روسيا الدولة والفضاء السلافي

July 7th 2022 | كتبها

إبراهيم علوش – طلقة تنوير 80 (1/3/2022)

ظهر السلاف، أول ما ظهروا، في أواسط أوروبا بين القرنين الخامس والعاشر الميلاديين، وكانوا قبلها أقواماً تعيش في ظل إمبراطوريات أخرى، لكنهم لم يثبتوا وجودهم المستقل سياسياً إلا بعد انزياح الأقوام الجرمانية من وسط أوروبا بسبب غزوات “الهن” The Huns منذ القرن الرابع للميلاد.

“الهن” أقوام بدوية يعتقد أنهم من أصول إيرانية، والبعض يقول إنهم من أصول صينية، والمسألة لم تحسم بين المؤرخين، وهناك دراسات تقول إنهم خليط عرقي من شرق آسيا ووسطها، أي خليط مما يشبه الصينيين وسكان آسيا الوسطى الحاليين، وقد تمددوا غرباً لا سيما في ظل ملكهم أتِيلا المعروف باسم Attila the Hun، وتمكنوا من اجتياح أقسام واسعة من أوروبا، وصولاً إلى عمق أوروبا الغربية، وتأسيس إمبراطورية قصيرة العمر فيها في القرن الخامس للميلاد.

أهمية غزوات الهن، التي بدأت قبل أتيلا بقرن، أنها دمرت دولاً وأسهمت بسقوط الحدود الشرقية للإمبراطورية الرومانية، ودفعت شعوباً للانزياح غرباً، وفي ذلك الوقت كان السلاف قد ازدادوا عدداً، فتحركوا غرباً، وملأوا الفراغ، لا سيما بعد انتهاء موجة أتيلا.

جاء ذكر السلاف الأوائل لأول مرة في مصدر روماني كقومٍ يعيشون إلى الشرق من الجرمان وإلى الشمال من الإيرانيين بين القرن الأول والثاني الميلادي (1).

جاء ذكر السلاف بعدها في المراجع البيزنطية في القرن السادس كقومٍ كثيري العدد ظهروا لغزو الحدود الشرقية للإمبراطورية (2).

لم تنشأ أول دولة سلافية في روسيا، بل نشأت في أوروبا الشرقية، بين عامي 631-658 ميلادي، في المنطقة الواقعة اليوم في تشيكيا وسلوفينيا وبولندا (3)، وقد ولدت تلك الدولة السلافية الأولى قبل دولة “رس كييف” بأكثر من قرنين. وهذا مهم كي نفهم الصلة السلافية بين روسيا وأوروبا الشرقية، فهي ملعبهم التاريخي، لا الجغرافي-السياسي فحسب.

كان مؤسس تلك الدولة تاجراً جرماني الأصل اسمه “سامو” امتلك مهارات سياسية وعسكرية استثنائية مكنته من توحيد القبائل السلافية الغربية على الرغم من أنه لم يكن سلافياً بحسب المراجع الغربية (4).

لكن هذا لا يعني كثيراً في الواقع، لأن ستالين مثلاً مؤسس الاتحاد السوفياتي كان جورجي الأصل ولم يكن روسياً، وكذلك كان محمد علي باشا صاحب أول مشروع وحدوي نهضوي في الوطن العربي في القرن التاسع عشر ألباني الأصل، لهذا لا يهم الأصل العرقي، بل يهم المشروع السياسي، فهل كان مشروع ستالين مشروعاً قومياً جورجياً، وهل كان مشروع محمد علي باشا مشروعاً قومياً ألبانياً أو تركياً؟! الجواب هو لا بالطبع.

