نحو قراءة جديدة في “فلسفة الثورة” لجمال عبد الناصر

July 2nd 2020 | كتبها

إبراهيم علوش

هو تمرين في السهل الممتنع، قد يبدو للوهلة الأولى كأنه مجموعة خواطر عامة فحسب لا تتمتع بالمضمون الصلب والملموس الذي قد تجده في “الميثاق” مثلاً. وهو كتابٌ يشكّل علامة فارقة في الأدبيات القومية العربية، وبصفته سهلاً ممتنعاً ربما يوحي “فلسفة الثورة” بالسطحية لمن يقرأه بشكل سطحي، لكنه ليس كذلك على الإطلاق لمن يقرأه بتمعنٍ وتعمقٍ، بل أزعم أنه يشكل تمريناً فذاً في مخاطبة الجماهير، في سرديته وبساطته ورسالته المخبأة بين السطور، بعيداً عن فذلكات المثقفين (“لست أدعي لنفسي مقعد أستاذ التاريخ… ذلك آخر ما يجري في خيالي”)؛ فهنالك من يحاول أن يظهر كأنه ابتلع معجماً للمصطلحات، من دون أن يمتلك فكراً أو نظرية أو مشروعاً يملأ جوانحه، وذلك شأن من يسعى للترويج لنفسه على حساب الفكرة، وهنالك المعلم الحقيقي الذي يطوِّع الفكرة المعقدة ليقدّمها بأبسط الحلل، وذلك شأن من يسعى للترويج للفكرة فيذوب فيها ناسياً ذاته، وجمال عبد الناصر بالضرورة من النوع الثاني.

وشأن عبد الناصر في “فلسفة الثورة” يتجاوز امتلاكه لتقنيات الخطاب الجماهيري ليدخل، قبل ذلك وبعده، في تمرينٍ أكثر خطورةً بكثير هو محاورة الذات ومساءلتها في القضايا الأكثر صعوبة في العمل السياسي (“إنها محاولة لاستكشاف نفوسنا لكي نعرف من نحن”). وجمال عبد الناصر في “فلسفة الثورة” يسائل ذاته منهجياً بصرامة حول صحة المواقف والتوجهات التي تبنّاها كمناضل وكضباط أحرار قبل ثورة 23 يوليو، ثم يسائل ذاته عن تصوره لما مثّلته ثورة 23 يوليو في ذهنه عشية القيام بها ليواجه نفسه بصراحة حول عدم دقة ذلك التصوّر بعد القيام بها. يقول عبد الناصر: “لقد كنتُ أتصور قبل 23 يوليو أن الأمة كلها متحفزة متأهبة، وأنها لا تنتظر إلا الطليعة تقتحم أمامها السور، فتندفع الأمة وراءها صفوفاً متراصّة منتظمة تزحف زحفاً مقدساً إلى الهدف الكبير…ثم فاجأني الواقع بعد 23 يوليو.. قامت الطليعة بمهمتها، واقتحمت سور الطغيان، وخلعت الطاغية، ووقفت تنتظر وصول الزحف المقدس للصفوف المتراصة المنتظمة إلى الهدف الكبير… وطال انتظارها، لقد جاءتها جموعٌ ليس لها آخر.. ولكن ما أبعد الحقيقة عن الخيال! كانت الجموع التي جاءت أشياعاً متفرقة، وفلولاً متناثرة، تعطل الزحف المقدس إلى الهدف الكبير، وبدت الصورة يومها قاتمة مخيفة تنذر بالخطر.. كانت هناك أنانية فردية مستحكمة.. كانت كلمة “أنا” على كل لسان.. كانت هي الحل لكل مشكلة، وهي الدواء لكل داء.. وكثيراً ما كنت أقابل كبراء – أو هكذا تسميهم الصحف – من كل الاتجاهات والألوان، وكنت أسأل الواحد منهم عن مشكلة ألتمس عنده حلاً لها، فلم أكن أسمع إلا “أنا”..”.

