هل المشكلة في اللغة العربية؟

July 21st 2020 | كتبها

إبراهيم علوش

كيف يمكن للغة نُسِجت من لُبُناتها في القرون الوسطى علومٌ صرفة وتطبيقية في حقول الطب والهندسة والرياضيات والفيزياء والفلك والكيمياء والموسيقى، ناهيك عما صيغ من مفرداتها في مجال الشعر والأدب والفكر والفلسفة والفقه وعلوم الدين، والجغرافيا والتاريخ وعلم الاجتماع، أن تُتهم بإعاقة التقدم الحضاري والعلمي للعرب؟! لغةٌ تأسست في ظلها آلاف المدارس في المدن العربية، أصبحت نموذجاً للتعليم من خُراسان في الشرق إلى صقلية والأندلس وغرب أفريقيا، ونشأت في كنفها أوائل الجامعات ومراكز الأبحاث، ومنها الأزهر في القاهرة عام 969 ميلادي، وجامعة القرويين في المغرب عام 859 ميلادي، وجامعة الزيتونة في تونس عام 737 ميلادي، وبيت الحكمة في بغداد عام 840 ميلادي تقريباً حيث تمت أكبر عملية ترجمة وتعريب في تاريخ الثقافة من اليونانية والفارسية والهندية ومن اللغات العربية القديمة مثل السريانية والكلدانية والقبطية، كيف يمكن للغةٍ تملك مثل تلك السيرة الذاتية أن تصبح قابليتُها للانخراط في عملية التفاعل الحضاري وإغنائه موضع شكٍ أو تشكيك؟!

الحرف العربي، بالمناسبة، ليس المركِب الخطي أو الوعاء الأبجدي للغة العربية فحسب، فهو لا يزال يحمل على متنه كلياً أو جزئياً عشرات اللغات الأخرى، مثل الفارسية والأردية والباشتونية والبلوشية والسندية والكشميرية وبعض اللهجات الكردية وغيرها من اللغات في آسيا الوسطى وجنوب آسيا وأفريقيا؛ ناهيك عن لغات كُتِبت مفرداتها بالعربية فترات طويلة، مثل التركية، التي تخلت عن الأبجدية العربية في عشرينيات القرن العشرين، واللغة السواحيلية في أفريقيا التي انتقلت للحرف اللاتيني في القرن التاسع عشر مع مجيء الاستعمار الأوروبي، وكذلك الأذرية في أذربيجان، والنوبية في أفريقيا، ولهجات الأقليات التترية في بولندا وروسيا البيضاء وشبه جزيرة القرم، ولهجة البوسنيين في شبه جزيرة البلقان، وغيرها كثير. لسنا إذاً إزاء أبجدية واهنة أو قاصرة عن ممارسة فعل الانتشار الحضاري بعيداً عن موطنها الأصلي، لأنها سليلة الأبجديات الأولى في التاريخ البشري، الفينيقية-الكنعانية، ولأن العربية تحمل في جيناتها اللغوية عنفوان أربعة آلاف عام من التطور اللغوي، منذ وجدت النقوش الأولى للهجات العربية القديمة، في سيناء أو بيبلوس (ولا يعنينا ذلك النقاش هنا حالياً).

المهم أن العربيةَ لغةٌ عريقةٌ في جذورها، تطورت وعاشت على مدى ألفيات، وانتشرت وتغلغلت عبر قارات العالم القديم كله، وأثّرت في لغات كثيرة شرقية وغربية، وتحولت إلى رافعة ثقافية لمشروع حضاري عملاق في ظل الدولة العربية-الإسلامية، بخاصة في الطور العباسي الأول والثاني، عندما كان الغرب ما يزال يتمرغ في أوحال التخلف والانحطاط. وقد أثبتت اللغة العربية قدرتها على: 1) استيعاب أهم منتجات التراث العلمي والأدبي والفلسفي من اللغات الأخرى، وبعضها لغات قديمة جداً، وتعريبه، وقد لعب العرب المسيحيون، مثل يوحنا بن ماسويه، دوراً رئيسياً في ذلك المشروع، 2) تأصيل ذلك التراث وغربلته وتلقيحه بمرجعيات عربية وإسلامية، 3) لإطلاق دينامية إنتاج علمي وفكري وفلسفي أصيلة، باللغة العربية، ظلت تلعب على مدى قرون دوراً طليعياً رائداً في تقدم العلوم والتكنولوجيا والفكر العالمي. ويشار إلى أن اللغة العربية لم تعجز يوماً عن إنتاج مصطلح عربي قادر على تصنيف ووصف كل فتح جديد في مجال الفكر أو العلم أو المخترعات، من أدوات الجراحة للزهراوي، لطرق تحضير الأدوية عند الرازي، للجبر عند الخوارزمي، لأجزاء العين عند ابن الهيثم، للأدوات الفلكية كالإسطرلاب، والمصطلحات المستخدمة لوصف العمليات الكيميائية مثل التقطير والتنقية والتخمير والتبخير، لخرائط الإدريسي، وغيرها كثير.

