في المصطلح والمصطلح القومي العربي

December 1st 2020 | كتبها

في المصطلح والمصطلح القومي العربي

إبراهيم علوش – طلقة تنوير 72

  • مدخل إلى مفهوم المصطلح:

تُستخدم المصطلحات، والبعض يرى أن من الأفضل لغوياً تسميتها “اصطلاحات”، ومفردها “اصطلاح” بدلاً من “مصطلح”، لتنظيم العلوم والمعارف في المجالات المختلفة، فكيف ندرس الفيزياء مثلاً من دون مصطلحات مثل “الجاذبية” و”التسارع” و”الكتلة”، وكيف ندرس الرياضيات من دون مصطلحات مثل “الاشتقاق” و”الدالة” و”المتغيرات”، وكيف ندرس علم الاقتصاد من دون مصطلحات مثل “الكلفة الحدية” و”توازن السوق” و”الكتلة النقدية”، وكيف ندرس المنطق من دون مصطلحات مثل “استدلال” و”برهان” و”استنتاج”، إلخ…؟

كذلك تحفل شتى العلوم الطبيعية والاجتماعية بنظريات متصارعة أحياناً تحاول فرض وجودها الأكاديمي عبر ترويج مصطلحاتها في تفسير الظاهرة التي تدرسها، فمصطلح “فائض القيمة” الماركسي لن تجد له أثراً في علم الاقتصاد الغربي على سبيل المثال، لأنه يدلل على وجود استغلال، وهذا مرفوض غربياً، ومصطلح “نظرية التبعية” لن تجد له أثراً، إلا في أقسام علم السياسية ربما، أي ليس في أقسام علم الاقتصاد، عند دراسة مسألة التنمية في النظريات الغربية، ومصطلح “النشوء والارتقاء”، الذي استُل من نظرية لداروين بالاسم ذاته، يسود في علم الأحياء، لكنه يثير خلافات سياسية ضارية مع أنصار اليمين المسيحي في الغرب الذين يعتبرونه نوعاً من “الكفر”، وبالتالي يحاولون منع تدريس تلك النظرية في المناهج!

لكنْ حتى لو وجِدَت نظريةٌ أو مدرسة فكرية لا يتفق معها المرء، فلا بد من اسمٍ ما لها، لإتاحة نقدها ودحضها على الأقل، كما أن تسمية الأشياء والبشر والدول والكواكب والظواهر وكل شيء باسم ما خاص به هو مقدمة ضرورية للتعرف على العالم، ولفصل الظاهرة موضع الدراسة عن غيرها معرفياً، وهو ما أفهمه مما جاء في القرآن الكريم في سورة البقرة: وعلّم آدمَ الأسماءَ كلَها.

إذاً لا بد من تأطير الواقع والفكر والعلوم والنظريات بمصطلحات ملائمة لها، وتعبير اصطلاح بحد ذاته يعني فعلياً “ما اصطُلح أو اتُفق على تسميته هكذا” من قبل أصحاب الشأن أو الاختصاص، فبدلاً من العودة إلى ظاهرة أو قانون أو نظرية أو مفهوم ما وشرحه بالتفصيل في كل مرة نحتاج فيها للعودة إليه، يحُل المصطلح محلَ ما اصطُلح عليه لتسهيل الإشارة إليه واستخدامه في الشرح والتحليل والنقد والاستنتاج والاستدلال، فالمصطلح عبارة عن وسم أو بطاقة تعريفية، وثمة نظريات مختلفة في كيفية وضع المصطلحات لن ندخل فيها هنا.  وما يهمنا هو أن الأساس بالمصطلحات هو أنها يُفترض أن تكون محايدة وعلمية، فلو قلنا “الضغط الجوي” أو “رقم قياسي” أو “تفاعل كيميائي” مثلاً، فإن ذلك قلما يثير مشاعرَ خاصةً سلبية أو إيجابية أو تحيزاً، إلا بالنسبة لعالِم أو طالب  في مختبر أو خلف حاسوب ربما يعمل على تجربة علمية أو يشتغل بمسألة إحصائية ما، أو عند تناول نظرية علمية خلافية.  والعبرة في التطور العلمي في “توحيد المصطلح” بين أهل الاختصاص، بمعنى أن يكون مُجمعاً عليه، وأن لا تسمي كل طائفة من العلماءِ والكتابِ الظاهرةَ أو المفهومَ أو المدرسةَ الفكريةَ ذاتَها باسماء أو مصطلحات مختلفة، ومن هنا أهمية قيام المجامع اللغوية في البلدان العربية بتأليف معاجم توحّد ترجمة المصطلح العلمي والتقني المترجم من لغات أجنبية، والطموح أن يكون إنتاج المصطلح العلمي والفكري عربياً أصلاً، لأن توحيد المصطلح يسهّل البحث العلمي والتفاعل الأكاديمي.

