على هامش “اللقاء الشعبي لدراسة سبل مواجهة صفقة القرن” في بيروت

June 5th 2019 | كتبها

كل عام وأنتم بخير، عشية هذا العيد، عسى أن يعاد على أمتنا العربية باليمن والبركات،

– لاحظوا أن الاعتداءات الصهيونية تتصاعد على سورية كلما حقق الجيش العربي السوري تقدماً في مواجهة التكفيريين والزومبجيين، مؤخراً في أرياف حماة واللاذقية وإدلب، وقد كان هذا ديدن الصهاينة في كل مرحلة من مراحل الحرب الكونية على سورية يحقق فيها الجيش العربي السوري تقدماً،

– في الآن عينه، يعيش الكيان الصهيوني حالة تراجع وأفول وتفكك داخلي، ولكن النظام الرسمي العربي، لا سيما مركز ثقله الخليجي، يعيش حالة تراجع وأفول وتفكك أكبر،

– رهان الطرف الأمريكي-الصهيوني، في سعيه لتمرير ما يسمى “صفقة القرن”، هو على تهاون النظام الرسمي العربي الذي لا يمثل الأمة أو الشعب العربي بطبيعة الحال، أو حتى كل الدول العربية،

– يأتي ذلك في ظل استهداف شامل للجيوش العربية، لا سيما في الجمهوريات (مقابل الملكيات) العربية، من العدوان الثلاثيني على العراق إلى عدوان الناتو على ليبيا إلى الحرب الكونية على سورية،

– كذلك فإن حرب استهداف الجيش المصري في سيناء التي أطلت برأسها مجدداً عشية هذا العيد، واستهداف الجيش اللبناني، في حرب تكفيرية قذرة هي تتمة العدوان الصهيوني، والاستهداف المنهجي للجيش الجزائري، سياسياً حتى الآن، لا يخرج عن هذا السياق، فهذه الجيوش ضمانة الوحدة الداخلية في الأقطار العربية فضلاً عن كونها عائقاً موضوعياً في وجه الهيمنة الخارجية وكل احتمالات التغيير الكامنة فيها كقوى منظمة في مجتمع عربي يعاني من نزعات التشظي والتفكك،

– في ظل مثل هذا المشهد، إشغال الجيوش العربية واستنزافها أو تدميرها، وسيطرة رويبضة البترودولار على القرار الرسمي العربي، يصبح من الطبيعي أن يسعى الطرف الأمريكي-الصهيوني، بالرغم من حالة التراجع التي تعتريه، لتمرير صفقة “التطبيع مقابل التطبيع”، وهو ما يعني فعلياً شرعنة عملية تهويد فلسطين، الجارية على قدمٍ وساق، بغطاء رسمي عربي،

– لكن “صفقة القرن” ذاتها تصطدم بصعود قوى المقاومة من جهة، وبممانعة أطراف رسمية عربية متضررة منها، من جهةٍ أخرى، فهي لن تمر كـ”صفقة”، أي يصعب أن تتمخض عنها اتفاقية أو معاهدة رسمية حول فلسطين، أما كصيرورة لتهويد لفلسطين وللقرار الرسمي العربي فإنها ماضيةٌ على الأرض بوتيرة متسارعة تُوهِم القائمين عليها بالنجاح، بيد أن ما تستثيره من حسٍ مقاوِمٍ كفيلٌ بوأد ذلك الوهم في مدىً ليس ببعيد، لا سيما إذا أحسنت القوى المناهضة للتطبيع والمتبنية لخيار المقاومة تحويل ذلك الحس إلى عمل ميداني مقاوِم، ومقاوِم للتطبيع، على الأرض.

– مشكلة التكتل المناهض لـ”صفقة القرن” في الواقع العربي هي أنه على الصعيد الفلسطيني مثلاً يقوم على كاهل قوى مثل السلطة الفلسطينية وحماس لم تناهضها إلا لأن مشروعها السياسي دخل مأزقاً مستعصياً، لا لأنها ضد التسوية مع العدو الصهيوني من حيث المبدأ، أي لأن الطرف الأمريكي-الصهيوني يتصرف بطريقة اعتباطية متغطرسة على حسابها هي بالذات، وهو ما يمثل أمراً جيداً من وجهة نظر مصلحة الأمة العربية والقضية الفلسطينية، لأنه يضع تلك القوى في الزاوية، ويجبرها أن تكون عامل إعاقة وجرجرة في طريق “صفقة القرن”.

– الخطر الذي يمكن أن يعطل مثل هذا الفرز والاصطفاف هو تمكن الأوروبيين والديموقراطيين في الولايات المتحدة من إلقاء طعم مشاريع حلول “أكثر توازناً”، مما يخلق انقسامات في الصفين العربي والفلسطيني، بين من يتبنون خيار المقاومة والتحرير، وبين من يناهضون أنواعاً محددة من الخيانة والتطبيع والتسوية مع العدو الصهيوني.