شيءٌ مرعبٌ الذي يصفه لنا جمال عبد الناصر هنا؛ مرعبٌ لأي ثوري حقيقي، وكفيلٌ بدفع من لا يؤمن إيماناً حقيقياً بالفكرة لأن يشعر بالخذلان ويتخلّى عنها مقنعاً نفسه بأنه قام بما يتوجب عليه أن يقوم به، لكن الناس “لم يتجاوبوا”! أما عبد الناصر فليس ممن ينثنون ويتخاذلون، لذلك ذهب بعيداً في البحث عن سبب عدم وجود كتلة جماهيرية متراصّة كان يتصور أنها يُفترَض أن تكون جاهزةً لدعم ثورة 23 يوليو فلم يجدها.. وهكذا دخل عبد الناصر، في الجزء الثاني من “فلسفة الثورة”، في جولة في أعماق التجربة الجماهيرية مع المماليك والإقطاع والإنكليز وغيرهم ممن تعاملوا مع مصر كغنيمةٍ وحوّلوا الشعب إلى متفرِّج سلبي على شؤونه العامة على مدى قرونٍ طويلة مما منع تبلور رأي عام، أو مجتمع سياسي متماسك. يقول عبد الناصر: “لقد جاء عليّ وقتٌ كنت أشكو فيه من أن الناس لا يعرفون ماذا يريدون، وأن اجتماعهم لا ينعقد على طريقٍ واحدٍ يسيرون فيه، ثم أدركت بعدها أنني أطلب المستحيل، وأنني أسقط من حسابي ظروف مجتمعنا.. إننا نعيش في مجتمع لم يتبلور بعد، وما زال يفور ويتحرك ولم يهدأ حتى الآن أو يتخذ وضعه المستقر ويواصل تطوره التدريجي بعد مع باقي الشعوب التي سبقتنا على الطريق”…

وإذا كان مثل هذا الكلام يصحّ على مصر ذات التاريخ المدني العريق، فما بالك ببعض الأقطار العربية الأخرى التي لم تعرف مدنية مصر واستقرارها، وما بالك بالمجتمعات التي يشتدّ فيها أثر العشيرة والقبيلة والحارة والناحية والمنطقة، والتي عرفت بدورها مثل ما عرفته مصر من أثر مدمر على نسيجها وتطورها من قبل الغُزاة ورعاة الاستغلال والاضطهاد؟ وقد بدأ عبد الناصر هذه المعالجة بالقول: “كثيراً ما كنا معبراً للغزاة، مطمعاً للمغامرين، ومرت بنا ظروفٌ كثيرة يستحيل علينا أن نعلل العوامل الكامنة في نفوس شعبنا إلا إذا وضعناها موضع الاعتبار”. ليضيف عبد الناصر بعد ذلك تأثير الانفتاح على العوامل الثقافية الخارجية التي أضفت المزيد من الفوضى على بُنيتنا الاجتماعية غير المتماسكة أصلاً: “كنا قد انقطعنا عن العالم واعتزلنا أحواله، خصوصاً بعد تحوّل التجارة مع الشرق إلى طريق رأس الرجاء الصالح، فإذا نحن مطمع دول أوروبا ومعبراً إلى مستعمراتها في الشرق والجنوب. وانطلقت علينا تيارات من الأفكار والآراء لم تكن المرحلة التي وصلنا إليها في تطورنا تؤهلنا لقبولها. كانت أرواحنا ما زالت تعيش في آثار القرن الثالث عشر، وإن سَرَتْ في نواحيها المختلفة مظاهر القرن التاسع عشر ثم القرن العشرين”، ولعلّ من المهم جداً للمؤمنين بالمشروع القومي العروبي في القرن الواحد والعشرين أن يدركوا أنّ مثل هذه الفوضى ازدادت، بدلاً من أن تخفّ، بفعل تأثيرات العولمة من جهة والبترودولار التكفيري من جهةٍ أخرى، وفي ظلّ مثل هذه الظروف الواقعية بالذات، لا في ظلّ خيالاتنا المثالية، علينا أن نعملَ ونناضلَ في القرن الواحد والعشرين، ولنا في جمال عبد الناصر أكبر ملهم.

