئ بنفسه عند وضع اسم James Le Mesurier في محرك بحث على الشبكة العنكبوتية، وأنه كان مسؤول الاستخبارات في مدينة “برستينيا” في إقليم كوسوفو في يوغوسلافيا السابقة بعد عدوان الناتو هناك، وأنه انتقل مع العام 2000 إلى الأمم المتحدة للعمل كخبير أمني متخصص في “برامج الديموقراطية والاستقرار في الدول الهشة”، وأنه انتقل بعد ذلك للعمل كنائب رئيس لشركة مرتزقة خاصة اسمها The Olive Group اندمجت فيما بعد في شركة “بلاكووتر” التي اكتسبت سمعة سيئة الصيت في العراق، والتي غيّرت اسمها فيما بعد إلى Constellis Holding.

وفي عام 2008 انتقل مؤسس “الخوذ البيضاء” جيمس لو مَجوريَر للعمل كمدير في شركة خدمات أمنية كان قد أسسها ريتشارد كلارك، “قيصر” قسم مكافحة الإرهاب في إدارتي الرئيسين الأسبقين بِل كلينتون وجورج بوش الابن، وبصفته تلك تموضع في أبو ظبي، واشتغل بتأمين الخدمات الأمنية فيها وقام خلال هذه الفترة بتدريب قوة أمنية لحماية حقول الغاز، وبين عامي 2013 و2014 انتقل لتأسيس “الخوذ البيضاء” في سورية وتدريبها والإشراف عليها انطلاقاً من غازي عينتاب في تركيا، بعد أن “تأثر بقصص الحرب في سورية”، كما قال في مقابلة مع مجلة Men’s Journal الأمريكية الشهرية في 10 كانون أول 2014.

الدفعة الأولى التي تلقاها المرتزق البريطاني لو مَجوريَر، “المتأثر عاطفياً بقصص الحرب في سورية”، للانتقال إلى تركيا والبدء بالعمل على تأسيس “الخوذ البيضاء”، كانت 300 ألف دولار، تبعها خلال الفترة اللاحقة 123 مليون دولار أمريكي تلقاها من حكومات بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية وقطر واليابان، كما أوردت عدة مواقع أمريكية وبريطانية على الشبكة العنكبوتية، وتقول صحيفة “دايلي ميل” البريطاني في 13 شباط 2018 أن “الخوذ البيضاء” تعاني من “أزمة مالية” هذا العام لأن موازنتها السنوية انخفضت من 18 إلى 12 مليون دولار بين عامي 2017 و2018. ولكن من الواضح أن هذا الكلام عبارة عن هراء هدفه استدرار المزيد من المال، لأن مجلة “نيوزويك” الأمريكية ذكرت في 21 كانون الثاني 2016 أن موازنة “الخوذ البيضاء” لعام 2015 بلغت 30 مليون دولار، كما ذكرت أن “متطوعي” المجموعة يتلقى الواحد منهم 150 دولار شهرياً، وهو أكثر بكثير مما يتلقاه الموظفون والجنود السوريون، أي أنهم ليسوا “متطوعين” على الإطلاق.

ومع أن موقع “الخوذ البيضاء” يعترف بتلقي المال من عدة الدول الغربية، فإنه لا يذكر قطر، لكن المهم أن المجموعة التي تدّعي “الحياد” هي مجموعة مرتبطة بالإرهاب التكفيري تعمل في مناطق العصابات المسلحة وهي ممولة من دول غربية، ومن منظمات “واجهة” مثل Chemomics التي تعمل بموجب عقود مع وكالة الإنماء الدولية USAID التابعة للحكومة الأمريكية.

وهنالك الكثير من المعطيات المتفرقة عن تمويل مرتزقة “الخوذ البيضاء” من قبل الدول الغربية، مما يحتاج إلى تجميع وتبويب في الحقيقة، ومن ذلك مثلاً ما نشر على موقع البرلمان البريطاني في 2 تشرين الثاني 2016، نقلاً عن البارونة غولدي في جلسة لمجلس اللوردات من أن الحكومة البريطانية وحدها قدمت 32 مليون جنيهاً استرلينياً لمرتزقة “الخوذ البيضاء” حتى تاريخ إلقاء كلمتها، لكن موقع “ويكيبديا” يقول أن موازنتهم السنوية هي 70 مليون دولار، وكل ما سبق يدل أن هذه المجموعة، فضلاً عن دورها السياسي والإعلامي، هي إحدى الواجهات “المشروعة” لتقديم الرواتب للعصابات الإرهابية التكفيرية وعناصرها، حيث يفترض أن يكون قد وصل عدد “متطوعيها” إلى 3700، كما تقول صحيفة “دايلي ميل”.