الإمبراطور الجرماني الأصل سامو أثبت ولاءه للمشروع القومي السلافي في الحرب التي خاضها السلاف تحت قيادته ضد القوات الجرمانية المتقدمة على أراضيهم في معركة كبرى عام 631 للميلاد (5)، والتي نتج عنها تأسيس أول دولة سلافية في التاريخ، أي أن سامو قاد السلاف في مواجهة الألمان الذين ينحدر منهم، كما أثبت محمد علي باشا ولاءه للمشروع القومي العربي في المعارك الكبرى التي خاضها ضد الاحتلال التركي في التاريخ العربي المعاصر.

انهارت إمبراطورية سامو بعد وفاته، ونشأت بعدها، في القرن السابع، عدة دول وإمارات سلافية غربية، أولها في المنطقة الممتدة حالياً بين جنوب النمسا وشمال شرق سلوفينا، وغيرها كثير، حتى جاءت دولة “رس كييف” في نهاية القرن التاسع، في عام 879 للميلاد تحديداً، بقيادة الأمير أولِغ، التي شرعت كقوة مركزية بتوحيد السلاف الشرقيين، وكانت الدول السابق ذكرها للسلاف الغربيين والجنوبيين، فيما “رس كييف” دولة السلاف الشرقيين، وهي الدولة التي كان مهدها فيما هو الآن أوكرانيا، وتعتبر روسيا وريثتها التاريخية.

مؤسس “رس كييف”، التي ضمت ما يعرف حالياً بروسيا وأوكرانيا وروسيا البيضاء، كان قريب الأمير أولِغ، واسمه رورِك Rurik، وقد جاء مع جماعته الجرمان عام 862 للميلاد بناءً على دعوة السلاف الشرقيين لفض النزاعات الدموية الحادة التي نشبت فيما بينهم بعدما طردوا الجرمان من أراضيهم. وقد ظل أمراء الدول السلافية الشرقية من سلالته حتى القرن السابع عشر للميلاد.

ولينتبه القراء العرب جيداً، فكل ما سبق يأتي بناءً على المراجع الغربية بالمناسبة، فيما المراجع الروسية والأوكرانية يستفزها مثل هذا الكلام بصورة كبيرة، وتصر على أن مؤسسي رس كييف كانوا من السلاف الأصليين كما نرى من هذه المراجع الثلاثة (6).

ومن المهم الانتباه إذاً إلى أن خطاب تأسيس روسيا من قبل الجرمان هو خطاب نازي رسمي (7)، وقد أشار هتلر إلى ذلك بوضوح في كتابه “كفاحي” زاعماً أن فضل تأسيس روسيا يعود للجرمان، وبالتالي فإن مثل هذا الخطاب، بغض النظر عن مدى صحته أو خطئه، يستعيد عند الروس شلالات دماء ملايين الشـ.ـهداء الذين قدموهم في مواجهة النازيين في الحرب العالمية الثانية..

مرة أخرى، الأصل العرقي لرورِك أو أولِغ أو أحفادهما لا يهم كثيراً من الناحية الموضوعية، إذ أن ما يهم هو تبنيهم، بغض النظر عن أصلهم العرقي، للمشروع القومي السلافي، وقد كان من أهم الأعمال التوسعية لأحد أولئك الأحفاد، سفياتوسلاف إيغوروفيتش، في العام 968 أو 969 للميلاد، القضاء على دولة اليهـ.و د الخزر بين البحر الأسود وبحر قزوين، والخزر من الأقوام التركية بالمناسبة الذين تحولوا إلى اليـ.هو دية بعد حروبهم مع العرب والبيزنطيين. وللمزيد حول سيرة هذا البطل السلافي باللغة العربية وحربه مع دولة اليـ.هو د الخزر وصولاً إلى مأثرة محقها محقاً، يمكن مراجعة هذه المادة القصيرة من العام 2009 للدكتور إبراهيم علوش (😎.

وما تزال حدود روسيا ممتدةً حتى اليوم بالمناسبة، منذ أكثر من ألف عام، حتى تلك المنطقة الواقعة بين بحر قزوين والبحر الأسود، على حدود أذربيجان وجورجيا الحاليتين، كما نرى في الصورة المرافقة. وهذا هو أحد أهم الجذور التاريخية والجغرافية-السياسية للصراع الحالي.