إنّ من بديهيات الكتابة الموضوعية في المقالات والأبحاث الرصينة هي تجنّب استخدام كلمات مثل “أنا” و”إنني” وما شابه، وضرورة الفصل بين الذات والموضوع، بمعنى تحييد الذات من أجل عرض الأمور بموضوعية، وباستثناء بعض الروايات والسير الذاتية، فإنّ إقحام الذات في الموضوع، والتحدث مراراً وتكراراً عن الذات، كثيراً ما يشي بالنرجسية وعدم النضوج الفكري أو السياسي، إلا في حالة جمال عبد الناصر في “فلسفة الثورة”.. فقد عرف كيف يزاوج فيه بين الذات والموضوع من دون علوٍ أو تكبر، ليكونَ قريباً من عامة الناس، وليقرّب الموضوع من فهم المواطن العادي الذي قد يملّ ويأنف من الكتابة الموضوعية بشكلها التقليدي، فقد تمكّن عبد الناصر في “فلسفة الثورة” من أن يبدأ من الصفر، من دون تكلّف أو تصنّع، ليصعدَ مع القارئ درجة درجة، بأناةٍ وتؤدة، في سلم الإدراك القومي لتظهر طريقة وصوله لاستنتاجاته “من الداخل”، كأنها عملية عقلية يشارك فيها القارئ، لا كأنها نظرية متبلورة مقددة يفترض أن يتلقنها القارئ، وقد فعل كل ذلك وهو يصرّ: لست فيلسوفاً، ولست أستاذاً للتاريخ، بل أنا تلميذٌ مبتدئ… إلخ.

لكن انظروا كيف تناوَلَ مسألة العلاقة بين الذات العارفة والموضوع بتجرد، وبلغةٍ بسيطة، وهي واحدة من أعقد المسائل في نظرية المعرفة (الابستمولوجيا إذا أردنا استخدام لغة المثقفين)، وهي: هل يمكن فصل الذات عن الموضوع حقاً؟ يقول عبد الناصر: “أنا من المؤمنين بأنه لا شيء يمكن أن يعيش في فراغ.. حتى الحقيقة لا يمكن أن تعيشَ في فراغ.. والحقيقة الكامنة في أعماقنا هي: ما نتصوره أنه الحقيقة، أو بمعنى أصحّ: هو الحقيقة مضاف إليها نفوسنا… نفوسنا هي الوعاء الذي يعيش فيه كل ما فينا وعلى كل هذا الوعاء سوف يتشكل كل ما يدخل فيه، حتى الحقائق”، ليضيف بعدها بكل صدق وتجرد: “وأنا أحاول بقدر ما تستطيع طاقتي البشرية أن أمنع نفسي من أن تغير كثيراً من شكل الحقيقة، ولكن إلى أي حد سوف يلازمني التوفيق؟ هذا سؤال.. وبعده أريد أن أكون منصفاً لنفسي، ومنصفاً لفلسفة الثورة، فأتركها لتاريخ يجمع شكلها في نفسي، وشكلها في نفوس غيري، وشكلها في الحوادث جميعاً، ويخرج من هذا كله بالحقيقة كاملة”. وهذه جملٌ يمكن أن تُقرأ كخواطر جميلة، لمن يحب الخواطر، ويمكن أن تُقرأ كفلسفة معرفة، ولكن القصد منها، على ما أراه، هو تحديد منهجية البحث والكتابة التي سلَكَها عبد الناصر في “فلسفة الثورة”، وليس أمراً بسيطاً أن يتمكن المرء من أن يعبر عن مثل تلك الفكرة المعرفية المعقدة، التي وضعت فيها مجلدات عويصة، بمثل هذا القدر القليل من التعابير العادية، فتلك هي دلالة امتلاك الفكرة المعقدة العالية: القدرة على إبراكها على الأرض ليمتطي صهوتها من يسير على الأرض، باختصار، القدرة على إيصال الفكرة المعقدة ببساطة..

