هل يمكن أن تكون صاحب موقف مبدئي وموضوعياً في آنٍ معاً؟

April 21st 2020 | كتبها

تتفشى قناعة لدى كثيرين في المجتمع العربي اليوم بأن أصحاب المواقف المبدئية والقناعات العقائدية، سواء كانوا قوميين أم يساريين أم إسلاميين متنورين، أم مناهضين للهيمنة الغربية والعدو الصهيوني بعامةً، لا يمكن أن يكونوا “موضوعيين”، أو أن يحكموا على الأمور بتجرد، أو أن يمتلكوا رؤى تمكنهم من تشخيص الظواهر بشكلٍ علمي، أو إدارة أي موقع يستلمونه بــ”حيادية”، لأنهم يبقون، بحسب هذا التعميم التعسفي، أسرى شعاراتهم وقوالبهم العقائدية والفكرية “الجامدة” وأفكارهم المسبقة.. وينسحب هذا التعميم من الشأن السياسي العام إلى الشأن الإداري والمهني، مما يُنتج عملية “تحصين” للجمهور من أولئك “العقائديين”، كما يُنتج حملة إقصاء وتهميش منهجية لهم تحت يافطات “الموضوعية” و”الحيادية” و”المهنية”.

البديل الجاهز طبعاً هو فئة “الخبراء”، الغربيين أو المتغربين بخاصةً، أو التكنوقراط بعامةً، الذين ينطلقون من مبدأ تحقيق المصلحة (مصلحتهم الخاصة أو المصلحة الخاصة للجهات التي توظفهم) بشكل عقلاني وتقني وبراغماتي، من دون التقيد باعتبارات “ضبابية” و”غير مهنية” و”يصعب تعريفها”، برأيهم، مثل “المصلحة العامة” أو “الحس الجمعي” أو “الأخلاق” أو “الأهداف القومية” أو “الطبقات الشعبية” وما شابه، وهو نموذج “الخبراء” الذي تسعى لفرضه المؤسسات الاقتصادية الدولية، والمؤسسات الغربية، والمنظمات غير الحكومية الممولة أجنبياً، وبعض الدول العربية أو التي انخرطت في عملية “إصلاح إداري” في سياق التوجه نحو الخصخصة واللهاث وراء الالتحاق بالمؤسسات الدولية.

وقد انعكس هذا النموذج “المحايد” أخلاقياً وسياسياً واجتماعياً على صعيد الفن والأدب والثقافة بالترويج للمثقف “اللامنتمي”، المنقطع الجذور déraciné، الذي لا يمكن أن ينطلق إلى فضاءات الحرية والإبداع الحقيقي إلا عبر التخلص من تلك “القيود”، والأمثلة من المشهد الثقافي والأدبي والروائي العربي كثيرة..

لا بد من الإشارة في البداية إلى أن إحلال نموذج التكنوقراط، أو “المثقف الكندرجي”، كسن محايد في العجلة a cog in the machine، أو “رجل أعمال” الثقافة في أحسن الأحوال، محل مفهوم “الإنتليجنسيا”، أي شريحة المثقفين صاحبة الرؤى والدور الاجتماعي والسياسي، ناهيك عن فكرة “المثقف العضوي” على النمط الغرامشي، هو مشروع أيديولوجي منحاز بحد ذاته، ينطلق من أولوية الفرد والمصلحة الخاصة، ومن المنهج البراغماتي الذرائعي البارد، ليصل إلى الاندماج في المشروع “الكوني” لرأس المال المالي الدولي، وليتحول من ثم إلى مرتزق، بكل ما للكلمة من معنى، في خدمتها، ومن ذلك التبرير للتطبيع مع العدو الصهيوني بحجج اقتصادوية أو مصلحية ضيقة، لا بد أن تكون “محايدة” و”باردة” طبعاً.

والغرب ونموذجه الموضوعي المحايد، كما نرى من تاريخ حروبه ومنظومة الهيمنة التي أسسها، عبارة عن آلة قتل واستغلال باردة ومحايدة وعقلانية، لأنها لا يمكن أن تكون كذلك إلا إذا كانت محايدة أخلاقياً وفاقدة للحس الجمعي.

النقطة الأخرى التي لا بد من تثبيتها هي أن الانحياز الكبير لما هو أكبر من الذات الفردية أو الجماعة المغلقة، أي الانحياز القومي أو الأممي أو الطبقي أو الحضاري، يتطلب، أكثر من أي انحياز فردي أو فئوي ضيق، قدراً أعلى من الموضوعية ومن القدرة على رؤية الظواهر كما هي، لا كما نريدها أن تكون، وقدراً أعلى من القدرة على فهم قوانين حركة المجتمع والتاريخ والاقتصاد بشكلٍ علمي، لأن المنحاز إلى موقف مبدئي لا يستطيع تغيير العالم إلا إذا فهمه فهماً صحيحاً ودقيقاً وعميقاً، بكل ما في هذا العالم من قسوة وجنون وجمال.