لكن لو ذهبنا باتجاه مصطلحات مثل “الاستشراق” أو “الإمبريالية” أو “جماعة ضغط” (في النظام السياسي الأمريكي) في العلوم والفكر الاجتماعي والسياسي، فإن حيادية المصطلح ذاتها تصبح مطروحةً على بساط البحث وقد تصبح موضع خلاف وشقاق، وبالتالي يصبح توحيد المصطلح مشكلة، فماذا لو تسلل مصطلح يظهر كأنه “محايد” في السياسة أو الإعلام لوصف شيء أو ظاهرة بطريقة تناقض ما هو عليه فعلاً لخدمة مصلحة جهة ما؟

ذلك هو جوهر المسألة هنا.

ومع أن العلوم الطبيعية تشهد اصطراعَ نظرياتٍ متضاربةٍ لكلٍ منها مصطلحاتُها أيضاً، فإن نسبة الشحنة السلبية أو الإيجابية الملتصقة بأي مصطلح تزداد كلما ذهبنا من العلوم الطبيعية إلى العلوم الاجتماعية، ومن العلوم الاجتماعية باتجاه الفكر عموماً والفكر السياسي خصوصاً، وتشهد ساحة الإعلام والشأن السياسي الراهن أشد تزوير وأقوى شدٍ وجذبٍ في حيز المصطلحات، ومن يتمكنْ من أن يفرضَ مصطلحاته ومن أن يُقصي مصطلحات خصومه عن حيز الحوار العام، ومن يتمكنْ من أن يصنّف خصومه بمصطلحات ذات شحنات سلبية وأن يصنف ذاته وحلفاءه ومواقفه وسلوكه بمصطلحات ذات شحنة إيجابية، يسيطرْ على الحوار العام، ويجدْ سنداً لأجندته أو برنامجه في العقول والقلوب، ولو كانت مصالحه مناقضة لمصالح من اخترق عقولهم وأفئدتهم بمصطلحاته، حتى لو لم تكن تلك المصطلحات دقيقةً أو أمينةً في وصف الظواهر التي تسعى لتأطيرها، وهو شكلٌ آخر من الهجمات لطالما استخدم منذ القدم، وبهذا المعنى قيل أن المنتصر هو الذي يكتب التاريخ (ومصطلحاته)، أما في عصر اقتصاد المعرفة والقنوات الفضائية والفضاء الافتراضي، فقد بات تزوير المصطلح وتحريفه معلماً رئيسياً من معالم الصراعات السياسية أكثر من أي مرحلة سابقة في التاريخ.

المصطلحات إذاً، بصفتها ما أُجمِع أو اتفِق عليه لتسمية شيء ما، هي ضرورة لا غنى عنها لدراسة العالم وفهمه، ولكنها قد تصبح في السياسة والإعلام بالذات مدخلاً لحرف زاوية نظر الرأي العام، أو “الشارع”، أو الناس عموماً، باتجاه متحيز لمصلحة من يملك القدرة والإمكانيات على الترويج لمصطلحاته دون غيرها وإقصاء مصطلحات غيره، ومن يملك مثل هذه القدرة هو فعلياً من يملك السيطرة على وسائل الإعلام ووسائل إنتاج الثقافة والعلوم، مثل الجامعات الكبرى ومراكز الأبحاث ودور النشر العالمية وغيرها، وهذه الجهة عالمياً هي احتكارات وسائل الإعلام العالمية مثل شركة Alphabet التي تملك محرك بحث “غوغل” وموقع “يوتيوب” وغيرها كثير، والتي كانت أكبر شركة إعلامية في العالم حتى شهر 11 عام 2019، ومثل شركة “والت ديزني”، ومثل شركة “فيسبوك”، ومثل شركة ورنر الأمريكية (التي تسيطر عليها شركة الاتصالات الأمريكية AT&T منذ عام 2018)، وعموماً فإن أكبر عشر شركات إعلامية في العالم ثمانٍ منها أمريكية حتى اليوم، وثمة واحدة ألمانية وأخرى صينية.  أما عربياً، فإن رأس المال الخليجي طبعاً هو الذي يسيطر على وسائل الإعلام والثقافة العربية، قناتا “الجزيرة” و”العربية” أنموذجاً.   ومن البديهي أن محرك بحث “غوغل” يتحكم بنوعية نتائج البحث التي تظهر على الشاشة، أو لا تظهر، أو تظهر بمراتب متدنية، وهذا يتضمن، فيما يتضمنه، الترويج لأسماء ومصطلحات دون غيرها بالضرورة.  كذلك من المعروف أن “فيسبوك” يعاقب المحتوى المقاوِم ويتحيز للمحتوى الصهيوني، ويستخدم في ذلك خوارزميات تتقصى تعابيرَ ومصطلحاتٍ وأسماء معينة على الصفحات دون غيرها…