من البديهي أن اللغة العربية ما كان بمقدورها أن تستمر وترتقي، وأن تنتج علماً وفناً وأدباً يواكب العصر، وأن تفرّخ فيضاً من المصطلحات العلمية والفلسفية المتوائمة مع العقل العربي والواقع المتغير في آنٍ، لولا مرونتها العالية ومنابع الخلق والإبداع المتأصلة فيها لإنتاج عملية التوليد اللفظي والدلالي بشكلٍ متجدد. وما تزال تلك المرونة وذلك الجوهر حاضرين في خواصها الأساسية عندما تتوفر الإرادة والجهد للاستفادة منها، ومن تلك الخواص الاشتقاق، أي توليد الألفاظ بعضها من بعض، بناءً على قوانين محددة، والرجوع بها لأصلٍ واحد، سواء كان ذلك الأصل فعلاً أو اسماً أو نسبة (مثل قومي/ة أو جذري/ة) وصولاً لتعريب الأسماء الأجنبية (مثل كلمة راديو، التي عُربت “مِذياع”، باعتبار أن اسم الآلة يجري على وزن مِفعال، مثل مِسبار، مِنشار، مِبرَد، مِكنَسة، إلخ… ويمكن أن تعرَّب الكلمات على وزن فاعول، مثل كومبيوتر الذي يصبح “حاسوب”، مثل قاموس، فانوس، ناقوس، صاروخ، إلخ…). ويمكن اعتبار الكلمات الأجنبية المعرّبة قبيلة أخرى من العرب المستعربة دخلتها من باب الثقافة.

كذلك الأمر بالنسبة للنحو والإعراب الذي لا يساعد على تبيان معاني القرآن الكريم فحسب بل على تبين الدلالات اللفظية والمعنوية للأسماء والأفعال عامةً، بناءً على موقع الكلمة في الجملة، مما يساعد على دقة الفهم، وهو ما لا غنى عنه في أي كتابة علمية أو فكرية دقيقة. والإعراب هو الذي يساعدنا على التمييز بين الالفاظ المتكافئة، فهو لا يقتصر على البعد اللفظي في النحو. مثلاً، لو قلنا: لا تتركْ النضال وتحاضرَ فيه (بفتح الراء في تحاضر)، فإن ذلك يفيد النهي عن ترك النضال وإتباع ذلك بإلقاء المحاضرات فيه، ولو قلنا: لا تتركْ النضال وتحاضرْ فيه (بتسكين الراء)، فإن ذلك يفيد النهي عن ترك النضال كما يفيد النهي عن إلقاء المحاضرات فيه، سواء كنت قد تركته أم بقيت تمارسه، فلا تتركه ولا تحاضرْ فيه بأية حال، ولو قلنا: لا تتركْ النضال وتحاضرُ فيه (بضم الراء)، فإن ذلك قد يفيد إباحة المحاضرة فيه، أي لك أن تحاضرَ فيه، مع أنها ثقيلة على السمع (لفظياً ومعنوياً!). والعبرة أن الحركات في آخر الكلام ليست فائضة عن الحاجة وليست للزينة، بل قد تغير المعنى تماماً، وما يهمنا هنا أن إعادة تصريف الكلمات بشكل موجه لاستنباط معاني جديدة، أي لاشتقاق المعاني وصياغة المصطلحات الجديدة، يرتبط بتفعيلتها (حركة كل حرف فيها)، وبإعرابها إن لم تكن مبنية أو ممنوعة من الصرف كما حال الكلمات الأعجمية.