– لذلك فإن الفرصة مناسبة الآن لإعادة طرح برنامج الإجماع الوطني الوحيد في التاريخ المعاصر للقضية الفلسطينية، وهو الميثاق الوطني الفلسطيني غير المعدل لعام 1968، والميثاق القومي من قبله لعام 64، الذي يقول أن فلسطين عربية من البحر إلى النهر، وأن اليهود الذين أتوا إلى فلسطين بعد بدء الغزو الصهيوني (الذي بدأ عملياً في نهاية القرن التاسع عشر) لا يعتبرون فلسطينيين، وأن فلسطين تحرر بحرب التحرير الشعبية العربية، وأن كل أشكال التسوية مع العدو الصهيوني مرفوضة. فذلك هو الأساس المتين، لا بل الأساس الوحيد، الذي يمكن أن يقوم عليه النضال من أجل فلسطين، لا الوثائق المخترقة بالمشاريع التسووية من رأسها حتى أخمص قدميها مثل “وثيقة الأسرى” و”اتفاق القاهرة” وغيرها من الاتفاقات بين السلطة وحماس… فالتمسك بالميثاق الوطني الفلسطيني وبنوده غير المعدلة هو الضمانة لمنع حدوث انحرافات مجدداً عندما يعود لسدة صنع السياسات قيادات أكثر عقلانية وتوازناً، وأقل مراعاة للهوس التوراتي، من فريق ترامب وحكومة نتنياهو.

– وهنا نقول على هامش اللقاء الشعبي الذي انعقد في بيروت لدراسة سبل مواجهة “صفقة القرن” يوم الأحد الفائت، والذي تشرف كاتب هذه السطور بحضوره، أنه خرج بميثاق يؤكد على دعم المقاومة وخيارها، واعتبر أن الانخراط في “صفقة القرن” خيانة، ودعا للعمل على إنهاء اتفاقيات أوسلو ومخرجاتها ولتبني برنامج فلسطيني موحد على طريق تحرير فلسطين، وكل هذا جيد، ولكنه لم يقل أن “صفقة القرن” هي الابنة الشرعية لنهج التسوية مع العدو الصهيوني الذي لا تزال تتبناه القوى الأساسية في الساحة الفلسطينية (من السلطة لحماس لمعظم اليسار الفلسطيني)، وأن لدينا برنامجاً لتحرير فلسطين اسمه الميثاق الوطني الفلسطيني، والأهم، كيف يمكن أن نخوض غمار تحرير فلسطين بقوى تسووية بعضها لا يزال ينسق أمنياً مع العدو الصهيوني، وبعضها الأخر يتمنى أن ينسق معه؟! فما حدث في بيروت هو تظاهرة احتجاج في الواقع، وهي تظاهرة تبرز تفسخ المعسكر التسووي، وعدم وقوفه بالكامل خلف “صفقة القرن”، وهذا شيء لا بأس من إبرازه في مواجهة “ورشة المنامة”، وثمة قوى إقليمية لها مصلحة في إبرازه، أما مشروع التحرير، فيحتاج لشيءٍ آخر…

– أخيراً، وليس آخراً، أجمل التحايا للشعب اليمني البطل، الذي وقف وقفةً مشرفة، في ظل الحصار والعدوان، في يوم القدس، ليثبت أن الشعب العربي لم ولن ينسى فلسطين، وليثبت أن فلسطين تبقى عنوان الانتماء القومي من مسقط إلى مراكش، وليست حالة اليمن فريدةً من نوعها، فها هو المغرب العربي لا يوفر فرصةً أيضاً ليقول: الشعب يريد تحرير فلسطين، الشعب يريد تجريم التطبيع…

إبراهيم علوش

للمشاركة على فيسبوك:

https://www.facebook.com/photo.php?fbid=2801176003232950&set=a.306925965991312&type=3&theater

الموضوعات المرتبطة

ملاحظات على هامش اللحظة المصرية الراهنة

- لا يحتاج أي مراقب سياسي حصيف للكثير من الجهد ليلاحظ أن مصر يتم تطويقها اليوم من بوابة: أ – خطر الإرهاب في سيناء من الشرق، ب – خطر قطع مياه النيل من الجنوب، ج – الخطر التركي من الغرب [...]

العقب الحديدية وانحلال الجمهورية في الولايات المتحدة

"العقب الحديدية" هي الترجمة العربية لعنوان رواية جاك لندن The Iron Heel، أما ترجمة العنوان الحرفية الأدق فهي في الواقع "كعب القدم الحديدي" (بالمفرد)، وقد نُشرت عام 1908 من منظور مستقبلي، كأنها مذكرات [...]

العمل القومي: لا نجاح من دون التعلم من التجارب الفاشلة

إذا كانت التجارب القومية العربية خلال القرنين الأخيرين قد انكسرت أو فشلت، فإن ذلك لا يعني سقوط الفكرة القومية، كما أن سقوط السلطنة العثمانية لا يعني انتهاء مشروع الإسلام السياسي، وسقوط [...]

نقطة البداية في إعادة إحياء التيار القومي اليوم

بعد الاحتلال البريطاني لمصر في العام 1882، في ظلّ ولاية "حافظ الحمى والديار في وجه الاستعمار" السلطان عبد الحميد الثاني، باتَ شَطْب الوعي القومي العروبي لمصر ضرورة استراتيجية كصمام أمان [...]

الاستهداف الغربي للفكرة القومية العربية منذ محمد علي باشا

شكل القوميون العرب تاريخياً التيار الأكثر تعرضاً للاستهداف المنهجي في العصر الحديث بالضبط لأنه التيار الذي يشكل تحقيق أهدافه، مثل الوحدة والتحرير والنهضة، انقلاباً جذرياً في بنيان [...]
2020 الصوت العربي الحر.