  • المصطلحات سياسياً في السياق العربي:

 

ليست المصطلحات والتعابير السياسية المتداولة في الإعلام السائد عربياً ودولياً شيئاً محايداً أو أكاديمياً.  فهي تتضمن تحيزاً مسبقاً غيرَ بادٍ للعين المجردة، وهي تؤسس لقوانين “اللعبة” وتحاول إلزام من يتناولون قضية ما بوجهة نظر قوى الهيمنة الإعلامية والثقافية التي تُروج لمصطلحات تضعُ من يقف في طريقها في موقفٍ ضعيفٍ معنوياً وسياسياً، لذلكَ كتبتُ في مستهل كراس “المعركة على جبهة المصطلحات في الصراع العربي-الصهيوني” (2009):

“لعل أحد أهم الأسلحة التي تمتلكها القوى المهيمنة في العلاقات الدولية، أو داخل المجتمعات، هو أدواتها الثقافية والإعلامية التي تمكنها من صناعة المصطلحات وصياغة التعاريف.  فالمصطلحات والتعاريف ليست “مجردَ كلامٍ” كما قد يظن البعض، بل نقاطٌ مرجعية تسهم بتحديد قوانين اللعبة السياسية، وقوالبُ يُصَبُ داخلها الرأي العام، وهي على المدى البعيد، إذا تُركت تعمل من دون خطابٍ بديل، ذاتُ تأثيرٍ تراكميٍ يخترق الوعي الجمعي العربي ويفجره من الداخل، وينشئ قطاعاتٍ شعبيةً وثقافيةً عربيةً تفقِد الهوية والانتماء وتتحول إلى موالاة الصهيونية من خلال منظومة من القيم والمفاهيم التي تشكل ما يعرف باسم الوعي الزائف، أي الوعي الذي يؤسس لطريقة في النظر إلى الواقع تتماشى مع الاحتلال والقهر الذي فُرض على أمتنا لتبرره وتصبح عقبةً في طريق التخلص منه”.

على سبيل المثال، قد يبدو تعبير “العمل من أجل تحقيق الأمن والاستقرار” شيئاً إيجابياً ومرغوباً، إذ من هو العاقل السوي الذي يرفض الأمن والاستقرار؟!  لكن عندما يُطلَق مثل هذا التعبير في سياق الصراع العربي-الصهيوني، فإن معناه يصبح فعلياً: “الحفاظ على أمن واستقرار الاحتلال الصهيوني لفلسطين والجولان”، فلو طُرح السؤال على حقيقته: هل توافق على الاحتلال؟  فإن الإجابة سوف تختلف طبعاً مقارنةً بسؤال: هل توافق على الأمن والاستقرار بالمنطقة؟  ولذلك فإن السؤال الثاني يصبح غلافاً للسؤال الأول، الفعلي، الذي يتبعه منطقياً أن من يرفض الاحتلال الصهيوني يصبح “متطرفاً” أو حتى “إرهابياً” لأنه يهز “الأمن والاستقرار”، بما أنه يرفض أو يقاوم الاحتلال.

والعكس صحيح تماماً بالنسبة لسورية، فلو قلنا مثلاً: “ثورة من أجل الحرية، الديموقراطية، والإصلاح”، فإن موقف أغلب الناس، في سورية والوطن العربي والعالم، سوف يختلف عما لو قلنا: “فتنة ومجازر وإرهاب مدعوم وممول من الخارج”، فإذا ألبسنا القول الثاني لبوس الأول، كما فعلت عشرات القنوات الفضائية ومئات المواقع على الشبكة العنكبوتية والغرف السوداء التي تتغلغل في فضاء مواقع التواصل الاجتماعي، فإن الثائر في فلسطين يصبح “إرهابياً”، والإرهابي في سورية يصبح “ثائراً”، وهذا هو ما جرى فعلياً.