القدرة على الإمساك بتلابيب الأفكار المعقدة المترابطة وتقديمها ببساطة إذن شرطٌ ضروري للإمساك بالمفاصل المركزية للظروف المعقدة. فلننظر مثلاً كيف تناول عبد الناصر في “فلسفة الثورة” مسألة العلاقة بين الثورة السياسية، التي يستردّ فيها الشعب حقّه في حكم نفسه من الاستعمار أو من وَضَعه الاستعمار وكيلاً عنه، وبين الثورة الاجتماعية، التي تهدف لتحقيق العدالة الاقتصادية والاجتماعية. فالأولى، ثورة التحرر السياسي، تتطلب القدر الأكبر من الوحدة الوطنية بين شرائح الشعب، أما الثانية، ثورة التحرر الاجتماعي، فعنوانها الرئيسي هو الصراع الاجتماعي والطبقي، مما يضعف الوحدة الوطنية بالتعريف. وإذا كان غيرنا من الشعوب قد حقق الثورة السياسية أولاً، ثم الاجتماعية، عبر تدرج تاريخي طبيعي احتاج لقرونٍ، فإننا مضطرون للحاق بالزمن أن نقوم بالثورتين في آنٍ معاً، لأن ترك كبار الملّاك والطبقة السياسية التقليدية تتحكم بمجريات الثورة السياسية سيؤدي، كما أثبتت التجربة، لاختراقها من الداخل، وعودة الاستعمار والطغيان من الشباك بعد أن تمّ طرده من الباب، ولأن مفهوم التحرر السياسي يظلّ منقوصاً إذا لم يقترن بالتحرر الاجتماعي والاقتصادي، وهي الفكرة التي طوّرها جمال عبد الناصر فيما بعد في “الميثاق”، الذي نُشر بعد “فلسفة الثورة” بثماني سنوات، لكنّ النواة الأولى لفكرة المزاوجة بين التحرر السياسي والتحرر الاجتماعي نجدها في “فلسفة الثورة”: “كان لا بدّ أن نسير في طريق الثورتين معاً. ويوم سرنا في طريق الثورة السياسية فخلعنا فاروقاً عن عرشه سرنا خطوة مماثلة على طريق الثورة الاجتماعية فقررنا تحييد الملكية”، ثم يتابع: “حين جاءني واحد من أصدقائي يقول لي: “أنت تطالب بالاتحاد لمواجهة الإنجليز. وأنت في نفس الوقت تسمح لمحاكم الغدر أن تستمر في عملها”، استمعت إليه، وكانت في خيالي أزمتنا الكبيرة، أزمة شقي الرحى: أزمة تقتضينا أن نتحد صفاً واحداً وننسى الماضي. وثورة تفرض علينا أن نعيد الهيبة الضائعة لقيم الأخلاق ولا ننسى الماضي! ولم أقل لهذا الصديق: إن منفذنا الوحيد إلى النجاة أن نحتفظ بسرعة الحركة والمبادأة، وبالقدرة على أن نسير في طريقين في وقت واحد”.