وقد كان دأب أحفاد رورِك، بغض النظر عن أصلهم العرقي، هو توحيد القبائل السلافية الشرقية، والتمدد بكل الاتجاهات، ومحاربة القوى العظمى التي يمكن أن تشكل خطراً على دولتهم السلافية الشرقية، وعلى رأسها البيزنطيون، على الرغم من تبنيهم في النهاية للمسيحية الأرثوذكسية التي أصبحت مكوناً رئيسياً من هويتهم السلافية.

نضيف أن الفروق بين السلاف الشرقيين، والسلاف الغربيين، والسلاف الجنوبيين، تعتمد في بعض جوانبها على الفروق في المذهب الديني والحرف المستخدم لكتابة اللغة، فتبني الكاثوليكية والحرف اللاتيني، خلق كراهية شديدة مثلاً بين السلاف البولنديين من جهة، وغيرهم من السلاف، الذين يتبنون الأرثوذكسية والحرف السيريلي الذي تكتب فيه الروسية وغيرها، من جهةٍ أخرى. فكتابة اللغة ذاتها بالحرف اللاتيني والتدين بالمذهب الكاثوليكي، قرب البولنديين والكروات مثلاً للغرب، وفتح مسارب تشكل وعي وثقافة تبعدهم عن بقية السلاف.

بعيداً عن روسيا نوعاً ما، لنأخذ السلاف الجنوبيين نموذجاً. كلمة يوغوسلافيا تعني “السلاف الجنوبيون”، ومكوناتها الأساسية من الصرب والكروات والسلوفينيين، الذين يتحدثون لغة واحدة بلهجات قد تختلف كثيراً أو قليلاً، والفروق بينهم هي فروق دينية وطائفية وجهوية، تحولت تدريجياً إلى فروق ثقافية عمقتها التدخلات الأجنبية. فالصرب أرثوذوكس أساساً، والكروات والسلوفينيون كاثوليك أساساً، وكلهم سلافيون، والبوسنيون هم سلاف جنوبيون أيضاً تحولوا للإسلام في العهد التركي وتأثروا بالأتراك واختلطوا بهم.

أساس الفروق الثقافية بين تلك المجموعات إذاً، التي تصر على النظر لذاتها كمجموعات قومية منفصلة، مفتعل تماماً، فالكروات يكتبون لغتهم بالحرف اللاتيني، كما في أوروبا الغربية، والبوسنيون يزاوجون ما بين الحرف السيريلي (أي الشبيه بالحرف الروسي) والحرف اللاتيني، وثمة نسبة من الكلمات التركية والفارسية والعربية في لهجتهم، بحكم احتكاكهم مع الفضاء الإسلامي، والصرب أقرب للروس لغةً وحرفاً وثقافةً، ولكن حتى هؤلاء يستخدمون الحرف اللاتيني أحياناً، مثل “العربيزي” (العربي المكتوب بالإنكليزية مثلاً)، والسلوفينيون سلاف جنوبيون، ولهجتهم مفهومة من بقية السلاف الجنوبيين، ولكنها تأثرت بشدة بالألمانية، بطرق تعبيرها ومفرداتها، بحكم وقوعها جنوب النمسا مباشرة، ووقوعها تحت تأثير النمسا لفترةٍ طويلة، والعبرة أن الكل يستطيعون أن يفهموا بعضهم بعضاً عندما يتحدثون، لو مالوا نحو القاسم المشترك، كما لغتنا العربية الفصحى بالنسبة للهجات العربيات، ولكن المسار العام منذ ثمانينيات القرن العشرين هو التباعد اللغوي والقومي، أساساً بتأثيرات خارجية، سمحت بتسللها عوامل داخلية دينية وطائفية وتأثيرات ثقافية جهوية لا يمكن إنكارها.