لذلك كانت أحد أهم أبعاد الصراع في سورية منذ عام 2011 تدور في فضاء المصطلحات: هل نحن إزاء “ثورة شعب ضد نظام ديكتاتوري مجرم”، أم إزاء “فتنة ومجازر وإرهاب مدعوم وممول من الغرب وتركيا والدول الخليجية ضد شعب ودولة مستقلة ذات سيادة”؟   والحقيقة أننا إذا وضعنا المسألة بشكلها هكذا، كمقولة في مواجهة أخرى، فإن الصراع يصبح أكثر عدالة، كصراع روايات متقابلة يحكمها ميزان التماسك المنطقي والوقائع، لا صراع مصطلحات وتعابير فحسب، أما حين تَغِيب أو تُغَيَّب روايتنا لما يجري على الأرض، وحين نواجه حملة إعلامية وافتراضية كاسحة خلفها قوى دولية وإقليمية كبرى تسعى لفرض المصطلحات المخترقة والمضللة كنقاطٍ مرجعية للحوار، ولحجب روايتنا ومصطلحاتها عن الحوار العام، فإن نصف المعركة يكون قد حُسم من دون إطلاق طلقة واحدة، إن لم يكن أكثر من النصف، لتصبح المصطلحات المعادية بيارق تجتمع جيوش “الشارع” الحقيقي أو الافتراضي من حولها، تماماً كما كانت الجيوش تجد في الرايات نقاطاً مرجعية تجتمع حولها في غبار المعارك في الأزمان الغابرة أيام السيوف والتروس، سوى أن المصطلحات المزيفة باتت هي الغبار الذي يحجب الرؤية اليوم.

  • نحو تأسيس مصطلح قومي عربي واضح:

لأن القومية العربية باتت تعني أشياء مختلفة، وحتى متناقضة، للناس المختلفين، وقد التبست المعاني المتصلة بها وتداخلت إلى حدٍ بات معه الخلط هو سيد الموقف، فلا بد من تأسيس مصطلح قومي عربي واضح.  فإذا كان لا بد من أن نختلف على القومية العربية، دعونا نحدد على الأقل على ماذا نختلف بالضبط.

  • العروبة أو القومية العربية كهوية وانتماء: هي الرابط الذي يشد أبناء الأمة العربية إلى بعضهم البعض استناداً إلى اللغة والتاريخ والثقافة والرقعة الجغرافية والمصير المشترك، وهي عوامل تاريخية عمرها آلاف السنين تنتِج الهوية القومية العربية والانتماء القومي العربي طبيعياً. نقول القومية العربية تمييزاً لها عن القوميات الأخرى، الصينية مثلاً أو الفرنسية أو الطورانية أو غيرها، إذ أن الوجود البشري على هذه الأرض يأتي على شكل شعوب وقبائل، والشعوب قوميات، ولا نقول شيئاً هنا عن أفضلية قومية على أخرى، إنما نقول إن انتماء أي فرد لقوميته هو هوية تاريخية تستند إلى حقيقة الوجود القومي.  والعروبة، بالمجرد، هي تلك الهوية وذلك الانتماء بغض النظر عن التوجه السياسي أو الفكري أو الديني أو الأصل العرقي  لحامل الهوية العربية.

  • القومية العربية (كمدرسة فكرية وعقيدة): هي أيديولوجيا أو مبدأ فكري تلتزم به حركات أو أحزاب سياسية أو مثقفون أو مناضلون، فهناك حركات أو أحزاب قومية عربية، ناصرية أو بعثية أو قومية يسارية مثلاً، وهنالك مفكرون قوميون، مثل ساطع الحصري أو عصمت سيف الدولة أو ياسين الحافظ أو ناجي علوش وغيرهم، وهناك قادة قوميون، مثل الرئيس جمال عبدالناصر والرئيس بشار الأسد، وهذا يعني أن هؤلاء عملوا أو يعملون من أجل وحدة الأمة العربية وتحررها ونهضتها، أو أنهم قدموا رؤىً فكرية تبلور المفاهيم القومية أو طرق تحقيق مشاريع الوحدة والتحرر والنهضة، وهناك مناضلون قوميون هم جنود وضباط المشروع القومي الذين يعملون ويضحون من أجل تحقيق أهدافه.