لهذا نصر دائماً على أن القوميين العرب يجب أن يرتقوا من مستوى الشعار الوحدوي والهدف العام إلى مستوى تبني المنهج العلمي لتحليل ظواهر الواقع العربي وإشكالاته وتناقضاته.

فلا يكفي أن “ندين” السرطان مثلاً أو الكورونا، بل يجب أن نفهمه فهماً علمياً عميقاً لكي نتمكن من مواجهته واستئصاله.. ومن ذلك مثلاً احتمالية أن تكون الكورونا قد خرجت من مختبرات الحرب البيولوجية.

ولا يكفي أن نتهكم على لاعقلانية التكفيريين وفقدانهم للصلة مع الواقع، بل يجب أن نفهم الظاهرة التكفيرية فهماً موضوعياً يمسك بخيوطها المختلفة الداخلية العربية والخارجية، والتراثية والمعاصرة.

ولا يكفي أن نشتم سوء الإدارة والفساد، أو أن نلطم على حال الأمة العربية اليوم، أو على ما آل إليه التيار القومي، أو أن نتصور أن الحركة الصهيونية العالمية أخطبوط “لا يُقهر”، بل لا نكون أصحاب موقف مبدئي حقاً إلا إذا تمكنا من بلورة رؤى وتصورات موضوعية تفسر كل تلك الظواهر السلبية وتمكننا من الإمساك بحلقاتها المركزية كأرضية نظرية لاستراتيجيات قابلة للتطبيق، أي كأرضية لدليل عمل يضعنا في موضع يجعل من موقفنا المبدئي قوة ملموسة على الأرض وفي الميدان، بدلاً من أن يكون مثل ذلك الموقف المبدئي “تصوفاً” نضالياً نمارسه بعيداً عن حركة واقع منفلت فردياً وفئوياً كأنه صمم بعناية لكي يلفظنا ونلفظه.

من دون ذلك لا نكون مناضلين قوميين حقاً، ولا نكون أوفياء لموقفنا المبدئي ذاته الذي يشكل الانخراط في النضال النظري والعملي أحد أعمدته الأساسية. فالانحياز في الموقف المبدئي هو ما يجب أن يدفع نحو امتلاك رؤى أشمل وأعمق للظواهر، وعلى رأسها حالة المد الرجعي في المشهد السياسي العربي اليوم.

للمشاركة على فيسبوك:

هل يمكن أن تكون صاحب موقف مبدئي وموضوعياً في آنٍ معاً؟تتفشى قناعة لدى كثيرين في المجتمع العربي اليوم بأن أصحاب المواقف…

Geplaatst door ‎إبراهيم علوش‎ op Dinsdag 21 april 2020

الموضوعات المرتبطة

معادلتان قد تساعدان على فهم سبب ارتفاع الأسعار والدولار في الدول المحاصرة.. سورية أنموذجاً

  بالنسبة لمن يعيشون في بلدانٍ مزقتها الحرب، ثم حوصرت بعقوباتٍ خانقة، فإن ارتفاع الأسعار وتدهور قيمة العملة المحلية يصبح موضوعاً عاطفياً جداً يمس صميم حياتهم وحياة عائلاتهم، مع أن مثل [...]

هل حدث انهيار سياسي في لبنان في موضوع ترسيم الحدود البحرية مع الكيان الصهيوني؟

ثمة من يعادي المقاومة عموماً، والمقاومة في لبنان خصوصاً، مهما فعلت (ولو ضوت العشرة!)، ممن راح يزايد أن المقاومة في لبنان انهارت ووافقت على الاعتراف بالكيان الصهيوني بموافقتها على مفاوضات [...]

عن أي “دويلة فلسطينية” تتحدثون؟!

  في عام 2002، طرح الحاخام بنيامين إيلون خطته لـ"السلام" التي تقوم على تجنيس الفلسطينيين في الضفة الغربية بالجنسية الأردنية، مع السماح لهم بالبقاء كـ"مقيمين"، طالما لا يهددون "الأمن" [...]

حول الإرث السياسي لإدوارد سعيد

د. إبراهيم علوش كان غريباً مزيج الشخصيات الذي اندفع في وسائل الإعلام لرثاء إدوارد سعيد ، من المستعمر الصهيوني الكاتب إسرائيل شامير إلى بعض رؤساء الدول والحكومات. وقد ترددت قبل كتابة السطور [...]

حول اجتماع الأمناء العامين للفصائل الفلسطينية: كيف نناهض التطبيع مع مطبعين؟ وكيف نقاوم بمعية دعاة تسوية مع العدو الصهيوني؟

لعل أحد أكبر مآسي القضية الفلسطينية أن الاحتلال الصهيوني ورعاته الغربيين لم يسرقوا الأرض ويشردوا الشعب ويفرضوا وصمة الإرهاب على المقاومين فحسب، بل أنهم تمكنوا من اختراق الأطر ومفردات [...]
2020 الصوت العربي الحر.