اللامركزية عنوان المرحلة الثانية من الحرب على سورية

January 31st 2018 | كتبها

د. إبراهيم علوش

 

وثيقة “مجموعة واشنطن” غير الرسمية، التي ظهرت إبان الجولة التاسعة للتفاوض حول الحل السياسي في سورية برعاية الأمم المتحدة في فيينا، كشفت رسمياً الاستراتيجية الجديدة لأعداء سورية في التعاطي مع  تغيّر موازين القوى بشكلٍ حاسم في مصلحة الدولة السورية وحلفائها، وكشفت، بشكلٍ غير رسمي، حقيقة نياتهم العدوانية إزاء سورية ورغبتهم بمتابعة الحرب عليها بوسائل سياسية، بعد فشل الوسائل العسكرية.

 

من يتابع منتجات مراكز الأبحاث والدراسات الأمريكية المرتبطة باللوبيات الحاكمة في النظام الأمريكي سيكتشف في الواقع أن وثيقة “مجموعة واشنطن” التي ظهرت قبل أيامٍ فحسب مرت بعملية بلورة وتطوير متأنية ومتعمدة، هدفها محاولة “تقويض” النصر العربي السوري و”إفراغه من مضمونه”، ومن ذلك مثلاً الورقة التي نشرتها مؤسسة راند الأمريكية المعروفة في 1 تشرين الثاني 2017، والتي جاء في مطلعها: “أكثر من ست سنوات من الجهود لإطاحة الرئيس السوري بشار الأسد باءت بالفشل.  الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون والخليجيون يقرّون أنه حتى التزويد المستمر للمعارضة بالدعم العسكري، الذي بات الآن عند مستويات مخفّضة، لن يحقق هذا الهدف.  وعوضاً عن ذلك، فإن أي رافعة للتأثير لا يزال تملكها الولايات المتحدة وحلفاؤها تنبع بشكلٍ كبير من قدرتهم على تقديم أو حجب مساعدات إعادة الإعمار”. 

 

وتمضي ورقة مؤسسة راند، المعنونة “خطة سلام لسورية”،  لتوضح تلك الفكرة بالتركيز على بُعد محدد هو ربط تقديم مساعدات إعادة بناء سورية، التي تقول الورقة أن روسيا وإيران لا تملكان الإمكانات لتقديمها بالقدر الذي تحتاجه سورية، بإجراء انتخابات في سورية، لا على مستوى البلد ككل، بل على نطاقات محلية وبلدية صغيرة متشعبة، في مناطق “تخفيف التوتر”، ومناطق سيطرة ما يسمى بـ”قوات سورية الديموقراطية”، وجنوب سورية وشمالها وشرقها وغربها، وفي ظل الدولة وفي غير ظلها، على أن تقدم الدول الغربية والخليجية “مساعدات إعادة البناء” مباشرة للمجالس المحلية التي يتم انتخابها بهذه الطريقة، لا عن طريق الدولة السورية صاحبة السيادة على الوطن؛  وتفترض ورقة راند أن ما سيدفع الدولة السورية لقبول التعامل المباشر بين “المجالس المحلية المنتخبة” وبين “الجهات الداعمة” سيكون نقص الأموال وحاجتها الماسة لإعادة الإعمار بمقدار ما وحيثما تتوقف الحرب مما يفجر المشاكل المعيشية بشكلٍ أكثر حدة!

 

الفكرة طبعاً هي محاولة استخدام الرافعة المالية، رافعة “المساعدات من أجل إعادة الإعمار”، في محاولة عبثية “لابتزاز” سورية للقبول بـ”تجاوز” دور الدولة المركزية، ضامنة وحدة الأرض والشعب في ظل مشروع التفكيك الماثل في كل الإقليم، والسعي لـ”تقويض” ذلك الدور و”تجويفه” تحت قناع لا يكاد يُخفي شيئاً هو “المساعدات”، ولكن العنوان الحقيقي لمشروع راند في سورية هو فرض “اللامركزية” بقوة المال، وهو العنوان عينه الذي حاولت “وثيقة واشنطن” أن تفرضه بقوة السياسة، أو بالأحرى، بقوة تعطيل الحل السياسي في سورية، أي لزيادة الدمار الذي يفرض بالتعريف حاجة متزايدة لإعادة الإعمار.