البُعد السردي في “فلسفة الثورة”، والذي يبدو أحياناً كسيرة ذاتية لتطور عبد الناصر الفكري، ليس كما يبدو في الظاهر على الإطلاق، أي مجرد سرد و”فضفضة”. فهو يبدأ بمرحلة الشباب والمشاركة في المظاهرات الجماهيرية التي طافت على بيوت الزعماء التقليديين مطالبةً إياهم بالاجتماع على كلمة واحدة من أجل استقلال مصر، وكان اعتقاد عبد الناصر آنذاك أن ذلك هو “العمل الإيجابي”: “طافت جموعنا الهاتفة الثائرة ببيوتهم واحداً واحداً تطلب إليهم باسم شباب مصر أن يجتمعوا على كلمة واحدة.. ولكن اتحادهم على كلمة واحدة كان فجيعةً لإيماني. فإن الكلمة الواحدة التي اجتمعوا عليها كانت معاهدة سنة 1936” (بين مصر وبريطانيا التي مددت لبقاء القوات البريطانية في مصر بشروطٍ مختلفة). ثم ينتقل عبد الناصر لمرحلة ما قبل الحرب العالمية الثانية بقليل وخلالها التي تشكّلت فيها تنظيمات سرية استخدمت الرصاص والقنابل في الصراع السياسي ضدّ النظام الملكي وأعوانه، ليستنتجَ من تلك التجربة: “كانت في نفسي حيرة، تمتزج فيها عوامل متشابكة، عوامل من الوطنية ومن الدين، ومن الرحمة ومن القسوة، ومن الإيمان ومن الشك، ومن العلم ومن الجهل.. ورويداً رويداً وجدت فكرة الاغتيالات السياسية التي توهجت في خيالي تخبو جذوتها وتفقد قيمتها في قلبي كتحقيق للعمل الإيجابي المنتظر…”، ومن تلك التجربة، يقول عبد الناصر: “بدأ تفكيرنا في شيء أعمق جذوراً وأكثر خطورةً وأبعد غواراً. وبدأنا نرسم الخطوة الأولى في الصورة التي تحققت مساء 23 يوليو، ثورة منبعثة من قلب الشعب، حاملة لأمانيه، مكمّلة لنفس الخطوات التي خطاها من قبل على طريق مستقبله”، ومن تلك النقطة يعود عبد الناصر، في بحثٍ مستمرٍ عن الحقيقة الثورية، لشعوره بنقصٍ ما انتاب ثورة 23 يوليو هو غياب المشاركة الجماهيرية الواسعة فيها، مع أنه تطرّق في أكثر من موضعٍ للعوامل التي رشّحت الجيش بالذات للدور الذي قام به في تلك الثورة كرافعة لم يكن يوجد غيرها فعلياً لتحقيق التغيير، أو لفتح آفاقه على الأقل.

ما لدينا هنا إذن ليس مجرد سيرة ذاتيةً، ولا سرد شيّق لتطور وعي جمال عبد الناصر السياسي، إنما مناقشة حميمة مع المواطن العادي، بجدية ولكن بغير أسلوب المثقفين، لماذا يتوجب التخلي، في خضم البحث عن الطريق إلى الأمام، عن: 1) الطريق الإصلاحي عبر العمل من داخل النظام الملكي وقياداته التقليدية، و2) الطريق المغامر العنيف الذي تعتمده المجموعات الصغيرة السرية، و3) لماذا لا يكتمل الطريق الانقلابي الذي اتبعته ثورة 23 يوليو إلا إذا حظيَ بمشاركة شعبية واسعة، وإلا إذا انطلق في الآفاق الرحبة للتغيير السياسي والاجتماعي غير القائم على تغيير الوجوه فحسب. والفقرة أعلاه، كملخص لما رمى إليه عبد الناصر في سرديته عن تطور وعيه السياسي بالنسبة لطرق التغيير، هي أقل تشويقاً بكثير بالضرورة بالنسبة للمواطن العادي، من السردية القريبة من القلب التي قدّمها عبد الناصر ليخاطب فيها العقل والفؤاد في آنٍ معاً، إنما هذه إعادة قراءة لمنهجية “فلسفة الثورة” وروحه، لا مجرّد تلخيص أكاديمي لمجمل نقاطه الرئيسية، التي تفيض عما ذكرته بكثير.

عنصر التشويق والسرد وتغيّر الشخصية وتطورها في سياق ذلك السرد – السياسي بالطبع – لا تتناول الشخصية الروائية فحسب، إذا صحّ التعبير، بل تتناول الفكرة الروائية نفسها، وبطريقة أقل ما يُقال فيها أنها مبدعة تماماً. ولا يصحّ ذلك أكثر مما يصحّ في الصفحات الأولى في “فلسفة الثورة” التي تتناول، فيما تتناوله، تجربة عبد الناصر وزملائه في القتال في فلسطين حيث يكاد يوحي للقارئ أنه والضباط الأحرار كانوا يقاتلون في فلسطين وعقلهم وقلبهم في مصر، وهو يقول في هذا الصدد: “لو كان الضباط الأحرار حاولوا أن يثوروا لأنفسهم لأنه قد غرر بهم في فلسطين، أو لأن الأسلحة الفاسدة أرهقت أعصابهم لما كان الأمر يستحق أن يكون ثورة، ولكان أقرب الأشياء إلى وصفه أنه مجرد تمرد”، ثم يتابع: “حين أحاول الآن أن أستعرض تفاصيل تجاربنا في فلسطين أجد شيئاً غريباً، فقد كنا نحارب في فلسطين، ولكنّ أحلامنا كلها في مصر، كان رصاصنا يتجه إلى العدو الرابض أمامنا في خنادقه، ولكن قلوبنا كانت تحوم حول وطننا البعيد الذي تركناه للذئاب ترعاه، وفي فلسطين كانت خلايا الضباط الأحرار تدرس وتبحث وتجتمع في الخنادق والمراكز”.

