الآراميون عرب قدماء

July 2nd 2019 | كتبها

– كانت سورية قبل الفتح الإسلامي آرامية، لكن الآراميين والعرب لم يكونوا قوميتين متجاورتين، لكن مستقلتين، مثل الصينيين واليابانيين مثلاً، أو مثل الألمان والفرنسيين. على العكس تماماً، مثّل الآراميون مرحلة من مراحل العروبة، وإحدى تجلياتها، وكان التداخل بين الآراميين والعرب شديداً، داخل سورية الطبيعية وخارجها، على مختلف الصعد، تداخل أغصان شجرة واحدة، لا أغصان شجرتين متجاورتين.

– يقول المؤرخ فيليب حتي (وهو ليس عروبياً) في كتابه تاريخ “سورية ولبنان وفلسطين” أن الآراميين، قبل أن يسموا بهذا الاسم، أتوا من شمال بادية الجزيرة العربية، في الألف الثاني قبل الميلاد، وأنهم كان من البدو، وأنهم كانوا الموجة الثالثة الآتية من الجزيرة العربية لبلاد الشام، بعد العموريين (الآموريين)، وبعد الكنعانيين (الذين يشكل الفينيقون فرعاً منهم).

– والعبرة هنا أن الآراميين، قبل أن يستقروا في بلاد الشام والفرات الأوسط (محافظات النجف وكربلاء والديوانية وبابل والمثنى في العراق اليوم) لم يأتوا من الجزيرة العربية فحسب، كأسلافهم من الأموريين والكنعانيين، بل كانوا بدواً رحلاً.

– ويقول المؤرخ محمد عزة دروزة (مختارات قومية لمحمد عزت دروزة، 1988) إن الموجات والجماعات التي طرأت على بلاد الشام من ناحية باديتها، أو من طريق العراق، إنما جاءت في الأصل من الجزيرة العربية، حيث نزح بعضها من جنوبها إلى شواطئها الشرقية على بحر الهند فالخليج العربي فالعراق فبلاد الشام أو إلى بلاد الشام مباشرة عن طريق البادية.

– لم تكن اللغة الآرامية سوى لهجة شمالية غربية من بين مجموعة لهجات تمخضت عنها اللغة العربية الفصحى المعاصرة، وكانت الآشورية البابلية لهجة شرقية، تقابلها لهجة جنوبية في جنوب الجزيرة العربية، ولقد أثبت ولنغنستون مؤلف كتاب تاريخ اللغات السامية جدولاً فيه جملة كبيرة من المفردات الأشورية البابلية والآرامية التي كان يتكلم بها سكان العراق والشام، في ظل دولها الآرامية والأشورية والكلدانية والعمورية، مع ما يقابلها من المفردات العربية، التي كان يتكلم بها أهل جنوب جزيرة العرب قبل العروبة الصريحة، ثم ما يقابلها كذلك من المفردات العربية الفصحى، ننقل فيما يلي مختصراً عنه، كدليلٍ حي على اتحاد الأرومة بين أهل جزيرة العرب القدماء، على اختلاف أروماتهم (والجدول بأكمله مثبت في كتاب “أسس العروبة القديمة” لإبراهيم علوش في الصفحات 72-74)، وننقل هنا ما ورد عن الحرف “ألف”:

عربي فصيح/ أشوري بابلي/ آرامي/ لغة جنوب الجزيرة العربية القديمة
أب أبو أبا أب
ابن بنو برا ابن
أخ أخو أحا أخو
أخذ إخوز أحد أخذ
أحد أدو حد أحد
أذن أزنو أودنا أزن
اثنتان شنا تريْن سنيث
أرض أرضو أرعا أرقا أرض
أربع أربعو أربع أربع
اسم شومو شما سم
أم أمو أما أم
أمة أمتو أمتا أمة
إنسان نشو ناشا أنش

– ولنأخذ ما ورد تحت الحرف “عين”:

عربي فصيح/ آشوري بابلي/ آرامي/ عربي جنوبي
عظم عصمتو عطما عضم
عقرب عقربو عقربا عقرب
عمود إمدو عمودا عمد
عنب انبو عنبتا عنب
عين أنو عينا عين

– ويستطيع كثيرٌ منا في بلاد الشام والعراق أن يرى من الأمثلة أعلاه مدى دخول بعض ما جاء في الجداول أعلاه في الكلام العامي، بالشكل المثبت حرفياً بالجدول أو المحوّر بحرف، ومدى انتشار أسماء أماكن (عمودا، عنبتا، عقربا) وعائلات (عينا، شما) من اللهجتين الأشورية البابلية، والآرامية، حتى اليوم.