كذلك يمكن إيجاد الكثير من الفيديوهات اليوم عن “الفروق” بين الروسية والأوكرانية، مع أنهما من جذر واحد، وكلتاهما تكتب بالحرف السيريلي، وكلا الروس والأوكرانيين يعتنق المذهب الأرثوذكسي، لأن المطلوب الآن هو البحث عن فروق، لا عن قواسم مشتركة!

باختصار، أي صراع في الفضاء السلافي هو صراع بين قوم من أصل واحد، كما القحطانيون والعدنانيون في بلاد العرب. كما أنهم يعيشون في فضاء واحد، والروس في هذا الفضاء السلافي هم الكتلة الأكبر والرأس الكبيرة، ولذلك يعتبرون الفضاء السلافي منهم ولهم، وعليه فإن من يتدخل في ذلك الفضاء هو من يتجاوز عليهم، لا العكس. وبالتالي لا حل للمشكلة بين روسيا وأوكرانيا اليوم إلا بتفاهمهما تحت المظلة الروسية بعيداً عن أي تدخلات غربية كان وما يزال هدفها الوحيد تفكيك الفضاء السلافي إلى شذرات، كما هدفها تفكيك الوطن العربي إلى شذرات.

للمشاركة على فيسبوك:

https://www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=816061909795897&id=100041762855804

المراجع:
(1) Coon, Carleton S. (1939) The Peoples of Europe. Chapter VI, Sec. 7 New York: Macmillan Publishers.
(2) Cyril A. Mango (1980). Byzantium, the empire of New Rome. Scribner. p. 26
(3) Július Bartl (January 2002). Slovak History: Chronology & Lexicon. Bolchazy-Carducci Publishers. pp. 18
(4) Lexikon des Mittelalters. Verlag J.B. Metzler, Vol. 7, cols 1342-1343
(6) A History of Ukraine: The Land and its Peoples, Paul R. Magocsi, University of Toronto Press, 2020.
Nicholas V. Riasanovsky, A History of Russia, pp. 23-28 (Oxford Press, 1984).
(7)
Jonathan Shepherd, ‘Review Article: Back in Old Rus and the USSR: Archaeology, History and Politics’, English Historical Review, vol. 131 (no. 549) (2016), 384-405 doi:10.1093/ehr/cew104 (pp. 386-87).

الموضوعات المرتبطة

فيديو: المسار الإبراهيمي والإسلام السياسي في مواجهة النهج القومي

المشروع القومي العربي في مواجهة المشروع التركي الإخواني والديانة الإبراهيمية والتطبيع مع الكيان [...]

ميزان القوى الذهبي عالمياً: أحد مفاتيح الهيمنة على الاقتصاد العالمي

  يعد الذهب صمام أمان إذا بدأت العملة بالانهيار، وبهذا المعنى، فإنه مؤشر على صلابة الاقتصاد في حالات الأزمة.  لكنه أيضاً مخزنٌ للقيمة لا يتأثر بمعدل التضخم، لأن قيمته التاريخية تبقى ثابتة [...]

فيديو: العدوان الصهـ.ـيوني على غزة وأبعاده… د. إبراهيم علوش على الفضائية السورية

العدوان الصهـ.ـيوني على غزة وأبعاده... د. إبراهيم علوش على الفضائية السورية ليلة 8/8/2022   https://t.me/alqawmeAlarabe/12265 [...]

مرجع: “الربيع العربي” كرافعة تطبيعية

إبراهيم علوش – مجلة "الفكر السياسي"، اتحاد الكتاب العرب، العدد 81 (28 نيسان/ إبريل 2022) لم تسقط الاتفاقات "الإبراهيمية" من فراغ، إذ أن أحد مصادرها كان الاتفاقيات والمعاهدات ما قبل [...]
2022 الصوت العربي الحر.