في الذكرى الثانية: متى يتجدد العدوان الشامل على غزة؟

December 30th 2010 | كتبها

د. إبراهيم علوش

السبيل 30/12/2010

ذكرت وسائل الإعلام في 29/12/2010 أن سيلفان شالوم، نائب رئيس الوزراء الصهيوني، هدد بالرد “بكل ما أوتينا من قوة” على إطلاق الصواريخ من غزة، من أجل إسقاط حكومة حماس؛ وهدد أكثر من وزير صهيوني، ناهيك عن غابي أشكنازي، رئيس هيئة أركان العدو، بضرب حماس وفصائل المقاومة ضربة قوية.

وقبلها بأيام قليلة فقط ذكرت وسائل الإعلام أن النظام المصري شرع ببناء أبراج مراقبة وتحكم يعتليها القناصة والكشافات الضوئية على طول “الحدود” بين سيناء وغزة، وأن البرج الأول بعلو ثلاثين متراً تم تشييده على بعد ثمانين متراً من معبر رفح…

وإذا كان العدوان هو المطرقة، فإن الحصار هو السندان.  والحصار المزدوج، الصهيوني والرسمي المصري، بصفته شكلاً من أشكال الحرب، ما برح مستمراً منذ سنوات، وما برح يعيق إعادة إعمار غزة بعد العدوان الشامل عليها قبل عامين، وهو ما يشكل نوعاً من القتل مثل أي حصار بعد عدوان، كما حدث للعراق، مع أن موارد العراق المحاصر كانت أكبر بكثير من موارد غزة المحاصرة. 

حتى العدوان على سفينة مافي مرمرة يمكن أن نعتبره جزءاً من العدوان على غزة لأنه جاء في سياق محاولة تثبيت حصارها بالقوة.

وها هي الغارات الجوية الصهيونية والاختراقات الحدودية مستمرة، حتى بتنا نسمع كل يوم تقريباً عن سقوط جرحى وشهداء مدنيين أو عسكريين في غزة.  فلا يمكننا أن نقول أن العدوان، والحصار المزدوج، قد توقفا، حتى يتجددا… وبشكل عام، تعبر كل وسائل الإعلام تقريباً عن مخاوف من تجدد العدوان الصهيوني على غزة عشية الذكرى الثانية.  

لكن السؤال يبقى: هل من عدوان شامل في الأفق؟ ومتى؟ وهو السؤال الذي يجب أن يُقرأ في سياق 1) التطورات السياسية “الإسرائيلية” الداخلية، 2) الموقف الإقليمي، و3) وضع “إسرائيل” الدولي. 

فعلى الصعيد الصهيوني الداخلي، يزداد الجمهور الصهيوني عنصريةً وتشدداً، وتحكم العلاقة بين أطراف التحالف اليميني الحاكم في الكيان الصهيوني معادلة المزايدة في التشدد، وبالتالي صعوبة الوصول إلى صيغة للتسوية السلمية، حتى مع السلطة الفلسطينية، لا تقود إلى انفراط عقد التكتل الحاكم.  ومن هنا تم إسقاط خطة أوباما لبدء المفاوضات المباشرة مقابل وقف جزئي ومؤقت للاستيطان، بالرغم من تفاهة ذلك المطلب.  وها قد أعلن نتنياهو بنفسه، بعد ليبرمان، أن الوصول إلى حل مع السلطة الفلسطينية ربما يكون متعذراً في المدى المنظور. 

فإذا كانت قد أغلقت كل أبواب التسوية، حتى مع العرب والفلسطينيين “المعتدلين”، بالرغم كل ما قدموه من تنازلات كبيرة وصغيرة، فإن الحلول الأمنية والعسكرية تبقى طريقة “إسرائيل” الوحيدة للتعاطي مع محيطها، ولفرض استسلام غير مشروط عليه لا يطالب فيه بأي شيء مقابل التطبيع، ولو بدولة هزيلة تافهة على جزء من الضفة الغربية، ومن هنا يأتي تصاعد التهديدات الصهيونية المباشرة لغزة.

أما الأسباب المباشرة للعدوان على غزة (الصواريخ) فليست مهمة، كما لم تكن مهمة الأسباب المباشرة للعدوان الصهيوني على لبنان عام 2006 (عملية الوعد الصادق)، بقدر ما يهم أن المشروع الصهيوني نفسه عدوان، وأن نواياه عدوانية، منذ بدأ، بغض النظر عن شكل ذلك العدوان، وعن أبعاده العسكرية أو الاستخباراتية أو السياسية أو الثقافية أو غيرها.  والأساس الآن هو الهدف الإستراتيجي الصهيوني في هذه المرحلة: ضرورة تدمير قوى المقاومة في محيط الكيان وداخله.

بيد أن جمالية الموقف الحالي، بالنسبة لنا كشعب عربي، تتجلى في أن العدو الصهيوني يدوس دوساً على من ذهبوا إلى أخر المدى في محاولة التفاهم معه!  فهو يسيء حتى للسلطة الفلسطينية التي تعاونت معه أمنياً، ويعتبرها غير مشروعة ويهددها؛ ويسيء للنظام المصري، الذي يشارك بحصار غزة، بالاختراق الاستخباري الصهيوني لشبكة الاتصالات المصرية… وفي أعماق وادي النيل في السودان؛ وهو يسيء للنظام الأردني، الذي أبقى السفارة الصهيونية مفتوحة خلال العدوان على غزة، بإقامة المؤتمرات الدولية في الكيان التي تعتبر الأردن، الذي يعتبره الصهاينة أرضاً “إسرائيلية” محتلة، وطناً بديلاً للفلسطينيين!  كما أنه يطرح شعار “يهودية الدولة”، ويمارس الاستيطان، الخ… وهو ما يتبلور تدريجياً باتجاه اقتلاع جماعي قسري جديد للفلسطينيين من أرضهم، ولكن إلى أين؟!

