الاستهداف الغربي للفكرة القومية العربية منذ محمد علي باشا

May 19th 2020 | كتبها

شكل القوميون العرب تاريخياً التيار الأكثر تعرضاً للاستهداف المنهجي في العصر الحديث بالضبط لأنه التيار الذي يشكل تحقيق أهدافه، مثل الوحدة والتحرير والنهضة، انقلاباً جذرياً في بنيان المعادلات الدولية والإقليمية. ولهذا فإنّ تقويض أسس التيار القومي، وجاذبيته لقواعده الجماهيرية الطبيعية، وقدرته على التعبئة والتنظيم، وعلى إيصال رسالته، أصبح هدفاً أول للإمبريالية وأدواتها، بشكل منفصل عن هدفها في الحيلولة بين التيار القومي وبين تحقيق أهدافه بالقوة العسكرية كما فعلت مع كل قوة عربية ذات نزوع قومي منذ النصف الأول من القرن التاسع عشر إلى يومنا هذا.

وقد بانت ملامح هذه الاستراتيجية الإمبريالية بوضوح منذ محمد علي باشا الكبير في مصر، لا بل من قبله، عندما واجَهَ الشعب المصري، لا المماليك أو العثمانيون، حمْلة نابليون على مصر. وكما ذكَر نابليون بونابرت في مذكّراته التي أملاها في منفاه في جزيرة سانت هيلانة: “والذي يقرأ بالتفاتٍ تامّ تاريخ الحوادث التي توالَت على مصر في القرنين الأخيرتين – السابع والثامن عشر – يوقن بأنه لو عهدت الدولة العثمانية إلى والٍ من أهل البلاد، كما هو الحال في ألبانيا، بدلاً من أن تعهد إلى اثني عشر ألفاً من المماليك، لاستقلّت المملكة العربية التي تتألف من أمّة تخالف الأمم غيرها مخالفةً كليةً بعقليتها وأوهامها ولغتها وتاريخها، وشملت مصر وبلاد العرب وشطراً من بلاد أفريقيا” (1).

كما نقل المؤرخ المصري العريق محمد فؤاد شكري عن دي بوالكموت مبعوث الدول الأوروبية إلى محمد علي، في تقريره لتلك الدول، الخوفَ من الصعود العربي في ظلّ محمد علي باشا: “وهناك من ناحية أخرى أمرٌ لا نستطيع حتى الآن أن نتكهّن بنتائجه، ونعني بذلك تلك الحروب التي وضعت أوزارها منذ عهدٍ قريب، وما سوف تبثّه في نفوس الأمة العربية من شعور بالقومية، وروح عسكرية، على يد جيوش محمد علي الجرّارة، مما يوقظ فيها الشعور بقوّتها من جديد، ويولّد في أبناء العرب الرغبة في أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم…” (2)، وقد نقل دي بوالكموت في تقريره أنه لم يلحظ بعد شيئاً من هذا القبيل.

لكن قضية الصعود العربي كانت، وما برحت، تقلق أوروبا بشدة، خصوصاً من خلال النزعة العسكرية التي قد تكون قد تسرّبت عبر جيوش محمد علي باشا. ويضيف محمد فؤاد شكري أن دي بوالكموت طرح الموضوع مباشرة مع محمد علي، الذي طمّأنه أنّ العربي لم يكن يسمح له أن يصل إلى أعلى من رتبة يوزباشي (أي نقيب) (3)، وكان محمد علي باشا هو الذي فتح الباب أمام المصريين ليدخلوا سلك العسكرية الذي كان محظوراً عليهم من قبله… فافتتح بذلك سيرورة هي التي جعلت نبوءة دي بوالكموت تتحقق بعدها بعقود مع وصول أحمد عرابي لمنصب وزير الدفاع مما اقتضى تدخلاً عسكرياً بريطانياً مباشراً في مصر تحول إلى احتلال لم يزُل إلا بعد ثورة 23 يوليو 1952 التي تمثل بدورها حراكاً لعسكريين عرب مصريين ما كانوا ليصلوا إلى ما وصلوا إليه لولا ما بدأه محمد علي باشا.