مثل تلك الفروق الدقيقة تقودنا طبعاً للحديث عن خاصية الترادف في اللغة العربية، أي الكلمات التي تفيد المعنى نفسه، من ردف، بمعنى تبِع، أي تبع الكلمة في معناها، وهي خاصية موجودة في الكثير من اللغات العالمية، وربما يوجد سوء فهم شائع حول كثرة المترادفات في اللغة العربية، ورب قائلٍ مثلاً إن ثمة 300 اسم للسيف في اللغة العربية، ولكن ذلك ليس دقيقاً تماماً إذ توجد فروق دقيقة بينها، مثلاً المهند هو السيف المصنوع في الهند، واليماني هو المصنوع في اليمن، والحسام هو القاطع الحاد، والمدجل هو السيف المطلي بماء الذهب، إلخ… وما تحولت تلك الكلمات المختلفة جزئياً في معناها إلى مترادفات متطابقة إلا بسبب الاستخدام الشائع لها كمترادفات متطابقة. وكذلك الأمر بالنسبة لدرجات الحزن أو الحب أو غيرها عند العرب، التي يتم التعامل معها كمترادفات، ولو قلنا مدح وإطراء وثناء وتقريظ لظنناها مترادفة، لكن الإطراء هو المدح في الوجه فقط، والثناء هو تكرار المدح، والتقريظ يكون للحي، والتأبين هو مدح الميت، والمدح هو القاسم المشترك بينها جميعاً. والفكرة هنا أن ثمة ثراء وغنى يفوق التصور في لغتنا، وليس القصد من هذا القول إغداق المديح الإنشائي عليها، إنما الإشارة إلى أن مثل هذه التفاصيل الدقيقة تتيح للغتنا أن تمسك برقبة أي معنى مهما بلغ تعقيده وازدادت تفاصيله، وأن تبيان جماليات هذه اللغة لأهلها من خلال أساليب تعليم أقل جموداً قد يسهم بدفعهم لتعلمها بصورة أفضل.

ثمة خواص عديدة أخرى للغة العربية، ولا أزعم التخصص فيها، إنما أنا أحد محبيها، وهي كائنٌ حي تموت فيه خلايا وتنمو خلايا جديدة كل يوم، فتندثر بعض كلماتها، وتتوالد أخرى، ويكتسب بعضها الآخر مدلولات جديدة مع اختلاف الأزمنة والمراحل، والتساهل في الاستعمال، وهذا أمر طبيعي.

لكن اللغة أحوالها من أحوال الأمة التي تنطق بلسانها، فلا يجوز أن نحمّلها ذنب قصورنا عن إنجاز مشروعنا الحضاري العربي. فعندما كانت الأمة في حالة صعود، وعندما كانت تنتج الأفكار والنظريات والاختراعات، لم تقصّر اللغة العربية عن مدنا بجيوشٍ من التعابير والمصطلحات القادرة على حملها والتعبير عنها. والأمة التي تنتج وتحارب وتكتشف وتفكر وتخترع لا تنتج مصطلحاتها الخاصة فحسب، بل تفرض تلك المصطلحات بقوة تقدمها العلمي والفكري في لغات العالم، ولهذا نجد الكثير من الكلمات العربية من العصور الوسطى في اللغات الأوروبية مثلاً، ومنها كلمة “جبر” Algebra، وكلمة “تعرفة” Tariff، بمعنى ضريبة مرور (قبل أن نصبح بلا سيادة)، وكلمة “ديوان” Le divan بالفرنسية، وكلمات مثل قطن وسكر وكيمياء وقلوي وصفر، التي كانت تشكل اختراعات رهيبة بالنسبة للغربيين وقتها، وكلمة “ذروة” بمعنى zenith بالإنكليزية.

لأننا اليوم لا ننتج ونخترع ونتقدم، فإننا نتحول إلى مستهلكين، وتبدأ الكلمات الأجنبية بغزونا، مع المنتجات الأجنبية، من الإبرة للطائرة، ونبدأ بنقد لغتنا بسبب ذلك، فنتهمها بالعجز عن مواكبة العصر! ومن البديهي أن مرحلة سيطرة الأعاجم على العرب، ابتداء من العصر العباسي الثالث وانتهاء بالاحتلال العثماني، كانت هي ذاتها مرحلة الانحطاط الحضاري والسياسي العربي، ومعه الانحطاط اللغوي الذي تجلى أحد أشكاله بتراجع الفاعلية الحضارية للغة العربية في الوطن العربي وفي العالم، كما تجلت بتقوقع اللغة في السفسطة والتكلف المفرط عند أدباء القصور المنفصلين عن عامة الشعب الذي يتم تجهيله على كل المستويات، ومنه لغوياً ودينياً.