بالرغم من ذلك، فإن العامل الثاني الذي يشجع على تجدد العدوان على غزة هو استمرار العلاقات التطبيعية مع العدو الصهيوني على الصعيدين الرسمي العربي والفلسطيني مما يقدم غطاءً سياسياً للاستفراد بغزة، وفيما بعد، فيمن قدموا ذلك الغطاء فرداً فرداً.

إقليمياً، يشكل اجتثاث البنية التحتية لقوى المقاومة في غزة ضرورة جغرافية سياسية: أولاً، لتقليم مخالب القوى الإقليمية الداعمة لحماس، على أن يأتي الدور بعدها على حزب الله الذي تُطبخ له حالياً طبخة المحكمة الدولية، وثانياً، لتمهيد الطريق للإمبراطورية “الإسرائيلية” في الإقليم، التي تمهد لها من جهة أخرى مشاريع التفكيك المنفلتة من عقالها في كل أنحاء الوطن العربي، وثالثاً، لفرض التصور الصهيوني المتطرف لحل القضية الفلسطينية، وذلك أن شطب قوى المقاومة يضعف كل القوى المناهضة للتطبيع غير المشروط داخل فلسطين وخارجها.    لكن هذه المعادلة الإقليمية تضبطها احتمالية توجيه ضربة لإيران.  إذ أن توجيه مثل تلك الضربة، يتطلب تجميد الملف الفلسطيني مؤقتاً لا إشعاله، والعكس بالعكس، إذ يبدو أن مثل تلك الضربة قد تم تأجيلها مؤقتاً.  

دولياً، لا بد من البدء بنشوة القوة التي شعر بها قادة الكيان الصهيوني إذ قيدوا أوباما نفسه كالقط في قفص داخل النظام السياسي الأمريكي، ولهذا فإنهم في غطرستهم ومغالاتهم وعنجهيتهم يتصورون أن الحل السريع للضرر المتزايد اللاحق بصورتهم العالمية من جراء حصار غزة وصمودها يكمن في إنهاء المشكلة عسكرياً وبسرعة، وبإعادة القطاع إلى جماعات التنسيق الأمني الفلسطينية.

كل الدلائل تشير إذن إلى اقتراب العدوان على غزة إذا لم تسلم حماس أوراقها سياسياً… ولا شك أن الكفة المقابلة للغة التهديد والعدوان هي لغة الصمود والمقاومة.  فكلما صمدت المقاومة، كلما تحول العدوان الصهيوني إلى مغامرة انتحارية مجنونة.  وكلما صمدت المقاومة أكثر، كلما تهيأت الظروف لتحرك شعبي عربي حقيقي يفرض فرضاً محاصرة الكيان الصهيوني، لا محاصرة غزة.

 

 

 

 

 

الموضوعات المرتبطة

حول تعبير شعوب أو لغات “سامية”

  نجح المستشرقون باستدخال تعبير شعوب أو لغات "سامية" semitic للدلالة على الأقوام التي عاشت تاريخياً في المشرق العربي واللهجات التي يتحدثونها.. ويعرف من يعيشون في الغرب أن المقصود بتعبير "سامي" [...]

البعد الاقتصادي لاحتلال شرق سورية

إبراهيم علوش بالإضافة للبعد الجغرافي-السياسي، المتمثل بإقامة حاجز بين سورية والعراق، وقطع التواصل بين  أجزاء محور المقاومة، لا بد من التذكير بالبعد الاقتصادي فيما يتعلق بمناطق سيطرة "قسد" [...]

ما قبل تطبيع حكام الخليج

لاحظوا أن السلطة الفلسطينية تتذرع دوماً بأنها وقعت المعاهدات مع العدو الصهيوني "لأن العرب تخلوا عن فلسطين"، ولاحظوا أن أنور السادات وقع كامب ديفيد بذريعة أن "العرب تخلوا عن مصر"، ولاحظوا أن [...]

حول قرار عدم تجديد “تأجير” منطقتي الباقورة والغمر الأردنيتين للكيان الصهيوني

إبراهيم علوش من المؤكد أن استعادة السيادة العربية على أي شبر من الأراضي العربية المحتلة هو أمر جيد وإيجابي، ولكن يبقى السؤال: ماذا يعني بالضبط أن تعود الأراضي عن طريق المعاهدات والاتفاقات مع [...]

اتفاق إدلب بين أردوغان وبوتين أجّل المعركة زمانياً، وحسن شروط تحقيق النصر فيها

اتفاق إدلب بين بوتين وأردوغان يعني عدة أشياء، أولها أن معركة إدلب يتم تأجيلها، ولكن مثل هذا التأجيل يعتمد على التزام تركيا بعزل النصرة والمجموعات المشابهة لها التي تعتبرها روسيا أكثر دمويةً [...]
2018 الصوت العربي الحر.