  • العروبة الرسمية أو الجامعة العربية: هي الإطار الذي يضم الدول التي صنع حدودها الاستعمار، فهي تمثل منظومة التجزئة، ولا تمثل الأمة العربية، لأن الأمة العربية هي الشعب العربي بلغته وتاريخه وثقافته ومصالحه ومصيره، والأمة العربية لم توجد تاريخياً بالشكل المقسم الذي تعبر عنه الجامعة العربية اليوم، فالجامعة العربية إطار صنعه البريطانيون ليمثل حدود التجزئة، وليحافظ عليها، وبالتالي فإن الأمة العربية والهوية العربية لا علاقة لهما البتة بما تفعله الجامعة العربية التي باتت تسيطر عليها أنظمة رجعية متخلفة تابعة للغرب، وما يحدث داخل الجامعة العربية هو نتاج ميزان القوى بين الأنظمة العربية، فلا يمكن أن ينتج عن الجامعة العربية شيءٌ جيدٌ إلا بتأثير أنظمة ذات توجه وطني وقومي داخلها، والجامعة ما هي إلا انعكاس للوضع العربي، ولكن المهم أن الجامعة العربية أو الأنظمة العربية ليست ممثلة العروبة.

  • الوطن العربي: هو الموطن الجغرافي للأمة العربية، وهو يتميز بحدود طبيعية معرّفة بالحواجز الطبيعية من جبال طوروس وزاغروس إلى البحار والمحيطات والصحارى الكبرى، وهذا الموطن يتعرض للتآكل بالغزو والاحتلالات عندما تكون الأمة ضعيفة ومجزأة كما يحدث اليوم، وبالتالي فإن مصطلح الوطن العربي أوسع من “البلدان العربية”، لأن في وطننا العربي أراضيَ محتلة كثيرة، لا فلسطين فحسب. ويجب أن نحذر من مصطلح “العالم العربي” المضلل، الذي يوحي أننا لسنا أمة واحدة، والأخطر منه طبعاً مصطلح “الشرق الأوسط” الاستعماري.

  • الشعب العربي: هو أبناء الأمة العربية وبناتها في كافة الأقطار العربية وعددنا اليوم 450 مليوناً تقريباً، وهو يختلف عن مفهوم “الأمة العربية” في أن مفهوم الأمة يتضمن معنى الذاكرة التاريخية واللسان العربي والأجيال السابقة وتلك التي لم تولد بعد، فمفهوم الأمة العربية أوسع من مفهوم الشعب العربي. فالشعب العربي جزء من الأمة العربية بشرياً ومعنوياً لكنه يعني الحاضر فقط، وهو تحديد بشري، أي “العرب”/الناس هنا واليوم، أي هو السوريون والعراقيون والحجازيون واليمنيون والمصريون والسودانيون وأهل المغرب العربي إلخ… وبالتالي فإن من يشتم “العرب”، فإنما يشتم ذاته، ولا يجوز الخلط بين الأنظمة العربية وما تقوم به من جهة، وبين العروبة أو الشعب العربي من جهةٍ أخرى، فإذا قام نظام عربي تابع للغرب بشيء ما ضد عرب آخرين فإن ذلك لا يدين كل أبناء البلد الذي يحكمه ذلك النظام، ولا يجعل عداءنا مع القُطر الذي يتحكم فيه ذلك النظام.  وكما قال الرئيس الأسد بعد تعليق عضوية سورية في الجامعة العربية: “العروبة هي انتماء لا عضوية.. العروبة هي هوية يمنحها التاريخ، لا شهادة تمنحها منظمة.. العروبة هي شرف يتمثل بالشعوب العربية، وليست عاراً يحمله البعض من المستعربين على الساحات السياسية في العالم أو في الوطن العربي” (جامعة دمشق 10/1/2012).

