العقب الحديدية وانحلال الجمهورية في الولايات المتحدة

June 1st 2020 | كتبها

“العقب الحديدية” هي الترجمة العربية لعنوان رواية جاك لندن The Iron Heel، أما ترجمة العنوان الحرفية الأدق فهي في الواقع “كعب القدم الحديدي” (بالمفرد)، وقد نُشرت عام 1908 من منظور مستقبلي، كأنها مذكرات امرأة مناضلة لمرحلة سابقة، تتخللها ملاحظات مؤرخ بعد تلك المذكرات بمئات الأعوام، بعد أن انحلت الجمهورية في الولايات المتحدة الأمريكية لتحل محلها ديكتاتورية فاشية غاشمة تحمي الأوليغارشية، أو حكم كبار الأغنياء، بقوة كعب القدم الحديدي، أو “البسطار” العسكري بتعبيرنا، تتبعها ثورات وانتفاضات أغرقت بالدماء والخيانات والتآمر.

كانت رواية “العقب الحديدية” من الأدبيات الرائجة في صفوف منظمات اليسار الجديد في الوطن العربي، لا سيما في لبنان، وكنت قد التهمتها صغيراً… وفي بداية التسعينيات خلال انخراطي في برنامج الدكتوراة في إحدى الجامعات الأمريكية، افتقدتُ الرواية، فذهبت إلى مكتبة الجامعة وبحثت عنها ولم أجدها، ولم أجد سجلاً حتى لرواية لجاك لندن بهذا الاسم من بين أعماله، كأنها لم توجد أصلاً، فذهبت إلى أمينة المكتبة وسألتها عنها، فنظرت إلي باستغراب شديد، وأصرت على أنني مخطئ على وجه التأكيد، وأنها ضليعة بالأدب الأمريكي المعاصر، وأن جاك لندن لم يكتب في حياته رواية من هذا النوع، لكنها طلبت أن أعود بعد أيام بعد أن تتأكد “من شيءٍ ما”، على سبيل الاحتياط فحسب..

وعندما عدت، قالت إن ثمة رواية لجاك لندن بهذا العنوان فعلاً، وأنها حُظرت على ما يبدو في وقتٍ ما، خلال الفترة المكارثية على الأرجح، وانقطع ذكرها، وتوجد منها بضع نسخٍ في أقسام محددة في مكتبات بعينها غير متاحة للإعارة.. هكذا إذاً.. شكراً.

التاريخ هو بضعة أشهر بعد ربيع عام 1992 عندما وقعت أحداث الشغب الرهيبة في لوس أنجلوس ومدنٍ أمريكية أخرى بعد اعتداء الشرطة الأمريكية الوحشي على المواطن الأمريكي الإفريقي الأصل رودني كينغ. وفي لحظة صفاء بعدها تذكرت مقطعاً في رواية “العقب الحديدية”، بعد فشل الثورة المنظمة، يتحدث عن انتفاضة “أهل القاع” The people of the abyss، أي الرعاع بتعبيرنا، وكيف تحولت تلك الانتفاضة، بفعل غياب القيادة والتنظيم والوعي، إلى عنف أهوج وعمليات حرق وسلب ونهب وقتل عشوائي تتصدر فيها العصابات الإجرامية المشهد، وترتد إلى صدور الحاضنة الاجتماعية ذاتها التي انطلقت منها تلك الانتفاضة العفوية ضد النظام الأمريكي الديكتاتوري بحسب رواية جاك لندن المخفية.

في عام 1992 تم نهب المتاجر القليلة المتبقية في الأحياء الفقيرة في بعض الغيتوات الأمريكية وتكسيرها وحرقها، مما عنى فرصاً أقل للعمل ومسافة أبعد للحصول على حاجيات المنزل الأساسية، كما عنى تشويهاً لوجه الحراك، ومعاناة أهل المناطق الفقيرة منه، وهو ما شكل أفضل مدخل لدخول قوات الحرس الوطني أو الجيش إليها، مما جعل الأمر برمته يبدو مشبوهاً..