– اللغة السريانية هي لغة آرامية مطورة، فالآرامية هي بمثابة أم السريانية، وقد اكتسبت هذا الاسم رسمياً في القرن الرابع الميلادي مع انتشار المسيحية، وهي لا تزال اللغة التي تجمع السريان والكلدان والآشوريين اليوم، مع بعض الاختلاف بين السريانية الغربية (غرب الفرات) والسريانية الشرقية (شرق الفرات)، ووجود لهجات ضمن كل فئة.

– قضية الأصل اللغوي القديم لا تزال موضع بحث وخلاف واجتهاد، فهناك من يتحدث عن أصل لغوي واحد (لغة واحدة سامية عربية قديمة، وهناك من يتحدث عن عائلة لغات سامية/عربية مشتركة). ابن حزم الأندلسي (في كتاب “الإحكام في أصول الأحكام”) مثلاً يقول أن أصل العربية والعبرية والسريانية واحد، أي لغة واحدة بالأصل تبدلت بتبدل مساكن أهلها.

– اللغتان الآرامية والعربية كانت تكتبان في البداية بأبجدية واحدة هي الأبجدية الآرامية القديمة، كما أن تقارب الآرامية القديمة والعربية القديمة يكاد يفوق التقارب بين أي لغتين في “عائلة اللغات السامية/ العربية”.

– اللغة العبرية القديمة (التي اندثرت) هي إحدى اللهجات الكنعانية، وبعد السبي البابلي، فقد اليهود لغتهم، التي كتبت بها التوراة، وتبنوا الآرامية الشرقية، حتى أعادت إحياءها الحركة الصهيونية على شكل عبرية حديثة، تختلف جزئياً عن العبرية القديمة.

– الحديث عن فروق “قومية” بين العرب والآراميين، كما يزعم البعض، سوف يدفع أيضاً للحديث عن فروق مماثلة بين الآراميين من جهة، وبين العموريين (الأموريين) أو الكنعانيين (العرب أيضاً) الذين استوطنوا بلاد الشام من قبلهم، الذين حل الآموريون محلهم في الأقسام الداخلية من بلاد الشام، وعن “ضرورة تحرر الكنعانيين من الآراميين”! ومن ثم سوف يدفع مثل هذا الحديث عن الفروق “القومية” إلى التفريق بين الكنعانيين، من جهة، وبين أحد فروعهم وهو الفينيقيين، من جهة أخرى، وهو ما يشكل أرضية “التميز اللبناني” على ما زعموا، إلخ… وكلها موجات عربية متلاحقة لم تجد صعوبة بالتفاهم والاندماج مع بعضها البعض.

إبراهيم علوش

للمشاركة على فيسبوك:

 

الآراميون عرب قدماء- كانت سورية قبل الفتح الإسلامي آرامية، لكن الآراميين والعرب لم يكونوا قوميتين متجاورتين، لكن…

Geplaatst door ‎إبراهيم علوش‎ op Dinsdag 2 juli 2019

الموضوعات المرتبطة

ما هي العروبة الحضارية؟

د. إبراهيم علوش هل تقوم العروبة على أساسٍ عِرقي أو عنصري، كما يزعم البعض؟ وهل يشكل الانتماء لـ"عِرقٍ عربيٍ صافٍ" أحد شروط الانتماء للعروبة، بما يخرج منها من لا ينحدرون من أصلابٍ عربية صرف من [...]

ثقافة “الوجبة السريعة” والصراع على وعي الكتلة الشبابية

د. إبراهيم علوش فجوة التواصل مع الشباب التي تطرق إليها د. عبداللطيف عمران مشكوراً، في مقالته "من يخاطب الشباب؟"، الأربعاء الفائت، تفتح الباب على تساؤلاتٍ كثيرة لطالما واجهت دعاة التحرر الوطني [...]

هل القضية الفلسطينية شأنٌ سوري؟

د. إبراهيم علوش لعل من أسوأ آثار سنوات الحرب الممتدة على سورية، والحصار الخانق، أن هناك من يظن أن هذه الآثار ستدفع البعض ليتساءل: ما لنا وفلسطين والقضية الفلسطينية؟ ولماذا لا نوقع معاهدة أو [...]

عروبة سورية: قدرٌ أم خيار؟

د. إبراهيم علوش ليس سراً أن بعض السوريين باتت لديهم ردة فعل حادة إزاء العروبة خلال السنوات الفائتة لعدة أسباب منها ما عانته سورية من ممارسات إرهابية وأعمال إجرامية ومواقف سياسية رعتها بعض [...]

فتح قومي عربي أم “غزو إسلامي”؟

- تعبير "الأقوام السامية" مصطلح توراتي، وغير علمي، وهو مثل "الشرق الأوسط" يستخدم للتعمية على حقيقة كون هذه الأقوام تشترك بقاسم مشترك واحد هو العروبة، وبالتالي فإن مصطلح "الأقوام السامية" يجب [...]
2019 الصوت العربي الحر.