للوهلة الأولى، قد يبدو للقارئ أن مثل هذا الكلام لا يمكن أن يصدر عن أي شخص أو قائد قومي عربي، لا سيما عندما يذكر عبد الناصر ما نقله كمال الدين حسين عن أحمد عبد العزيز قبل وفاته: “اسمع يا كمال، إن ميدان الجهاد الأكبر هو في مصر…”. يزداد الأمر حيرةً وتشويقاً حين يقول عبد الناصر عن فترة الحصار التي اختبرها في الفالوجة المحاصرة (قطاع غزة) والأفكار التي كانت تراوده خلالها: “ها نحن في هذه الجحور محاصرين، لقد غُرر بنا، دُفِعنا إلى معركة لم نُعَد لها، ولقد لعبت بأقدارنا مطامع ومؤامرات وشهوات، وتُركنا هنا تحت النيران بغير سلاح؛ وحين كنت أصل إلى هذا الحد من تفكيري كنت أجد خواطري تقفز فجأةً عبر ميدان القتال، وعبر الحدود، إلى مصر، وأقول لنفسي: هذا هو وطننا هناك. إنه “فالوجة” أخرى على نطاقٍ كبير. إن الذي يحدث لنا هنا صورة من الذي يحدث هناك. صورة مصغرة. وطننا هو الآخر حاصرته المشاكل والأعداء، وغرر به ودفع إلى معركة لم يعد لها، ولعبت بأقداره مطامع ومؤامرات وشهوات، وتُرك هناك تحت النيران بغير سلاح!”.

عند هذا الحد يترك عبد الناصر تماماً مسألة العلاقة بين الوطني المصري والقومي العربي عشرات الصفحات حتى يصل إلى الجزء الثالث والأخير من “فلسفة الثورة”، تاركاً علامات استفهام كبيرة عما قصده بقوله أن مصر عبارة عن فالوجة كبيرة محاصرة، وأن المعركة هنالك. هل قصد، كما قد يُفهم الموضوع، لو قُرأ بشكلٍ سطحي، أن التغيير في مصر هو الأساس وبالتالي فإن الأولى ترك مشكلة فلسطين وعدم تضييع الوقت عليها للتركيز على مصر؟ أم قصد أن مصر محتلة مثل الفالوجة، وفلسطين لاحقاً، وبالتالي فإن الاحتلال الكبير هو الذي يجعل الاحتلال الصغير ممكناً، وأن إحداث تغيير حقيقي في مصر، بالإطاحة بالنظام التابع للاستعمار وبحكم الفئات الاجتماعية الطفيلية، جزءٌ لا يتجزأ من معركة تحرير فلسطين؟