  • العروبة الحضارية: هي مفهوم طرحه السيد الرئيس بشار الأسد، مع العلم أن الرئيس الأسد من أكثر المثقفين العرب عنايةً بالمصطلحات وتفكيكها وكشف رسائلها ومضامينها، ويجد القارئ الكريم تأصيل مفهوم “العروبة الحضارية” وتنظيره في مادة “ما هي العروبة الحضارية؟” لكاتب هذه السطور يمكن إيجادها بسهولة على الإنترنت، ولكنه باختصار مفهوم يركز على العروبة كوعاء متعدد الأعراق والأديان والتوجهات السياسية والفكرية، وهو يركز بالأخص على أن العرق، أو الأصل العرقي، ليس من عوامل تكوين الأمة أو القومية، وأهمية ذلك أنه يبني العروبة على أساس لغوي ثقافي وجغرافي وحتى مصلحي (جغرافي-سياسي)، بمعنى المصالح الكبرى لأهل الوطن العربي الكبير الذين قد يتحدرون من أصول غير عربية أو من أصول عربية قديمة، وبالتالي فإن هذا المفهوم يضع العروبة على أساس منفتح متفاعل، لا على أساس شوفيني، من شوفينية، بمعنى تعصب قومي. وسنجد لو عدنا لتعريف العروبة الحضارية أن العروبة منذ العصر العباسي حتى منظري الفكر القومي الحديث استندوا لمفهوم العروبة الحضارية، لا للمفهوم النازي للقومية الذي بناها على أساس العرق الآري وما شابه.  وكما قالها الرئيس الأسد: “آخر شيء في العروبة هو العرق.. والعروبة هي حالة حضارية” (جامعة دمشق 10/1/2012)، وكما أكد سيادته في لقائه مع العلماء ورجال الدين في 23/4/2014: “عندما نتحدث عن العروبة لا نتحدث عن العرق.  العرق هو آخر شيء نفكر فيه منطقة مثل منطقتنا المتنوعة”.

  • الوطنية: من وطن، وهو تحديد جغرافي، كما الشعب تحديد بشري، فيما الأمة تمثل تحديداً اجتماعياً-سياسياً يتضمن الوطن والشعب، وفي حالة الوطن العربي يتضمن كل الأراضي العربية والأقطار الموجودة ضمنها، وقد استخدم العرب كلمة وطن، أو موطن، قديماً لوصف أشياء متنوعة، من الحي إلى القرية التي يسكنها الإنسان أو ينتمي إليها إلى المنطقة أو المدينة التي تنتمي إليها تلك القرية أو ذلك الحي إلى البلد أو القطر الذي يكون الإنسان مواطناً فيه، والحس الوطني بالمعنى المعاصر يعني الحرص على ذلك القُطر والشعور بالانتماء إليه واتخاذ موقف من أي محاولة لإخضاعه أو الهيمنة عليه أو التدخل فيه أو احتلاله من قبل الاستعمار سابقاً أو الإمبريالية حالياً أو أدواتها أو من قبل قوة أجنبية، ولذلك توصف حركات التحرر من الاستعمار بأنها حركات وطنية، تسعى للتخلص من الاستعمار الفرنسي أو البريطاني في البلدان العربية، من المغرب للمشرق العربي، أو الاحتلال الصهيوني لفلسطين طبعاً، وكلها وطنيات حظيت بدعم شعبي عربي عارم.

فهل هناك تناقض بين الوطنية والقومية يا ترى؟ لا تناقض بين الوطنية والقومية العربية على الإطلاق إذا حددنا عن أي وطنية وقومية نتحدث بالضبط.  فعندما يتعلق الأمر مثلاً بمواجهة قُطر عربي مع استعمار أو قوة هيمنة خارجية، على سبيل المثال، عندما تحتل فرنسا الجزائر، كلنا جزائريون، وعندما يحتل الصهاينة فلسطين، كلنا فلسطينيون، وعندما يعتدي الناتو على ليبيا، كلنا ليبيون، وعندما تحتل الولايات المتحدة العراق، كلنا عراقيون، وعندما يحتل العدو الصهيوني لبنان، كلنا لبنانيون، وخلال العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، كان من الطبيعي أن نكون كلنا مصريين، إلخ… بالتالي فإن الدفاع عن استقلال قطر عربي في مواجهة عدوان أو احتلال أو تدخل، مثل التدخل التركي في سورية أو ليبيا، هو دفاع عن الأمة العربية كلها، وريثما تتحقق الوحدة العربية، فإن التأكيد على الهوية الوطنية في وجه المخاطر الخارجية أو الداخلية، مثل الإرهاب التكفيري أو مشاريع التفكيك، هو عمل قومي بامتياز، وكذلك محاولة استنهاض القطر ثقافياً أو اقتصادياً أو إدارياً أو بأي شكلٍ إيجابي، مع الإدراك والتأكيد أن لا نهوض حقيقياً في أي قطر عربي بمفرده من دون مشروع قومي، ولا تحرر حقيقياً من دون مشروع قومي.