وكان البريطانيون يحاربون محمد علي باشا لأنهم اعتبروه مشروعاً عربياً. ولعل أكبر عدو استراتيجي للمشروع القومي العربي في العصر الحديث، وواضع أسس مناهضته، ومنها تأسيس دولة الكيان الصهيوني كحاجز جغرافي-سياسي يفصل ما بين الجناحين الآسيوي والأفريقي للأمة العربية، هو اللورد بالمرستون وزير الخارجية البريطاني في عهد محمد علي، الذي أصبح فيما بعد رئيساً لوزراء بريطانيا، وقد اشتُهر بكراهية محمد علي كرهاً شديداً، والسعي لتشويهه، أسوةً بكثيرين من المستشرقين والإسلامويين اليوم، وقد نُقل عنه القول: “إنني أكره محمد علي الذي اعتَبِره بربرياً جاهلاً، أحرَزَ النجاح عن طريق التحايل والوقاحة”(4). لكنّ مشكلة ذلك المخلوق البرمائي ذي الدم البارد، بالمرستون، الذي صاغ استراتيجيات إمبراطورية بريطانية ما زلنا نعاني آثارها حتى اليوم، لم تكن مشكلة شخصية مع محمد علي على الإطلاق، بل قناعته التي دوّنها كتابةً في العام 1833: “إنّ الهدف الحقيقي لوالي مصر هو: تأسيس مملكة عربية تضم جميع البلدان الناطقة باللغة العربية” (5).

ومن هنا جاء تدخل بريطانيا وبروسيا والنمسا وروسيا تدخلاً عسكرياً مباشراً لإخراج محمد علي باشا بالقوة العارية من الجناح الآسيوي للأمة العربية، وإعادته للسلطنة العثمانية (وهذه الواقعة التاريخية نقدمها للإسلامويين المدافعين عن النزعة العثمانية بالذات)، وتفكيك جيوش محمد علي الكبيرة والنهضة الصناعية التي أقامها.

مع هزيمة محمد علي باشا تقَهْقَر المشروع القومي عقوداً على الصعيد السياسي، بمعنى أنّ أهدافه المتمّثلة بتوحيد الأمة في دولة مركزية واحدة وتحقيق استقلالها عن قوى الهيمنة الخارجية والاحتلالات وإطلاق نهضتها الصناعية والثقافية أُجهِضَت في تلك الجولة التاريخية، لكنّ الحرب ضدّ التيار القومي نفسه استمرّت بضراوة، بطرقٍ أخرى، أيديولوجية وغير أيديولوجية، حتى اليوم والغد وما بعده.

الهوامش:
(1) الشرق الإسلامي في العصر الحديث، د. حسين مؤنس، مطبعة حجازي، القاهرة، الطبعة الثانية، 1938، ص 25.
(2) أوردها د. ذوقان قرقوط في الفصل الذي أسهم فيه في كتاب “الحركة العربية القومية في مائة عام”، إشراف وتحرير ناجي علوش، دار الشروق، عمان، الطبعة الأولى، 1997، ص 54.
(3) المصدر السابق.
(4) سياستان إزاء العالم العربي، يونداريفسكي، دار التقدم، موسكو، الطبعة الأولى، 1975.
(5) المصدر السابق.

للمشاركة على فيسبوك:

https://www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=283041686431258&id=100041762855804

الموضوعات المرتبطة

سورية: المنطق الاقتصادي خلف القانون رقم 8 لعام 2021 وشروط النجاح

د. إبراهيم علوش أصدر الرئيس السوري بشار الأسد الأسبوع الفائت القانون رقم 8 لعام 2021 الذي يسمح بتأسيس "مصارف التمويل الأصغر" بهدف تأمين قروض تشغيلية لمحدودي ومعدومي الدخل وتحقيق الاشتمال أو [...]

شرطان ضروريان لرفع الحصار عن سورية

المؤشرات الأولية حول تحولات سياسة إدارة الرئيس الأمريكي بايدن في منطقتنا بعيداً عن النهج الذي تبناه دونالد ترامب تتضمن، فيما تتضمنه، الإيحاء بالرغبة بـ: العودة للاتفاق النووي مع [...]

هل الاقتصاد السوري اقتصاد نيوليبرالي؟

د. إبراهيم علوش أثار الحوار حول الليبرالية الحديثة بعد خطاب الرئيس الأسد في جامع العثمان تساؤلات مشروعة لدى البعض حول الليبرالية الاقتصادية، وما إذا كانت سورية تسير في ركابها، ولماذا [...]

الديكتاتورية الرقمية… من الذي يديرها؟

ثمة اختلال جوهري في عالمنا الافتراضي.  إذ بينما تتوسع شبكات وسائل التواصل الاجتماعي لتشمل مليارات البشر، فإن عدداً أقل فأقل من الشركات الخاصة يبرز كأباطرة غير متوجين لهذا العالم المتمدد [...]

حول مفهوم العروبة في ذهنية الشارع العربي اليوم

حول مفهوم العروبة في ذهنية الشارع العربي اليوم* لا تعيش الفكرة القومية أفضل حالاتها في وطننا العربي اليوم، وذلك مكمن الضعف الذي لا بد من أن نضع الإصبع عليه.  فرخاوة الانتماء القومي [...]
2021 الصوت العربي الحر.