إنّ ترك هذا الأمر الخطير معلقاً ومبهماً ما بين الجزء الأول والجزء الثالث من “فلسفة الثورة” ربما يعيده البعض إلى التطور الفكري الذي طرأ على وعي عبد الناصر في الأشهر الثلاثة التي يقول عبد الناصر أنه ترك خلالها كتابة “فلسفة الثورة”، قبل أن يعود لإنجاز الجزء الثالث والأخير منه. وهذا محتمل بدرجة ما سوى أن عبد الناصر في الجزء الثالث يشرع، بعد التطرق لفكرة “عبقرية المكان” (اقرأ: الضرورات الجغرافية السياسية التي يفرضها موقع مصر وإرثها التاريخي في الصراع مع قوى الهيمنة الخارجية)، بالتحدث عن تطور وعيه القومي. ومرة أخرى نجده ينطلق بشكل متسلسل من البسيط إلى المعقد، من الإحساس إلى الإدراك، ومن الوعي القُطري المصري إلى الوعي القومي العربي المتجذر، وهو يفعل ذلك مجدداً بشكل سردي مبسّط، رابطاً الأمر بتطور وعيه هو، فيما كان يتحدث ضمناً عن شيء أعمق بكثير: وعي المواطن المصري. يقول عبد الناصر: “وأنا أذكر فيما يتعلق بنفسي أن طلائع الوعي العربي بدأت تتسلل إلى تفكيري وأنا طالب في المدرسة الثانوية أخرج مع زملائي في إضراب عام في الثاني من شهر نوفمبر من كل سنة احتجاجاً على وعد بلفور…”، ليتابع: “وحين كنت أسائل نفسي في ذلك الوقت: لماذا أخرج في حماسة، ولماذا أغضب لهذه الأرض التي لم أرها؟ لم أكن أجد بنفسي إلا أصداء العاطفة. ثم بدأ نوع من الفهم يخالج تفكيري حول هذا الموضوع لمّا أصبحت طالباً في الكلية الحربية”، ليقول بعدها: “ثم بدأ الفهم يتضح وتتكشف الأعمدة التي تتركز عليها حقائقه ثم بدأت أدرس وأنا طالب في كلية أركان الحرب حملة فلسطين ومشاكل البحر المتوسط بالتفصيل. ولما بدأت أزمة فلسطين كنتُ مقتنعاً في أعماقي بأنّ القتال في فلسطين ليس قتالاً في أرض غريبة. وهو ليس انسياقاً وراء عاطفة، وإنّما هو واجبٌ يحتّمه الدفاع عن النفس”.

وفي الحقيقة أنّ من السذاجة بمكان الاعتقاد أن عبد الناصر كان يتحدّث هنا عن نفسه. لقد كان يتحدث للمواطن العادي، يمسك بيده برفق، ويأخذه في رحلة رائعة باتجاه عقلانية الحل القومي، لينحلَّ لغز “مصر فالوجة كبيرة محاصرة” في الصفحات الأخيرة من الكتاب: “إن الظروف السياسية المحيطة بالعاصمة التي نتلقّى منها الأوامر تحيطها بحصار وتلحِق بها عجزاً أكثر من الذي تصنعه بنا نحن القابعين في منطقة الفالوجة. ثم هذه قوات إخواننا في السلاح وفي الوطن الكبير وفي المصلحة المشتركة وفي الدفاع الذي جعلنا نهرول إلى أرض فلسطين. هذه هي جيوش إخواننا… جيشاً جيشاً… كلها هي أيضاً محاصرة بفعل الظروف التي تحيط بها والتي كانت تحيط بحكومتها.. لقد كانت جميعها تبدو كقطع شطرنج لا قوة لها ولا إرادة إلا بقدر ما تحركها أيدي اللاعبين. وكانت شعوبنا جميعاً تبدو في مؤخرة الخطوط ضحية مؤامرات محبوكة أخفَت عنها عمداً ما يجري، وضللتها حتى عن وجودها نفسه”. وما يلي ذلك مباشرةً هو العنوان الفرعي: وحدة المصير العربي. وبعدها بصفحات يعود عبد الناصر ليؤكدَ النقطة بشكل أكثر قطعيةً: “وأعود للذي كنت أقوله من أن الاستعمار هو القوة الكبرى التي تفرض على المنطقة كلها حصاراً قاتلاً غير مرئي، أقوى وأقسى مائة مرة من الحصار الذي كان يحيط بخنادقنا في “الفالوجة” وبجيوشنا جميعاً وبحكومتنا في العواصم التي نتلقّى منها الأوامر. ولقد بدأتُ بعد أن استقرت كل هذه الحقائق في نفسي أؤمن بكفاحٍ واحدٍ مشترك، وأقول لنفسي: ما دامت المنطقة واحدة، وأحوالها واحدة، ومشاكلها واحدة، ومستقبلها واحداً، والعدو واحداً مهما يحاول أن يضع على وجهه من أقنعة مختلفة – فلماذا تشتت جهودنا؟”.