اليوم، نرى في بعض وجوه الاحتجاجات في الأحياء الداخلية الأمريكية شيئاً شبيهاً، وليست كل الاحتجاجات الأمريكية هكذا طبعاً، وكاذب من يقول ذلك.. لكن غياب الوعي والتنظيم والتوجيه يخلق أفضل بيئة لتحويل أي حراك مشروع إلى حكم الغوغاء mobocracy لتنحل الانتفاضة إلى حالة إجرامية متجرثمة.. ولا بد من أن أذكر، من قبيل الأمانة، أن بعض الكتاب الأمريكيين المناهضين للدولة الأمريكية يعدون عصابات الأحياء تلك ذاتها شكلاً من أشكال التنظيم الاجتماعي المقاوِم، إذ أن بعضها هو الذي دخل اشتباكات مسلحة مع الحرس الوطني عند اقتحامه تلك الأحياء.

الكلام غير مقنع بالنسبة لي، فأي حراك يمكن أن تقوده عصابات إجرامية؟ وإلى أي مآل سياسي يمكن أن يقود؟ وربما يبدو الكلام “نخبوياً”، لكن الحراك الذي لا تكون قيادته وأهدافه ومعالمه واضحة توجد عليه دوماً علامات استفهام، أو أنه يصبح قابلاً للتجيير، في مثل هذه الحالة، قابلاً للتجيير من قبل الدولة العميقة التي تود كثيراً الإطاحة بترامب!

وما سبق لا يقلل من عنصرية النظام الأمريكي، ولا من كونه نظاماً تحكمه الأوليغارشية تحت قناع “ديموقراطي” أو “جمهوري”، لا فرق، ولا يقلل من سرور الكثير من شعوب الأرض التي عانت الأمرين من التدخلات والحروب الخارجية الأمريكية عندما ترى حراكات من هذا النوع، أو حرباً أهلية أمريكية جديدة.

لكن من سيقطف الثمار، في ظل غياب قيادة وتنظيم ووعي مناهض للنظام الأمريكي حقاً، سوى الدولة العميقة المناهضة لترامب؟

هذا ما يجب أن نفكر فيه ونحن نحتفل بمثل هذا الحراك وندعمه وندعو لتصاعده.. فالتوظيف السياسي قد يغلب الدوافع النبيلة..

بالمناسبة، من يجري بحثاً بالإنكليزية على الشبكة العنكبوتية، سيجد أن رواية جاك لندن The Iron Heel تمت إعادة طباعتها مراراً في السنوات العشر الأخيرة، وربما ظنوا أنها لم تعد ذات أثر سياسي أو تنبؤي، بعد مئة عام من نشرها لأول مرة، فكم هم مخطئون؟! لأن النظام الأمريكي ساقطٌ لا محالة، إن عاجلاً أم آجلاً.

د. إبراهيم علوش

للمشاركة على فيسبوك:

العقب الحديدية وانحلال الجمهورية في الولايات المتحدة"العقب الحديدية" هي الترجمة العربية لعنوان رواية جاك لندن The Iron…

Geplaatst door ‎إبراهيم علوش‎ op Zondag 31 mei 2020

الموضوعات المرتبطة

ملاحظات على هامش اللحظة المصرية الراهنة

- لا يحتاج أي مراقب سياسي حصيف للكثير من الجهد ليلاحظ أن مصر يتم تطويقها اليوم من بوابة: أ – خطر الإرهاب في سيناء من الشرق، ب – خطر قطع مياه النيل من الجنوب، ج – الخطر التركي من الغرب [...]

العمل القومي: لا نجاح من دون التعلم من التجارب الفاشلة

إذا كانت التجارب القومية العربية خلال القرنين الأخيرين قد انكسرت أو فشلت، فإن ذلك لا يعني سقوط الفكرة القومية، كما أن سقوط السلطنة العثمانية لا يعني انتهاء مشروع الإسلام السياسي، وسقوط [...]

نقطة البداية في إعادة إحياء التيار القومي اليوم

بعد الاحتلال البريطاني لمصر في العام 1882، في ظلّ ولاية "حافظ الحمى والديار في وجه الاستعمار" السلطان عبد الحميد الثاني، باتَ شَطْب الوعي القومي العروبي لمصر ضرورة استراتيجية كصمام أمان [...]

الاستهداف الغربي للفكرة القومية العربية منذ محمد علي باشا

شكل القوميون العرب تاريخياً التيار الأكثر تعرضاً للاستهداف المنهجي في العصر الحديث بالضبط لأنه التيار الذي يشكل تحقيق أهدافه، مثل الوحدة والتحرير والنهضة، انقلاباً جذرياً في بنيان [...]
2020 الصوت العربي الحر.