باختصار، نحتاج لمشروع محمد علي باشا الكبير في النصف الأول من القرن التاسع عشر ليكون لدينا مشروع رفاعة الطهطاوي ومدرسة الألسن. عندها ستكتسب اللغة حيوية داخلية ستفرض التجديد على قاعدة الأصالة، انطلاقاً من حاجات مجتمعنا ذاتها، لا خضوعاً لمقتضيات التبعية للخارج، وسيتم ذلك على هامش المشروع الحضاري العربي، مشروع النهوض الكبير، الذي سيغذيها وتغذيه النهضة اللغوية العربية.

أما البحث عن مشروع لـ”تحديث اللغة العربية” بزعم التماشي مع العصر، على ما زعموا، فلا يختلف عن البحث عن مشروع تنموي للاقتصادات العربية في ظل التبعية والتجزئة. كلاهما لعبٌ في الزمن المفوت، وكلاهما تُفلت من بين يديه الحلقة المركزية التي يمكن عبر الإمساك بها فقط أن نمسك بباقي الحلقات: المشروع القومي العربي، مشروع الوحدة والتحرير والنهضة.

وبالمناسبة، ينطبق هذا أيضاً على القضايا الاجتماعية، فقد كانت المدارس والجامعات العربية المذكورة أعلاه، والتي بدأت في الجوامع، تضم المواطنين العرب من كافة الأعراق والطوائف والأديان والأعمار، وكانت تضم الرجال والنساء، وكانت تُدرِس الدين وكافة العلوم والآداب والتخصصات، حسب مستواها، ويقول هادي العلوي في كتابه “فصول عن المرأة”: وصلت إلينا لوحة للرسام يحيى الواسطي من القرن السابع تصور امرأة وهي تلقي دروسا على الرجال، وهي مكشوفة الوجه محجبة الشعر.

للمشاركة على فيسبوك:

هل المشكلة في اللغة العربية؟كيف يمكن للغة نُسِجت من لُبُناتها في القرون الوسطى علومٌ صرفة وتطبيقية في حقول الطب…

Geplaatst door ‎إبراهيم علوش‎ op Dinsdag 21 juli 2020

الموضوعات المرتبطة

حركات الإسلام السياسي كمنتج للحداثة الغربية

  إبراهيم علوش  - طلقة تنوير 31 يقول روبرت درايفوس في الصفحة الأولى من الفصل الأول من كتابه "لعبة الشيطان: كيف ساعدت أمريكا على إطلاق العنان للإسلام الأصولي" (2005) إن جمال الدين الأفغاني التقى [...]

الخيار القومي بين الأنظمة الرجعية ونهج المقاومة

إبراهيم علوش – طلقة تنوير 71 كثيراً ما تقدم الأنظمة الخليجية سياساتها ودورها بأنه دفاعٌ عروبيٌ عن المنطقة في مواجهة "التمدد الإيراني"، وكثيراً ما يلمح المرء، بالمقابل، في ثنايا خطاب بعض [...]

طلقة تنوير 71: عن الأنظمة والمشروع العربي ونهج المقاومة

  المجلة الثقافية للائحة القومي العربي... عدد 1 أيلول 2020   - الرجعية العربية تقود الأمة إلى الهاوية/ كريمة الروبي   - الخيار القومي بين الأنظمة الرجعية ونهج المقاومة/ إبراهيم علوش   - المشروع [...]

ما بعد الحصار الاقتصادي: الشق المنحدر من قوس الهيمنة الغربية

إبراهيم علوش – طلقة تنوير 70 تنبع قدرة الدول الغربية عموماً، والولايات المتحدة خصوصاً، في فرض: أ – العقوبات، ب - الحظر ج - والحصار الاقتصادي، وكلٌ من هذه المصطلحات يمثل درجةً أشد من التضييق [...]

في الذكرى الثامنة لرحيله: قراءة في كتاب “حوار حول الأمة والقومية والوحدة” لناجي علوش

إبراهيم علوش – طلقة تنوير 68 "حوار حول الأمة والقومية والوحدة" هو أحد عناوين كتب المفكر والقيادي القومي العربي الراحل ناجي علوش (1935-2012)، وقد صدر ذلك الكتاب عن دار الطليعة في بيروت عام 1980، وكان [...]
2020 الصوت العربي الحر.