 

“وثيقة واشنطن” التي أنتجتها مجموعة من الدول المشتركة بالحرب على سورية منذ بدأت، لا بل قبل أن تبدأ علناً عام 2011، تمخضت كما هو معروف عن لقاءات على هامش العبث بقصة الكيماوي وضحاياه في خان شيخون وغيره، أي أنها تمخضت بالأساس عن محاولة “ابتزاز” أخرى هي أيضاً جزء من الحرب على سورية.  وقد جاءت “وثيقة واشنطن” واضحة في تأكيدها على موضوعة “اللامركزية في سورية على المستوى الوطني والمناطقي والمحلي”، وقد جعلت من الواضح، بالإضافة إلى ذلك، أنها تريد مأسسة موضوعة “اللامركزية” دستورياً، وأن “تفرض” تلك “اللامركزية” من خلال وصاية دولية قسرية على سورية، أي من خلال السعي لإعادة سورية إلى عهد الانتداب، وهو الأمر الذي رفضته حتى بعض أطراف المعارضة السورية غير المتورطة بالإرهاب، والتي لا تسيّر بجهاز تحكم عن بعد…

 

من الأهمية بمكان هنا أن يتم التركيز على أمرين.  أولهما أن محاولة فرض منظومة اللامركزية بكافة أشكالها هو مشروع المؤسسات الدولية منذ سنواتٍ عديدة، ليس في سورية فحسب، بل في عدة أقطار عربية، وقد موّلت وكالة الإنماء الدولية التابعة للحكومة الأمريكية الانتخابات النيابية في الأردن علناً العام الفائت تحت عنوان رسمي هو “اللامركزية” تم وضع آلاف اللافتات في الشوارع للترويج له. 

 

ومشروع اللامركزية، بعيداً عما يقال بأنه وسيلة لزيادة المشاركة والشفافية و”الحكم الرشيد” وإلى ما هنالك، هو في زمن العولمة مشروع الشركات متعدية الحدود والمؤسسات الاقتصادية الدولية لتقويض الدول المركزية وتقليص صلاحياتها لخلق أفضل الشروط للهيمنة الإمبريالية والغربية على دول العالم، وهو في زمن الصهينة أحد مداخل مشروع التفكيك والفتن الداخلية إذا ما كان سيُفرض “سلماً” بدلاً من أن يفرض حرباً من خلال السعي لتدمير الدول المركزية من الخارج كما جرى في يوغوسلافيا السابقة، وكما جرى في العراق وليبيا وغيرهما.  وما دام مشروع “إسقاط” الدولة المركزية في سورية حرباً قد فشل، فلا بأس من الذهاب للـ”خطة ب”، ومحاولة “تقويض النظام” سلماً. 

 

وكما ورد في ورقة مؤسسة راند “خطة سلام لسورية”: “إن سورية لامركزية هي هدفٌ أكثر واقعية من مواصلة الجهود العسكرية لإسقاط النظام”، وهو الأمر الذي أشارت ورقة مؤسسة راند، التي تبلغ موازنتها السنوية حوالي 400 مليون دولار، والتي يعمل فيها حوالي 1800 موظف، يحمل حوالي 60% منهم شهادة الدكتوراة، أنها ثبتته في عدة أوراق سبق أن أصدرتها عن سورية منذ عام 2015.

 

وبعد رفض دمشق الطبيعي والبديهي لـ”وثيقة واشنطن”، لانها تمثل تعدياً على سيادة سورية ووحدة أراضيها وشعبها، ولأنها مقدمة واضحة لمشروع التفكيك الصهيوني، لا بد من التأكيد على الأمر الثاني الذي تستثيره الوثيقة هنا وهو ضرورة العمل بأقصى سرعة وجهد ممكنين على بلورة خطة أو مشروع وطني سوري لإعادة الإعمار، يعتمد أساساً على الطاقات الوطنية السورية، المادية والبشرية، وهي ليست بقليلة أبداً، ومن ثم على دعم الدول الصديقة والحليفة؛ وإذا كان من الممكن لدول مثل كوبا وكوريا الديموقراطية وإيران وغيرها أن تحقق قفزات اقتصادية وتكنولوجية في ظل الحصار الخانق، بالرغم من المعاناة والصعوبات، فإن سورية التي تملك الإرادة والمشروع والقدرات الإبداعية المتميزة للسوريين، لن تكون عاجزة عن المضي قدماً بإعادة الإعمار اعتماداً على ذاتها وامكاناتها إذا ما وضعت خطة واقعية لتحقيق ذلك تربط ما بين الإمكانات والحاجات، ولن تكون سورية من يقايض على استقلالها الوطني من أجل وعد بإعادة الإعمار هو بحد ذاته وصفة لمأسسة الدمار، وإذا كانت دول جنوب شرق آسيا واليابان وغيرها قد نهضت اقتصادياً في ظل “سياسة صناعية وطنية” ترعاها الدولة، يتناغم فيها القطاعان العام والخاص ضمن مشروع وطني للتنمية، فإن تجاوز دور الدولة في سورية لن يأتي بالرفاهية ورغد العيش، ولن يمأسس التبعية للخارج فحسب، بل سيكرس الدمار الاقتصادي على المدى الطويل، ناهيك عن الدمار السياسي.  المطلوب إذاً الآن هو العمل على خطة شاملة لإعادة الإعمار والتنمية الوطنية في سورية ما بعد الحرب يكون عمادها الطاقات والإمكانات الوطنية، وذلك هو الرد الحقيقي على محاولات “الركيع” و”الابتزاز” بأدوات مالية واقتصادية.

 

تشرين 31/1/2018

http://tishreen.news.sy/?p=135391

للمشاركة على فيسبوك:

https://www.facebook.com/Alloush

2018 الصوت العربي الحر.