لكن الدور الأهم لمرتزقة “الخوذ البيضاء” يبقى سياسياً، لا سيما في تسويغ القرارات الدولية المعادية لسورية في مجلس الأمن ومن هنا جاءت دعوتهم المتكررة في لقاءات مع ممثلين لمجلس الأمن الدولي وبيانات مختلفة لـ”مناطق حظر طيران فوق سورية”، وإدعاءاتهم الكاذبة بأن الجيش العربي السوري “استخدم الغاز” في إدلب في آذار 2015، وفي العديد من المناسبات الأخرى، وتزوير مقاطع فيديو لهذا الغرض، ومزاعمهم بأن الطائرات الروسية “قتلت المدنيين” خلال معركة حلب، ولذلك علينا أن ننتبه جيداً لما قد يزعمونه ويزورونه في معركة شرق الغوطة، وهي زبدة الكلام الآن، مع أن الكثير يمكن أن يُضاف عن هذه المجموعة من المرتزقة.

تشرين 28 شباط 2018

http://tishreen.news.sy/?p=140942

للمشاركة على فيسبوك:

أكذوبة "الخوذ البيضاء" د. إبراهيم علوشمن يُصدقْ معظم وسائل الإعلام الغربية والعربية يتوهمْ أن كل مقذوف أُطلق من أو ع…

Geplaatst door ‎إبراهيم علوش‎ op woensdag 28 februari 2018

الموضوعات المرتبطة

ما قبل تطبيع حكام الخليج

لاحظوا أن السلطة الفلسطينية تتذرع دوماً بأنها وقعت المعاهدات مع العدو الصهيوني "لأن العرب تخلوا عن فلسطين"، ولاحظوا أن أنور السادات وقع كامب ديفيد بذريعة أن "العرب تخلوا عن مصر"، ولاحظوا أن [...]

حول قرار عدم تجديد “تأجير” منطقتي الباقورة والغمر الأردنيتين للكيان الصهيوني

إبراهيم علوش من المؤكد أن استعادة السيادة العربية على أي شبر من الأراضي العربية المحتلة هو أمر جيد وإيجابي، ولكن يبقى السؤال: ماذا يعني بالضبط أن تعود الأراضي عن طريق المعاهدات والاتفاقات مع [...]

اتفاق إدلب بين أردوغان وبوتين أجّل المعركة زمانياً، وحسن شروط تحقيق النصر فيها

اتفاق إدلب بين بوتين وأردوغان يعني عدة أشياء، أولها أن معركة إدلب يتم تأجيلها، ولكن مثل هذا التأجيل يعتمد على التزام تركيا بعزل النصرة والمجموعات المشابهة لها التي تعتبرها روسيا أكثر دمويةً [...]

الكونفدرالية الثلاثية ليست مشروعاً جديداً… وهي مشروع تحويل الأردن وفلسطين إلى جسر عبور صهيوني باتجاه الوطن العربي

إبراهيم علوش تناقلت وسائل أعلامية مختلفة تصريحات لمحمود عباس يقول فيها أنه يؤيد الكونفدرالية مع الأردن بشرط أن يكون الكيان الصهيوني جزءاً منها، بعد أن طرح عليه ترامب هذه الفكرة. والحقيقة [...]

حزام وطريق واحد: مبادرة صينية لقلب ميزان القوى العالمي

د. إبراهيم علوش "حزام وطريق واحد" هي مبادرة عملاقة أطلقها الرئيس الصيني تشي جينبينغ، ورئيس الوزراء لي كقيانغ، خلال زيارات لعدد من الدول الآسيوية والأوروبية في العام 2013، وأصبحت بعدها محور [...]
2018 الصوت العربي الحر.