فمن أين يأتي مثل ذلك الانسجام بين الوطنية والقومية يا ترى؟  لو نظرنا إلى كل الوطنيات العربية الحقة لوجدنا أن القاسم المشترك فيما بينها هو عروبتها، فتلك هويتها وجوهرها التي تجعلها جزءاً من وطنية الانتماء للوطن العربي الكبير، ولكي تتسع العروبة لكل تلك الوطنيات، وكل ما فيها من أعراق وأديان ومناطق وعشائر، فإنها لا بد من أن تكون عروبة حضارية، غير عرقية، وبالمقابل فإن الوطنيات الحقة لا تجد ضيراً في الاندماج في وطنيات أخرى في بوتقة العروبة، أما عندما يكون الحس القُطري مناهضاً للعروبة كقاسم مشترك، ورافضاً للانضواء تحت لوائها، وعندما يوضع الحس الوطني لأحد الأقطار العربية في مواجهة الحس الوطني لقطر عربي آخر، كعائق قُطري في وجه قُطر عربي آخر، فإن ذلك لا يعود حساً وطنياً، بل يصبح نزاع قُطريات، مثلاً، ما حدث مرة من تراشق عبر وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها نتيجة مباراة كرة قدم بين مصر والجزائر، أو عندما تُفتح نزاعات على مستوى الشارع مثل فلسطيني-أردني، أو سوري-لبناني، أو مغربي-جزائري، إلخ.. فهذا بكل صراحة لا علاقة له بالوطنية من قريب أو بعيد، وبالتأكيد لا علاقة له بالقومية العربية، بل هو أشبه بصراعات داحس والغبراء المألوفة في تراثنا وثقافتنا للأسف، حتى داخل القطر الواحد أو المحافظة الواحدة أو القرية الواحدة، وهي نزاعات، على كل حال، لا تغير من انتماء المتنازعين للعروبة شيئاً، لأن العروبة هوية حضارية ترسخت عبر آلاف السنين، وهي أقدم من أي قُطر عربي ضمن حدود عابرة رسمها الاستعمار ولا يمكن أن تدوم إلى الأبد.

https://www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=447012276700864&id=100041762855804

https://www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=447908119944613&id=100041762855804

الموضوعات المرتبطة

هل جاءت التوراة من جزيرة العرب؟

  ناجي علوش –  طلقة تنوير 73   (مراجعة ناجي علوش لكتاب د. كمال الصليبي المنشورة في مجلة "الوحدة" الشهرية، العدد 24 – أيلول/ سبتمبر 1986، ونعيد نشرها اليوم بمناسبة تغلغل التطبيع في شبه جزيرة [...]

الليبرالية: أنواعها، تناقضاتها، وانقلاب دورها المعاصر

  الليبرالية وأنواعها وتناقضاتها وانقلاب دورها المعاصر*   إبراهيم علوش – طلقة تنوير 73   حول الرأسمالية والليبرالية: كان النظام الإقطاعي هو النظام السائد في أوروبا الغربية في [...]

طلقة تنوير 73: الليبرالية الحديثة قومياً/ هل التوراة من جزيرة العرب؟

  المجلة الثقافية للائحة القومي العربي... عدد 1 كانون الثاني 2021   كل عام وأنتم بخير   محتويات العدد:   - أوهام الليبرالية والانسلاخ عن الهوية/ كريمة الروبي   - الليبرالية وأنواعها [...]

لماذا كل هذا اللغط حول التاريخ العربي القديم؟

فضيحة المستشرق كريمر صاحب نظرية "التاريخ يبدأ عند سومر" ارتبطت الأبحاث الآثارية في البلدان العربية بأمرين: أولاً، ببدئها على نطاقٍ واسعٍ في ظل الاستعمارين البريطاني والفرنسي من قبل [...]

مسألة الليبرالية الحديثة في كلمة الرئيس الأسد في جامع العثمان

  إبراهيم علوش على الرغم من الحوارات الحيوية، والسجالات الحادة أحياناً، التي تلت حديث الرئيس الأسد عن عروبة سورية والقرآن والرسول (ص) والعروبة والإسلام في كلمته في جامع العثمان في 7/12/2020، [...]
2021 الصوت العربي الحر.