وكان يمكن أن أتناول الجزء الثالث من “فلسفة الثورة” طبعاً من خلال تناول موضوعة “نظرية الدوائر الثلاث”، العربية أولاً، التي أفرَدَ لها عبد الناصر العدد الأكبر من الصفحات ثم الإفريقية والإسلامية، لكن ما قصدته هو التركيز على منهجية جمال عبد الناصر في ترسيخ الفكرة القومية في الوعي الجمعي بطريقة عبقرية في الواقع، في مجتمع يعاني من تفكك سياسي وفوضى فكرية عارمة، وطريقته في بلورة أفكاره بطريقة مرنة تستند لثوابت مبدئية بالضرورة، ولكن منفتحة على شروط الواقع وظروفه، وعلى تطور الوعي الجمعي وتجذّره، وتطور وعي عبد الناصر نفسه.

أعترف، في المرة الأولى التي قرأتُ فيها “فلسفة الثورة”، قبل سنواتٍ طوال، وكنت أصغر سناً، استغربت نوعاً ما طريقة الكتابة، وما ظننت أنه الطابع الهلامي العام لما اعتقدتُ وقتها أنه خواطر شاردة تمّ تجميعها فيه. أما اليوم، فإنني أعتقد أن المدخل إلى فهم عبقرية “فلسفة الثورة” يكمن في قراءته بعين مواطن مصري عادي غير مسيّس في بداية الخمسينيات، وبعين مجتمع لم يحسم أمر خياراته بعد، وبعين صاحب مشروع يمتلك ذهناً متوقداً يقرأ واقعه جيداً، ويتعلم الدروس العميقة من تجاربه السياسية، ويتطور بلا توقف، وإننا إذ نعيش اليوم الذكرى المئوية لميلاد هذا القائد القومي العربي العظيم من الحري بنا أن نتعلم من عبد الناصر كل هذه الأشياء، لا أن نردد شعاراته ونحفظ مقولاته فحسب. فمن يقرأ عبد الناصر، يقرأ فكره، ويتبنى منهجه الذي يظلّ اليوم أحد أبرز مداميك الفكر القومي في القرن الواحد والعشرين، جنباً إلى جنب مع إسهامات كتيبة من المفكرين والقادة القوميين الكبار من ناصريين وغير ناصريين التي نراها تكمّل بعضها بعضاً.

للمشاركة على فيسبوك:

https://www.facebook.com/photo.php?fbid=318228229579270&set=a.108373647231397&type=3&theater

الموضوعات المرتبطة

في الذكرى الثامنة لرحيله: قراءة في كتاب “حوار حول الأمة والقومية والوحدة” لناجي علوش

إبراهيم علوش – طلقة تنوير 68 "حوار حول الأمة والقومية والوحدة" هو أحد عناوين كتب المفكر والقيادي القومي العربي الراحل ناجي علوش (1935-2012)، وقد صدر ذلك الكتاب عن دار الطليعة في بيروت عام 1980، وكان [...]

هل المشكلة في اللغة العربية؟

إبراهيم علوش كيف يمكن للغة نُسِجت من لُبُناتها في القرون الوسطى علومٌ صرفة وتطبيقية في حقول الطب والهندسة والرياضيات والفيزياء والفلك والكيمياء والموسيقى، ناهيك عما صيغ من مفرداتها في [...]

هل كان مؤسسو الحركة القومية العربية الأوائل من العرب المسيحيين؟

ناجي علوش* تتعرض الأمة العربية لعمليات احتلال وتفتيت واستنزاف سياسي وعسكري. وهذا واضح لكل من يرى ويعقِل. ولكنها أيضاً تتعرض لعملية "غسل دماغ" منظّمة. وتعرف الأطراف المعادية أن العملية الأولى [...]

طلقة تنوير70: المجلة الثقافية للائحة القومي العربي… عدد 1 تموز 2020

طلقة تنوير70: المجلة الثقافية للائحة القومي العربي... عدد 1 تموز 2020   محتويات العدد: حرب على العروبة على جبهات الماضي والحاضر والمستقبل   ما بعد الحصار الاقتصادي: الشق المنحدر من قوس [...]
2020 الصوت العربي الحر.