وجه آخر للصراع العالمي: حديدٌ عتيقٌ لكونٍ جديد

July 7th 2022 | كتبها

إبراهيم علوش – الميادين نت 5/4/2022

تُبرِز الحروب في وسائل الإعلام فجأةً أسماءَ مناطقَ ومدنٍ قصيةٍ لم يسمع بها معظمنا من قبلُ.  كذلك سلطت الأزمة الأوكرانية الضوء على أحد أهم الجوانب المُغفَلة في الطبقات القاعدية للاقتصاد العالمي: مدى اعتماده على المستوردات السلعية من روسيا.

غصت التقارير والمقالات العربية والدولية عن الأزمة الأوكرانية، منذ فرض العقوبات على روسيا، بإحصاءاتٍ عن نسب اعتماد أوروبا على النفط والغاز الروسيين، ونسب اعتماد العالم قاطبةً على القمح والزيوت النباتية الروسية (والأوكرانية)، وفي بعض الأحيان، مدى اعتماد الكثير من عمليات التصنيع على المعادن المستوردة من روسيا.

أزمة أوكرانيا وأزمة معدن البالاديوم الثمين

 

لعل أهم معدن مستورد من روسيا هو البالاديوم، وهو معدنٌ فضي اللون، ويُعد أحد معادن البلاتين الستة، ويستخدم في كثيرٍ من الصناعات، من الإلكترونيات والحواسيب إلى حشوات الأسنان والمجوهرات وعملية تنقية الهيدروجين إلى محركات السيارات إلى غيرها.  وقد صدّرت روسيا، على سبيل المثال، 43% من المجموع العالمي لصادرات معدن البالاديوم عام 2021، بحسب تقديرات موقع GlobalData.  وكانت روسيا أكبر منتج للبالاديوم عام 2020، بمقدار 91 طناً منه (وعائد مقداره 6.4 مليار دولار)، وثاني أكبر منتج له عام 2021، بمقدار 74 طناً، فيما كان إنتاج جنوب إفريقيا 80 طناً في العام الفائت.

المشكلة أن البالاديوم في كوكبنا أندر من الذهب، ولذلك بلغ سعر الأونصة الواحدة منه، في 2/4/2022، نحو 2277 دولاراً (كان سعر أونصة الذهب يومها 1925 دولاراً).  وقد وصل سعر البالاديوم في آذار/ مارس الفائت إلى نحو 3440 دولاراً للأونصة الواحدة، على الرغم من أن الغرب لم يفرض عقوبات عليه، وعلى مجموعة البلاتين عموماً.  إنما نبع خوف الأسواق من اضطراب تدفقاته من العقوبات على روسيا عموماً.

يذكر أن  السيارات الكبيرة تستخدم الواحدة منها 6 إلى 30 غراماً من البالاديوم، فيما يحتوي كلٌ من اللابتوب أو الهاتف المحمول على شذرة من غرام بلاديوم واحد لكلٍ منهما.  وقد شهد سعر البالاديوم ارتفاعات كبيرة قبل الأزمة الأوكرانية، منذ ربيع عام 2021، مع ازدياد الطلب عليه للسيارات أولاً، ويستخدم فيها لتحويل الغازات السامة المنبعثة منها إلى ثاني أوكسيد الكربون وبخار الماء الأقل ضرراً على البيئة، ومع غرق مناجم البالاديوم في القطب الشمالي بسبب ارتفاع حرارة الكوكب، وهو ما خفض الإنتاج الروسي منه.  والبالاديوم هو أحد الأسباب التي أدت إلى ألا تكون العقوبات على روسيا شاملة وكاملة.  ويزيد الطلب العالمي على المعدن الثمين عن المعروض منه منذ عام 2012 على الأقل.

هل يستطيع الغرب والاقتصاد العالمي العيش من دون الصادرات الروسية؟

ليس البالاديوم السبب الوحيد لتردد الغرب في فرض حظر شامل على المنتجات الروسية، حتى لو وضعنا النفط والغاز والفحم الروسي جانباً، إذ يضاف إليه أن روسيا من أكبر ثلاثة منتجين للماس والذهب في العالم، وأنها منتجٌ رئيسيٌ للفحم المعدني (يستخدم لإنتاج الكهرباء) والحديد الخام والألمنيوم.  وقد بلغت قيمة صادراتها من الماس والمعادن الثمينة (ومنها البالاديوم والذهب) 31.6 مليار دولار عام 2021.  وبلغت قيمة صادراتها من الحديد الخام والمصنّع نحو 29 مليار دولار للعام ذاته، وقيمة صادراتها من الأسمدة الزراعية وحدها 12.5 مليار دولار، وصادراتها من الأخشاب ومنتجاتها 11.7 مليار دولار، ومن الآلات (ومنها أجهزة الحاسوب) 10.7 مليار دولار، ومن الحبوب أكثر من 9 مليار دولار، ومن الألمنيوم 8.8 مليار دولار، ومن الخامات ( Ores, slag, ash ) 7.4 مليار دولار، ومن البلاستيكيات 6.2 مليار دولار، خلال عام 2021، بحسب موقع worldtopexports.

أما التوزيع الجغرافي للصادرات الروسية (ومنها النفط والغاز والفحم) فكان أوراسياً بامتياز، أي أنه تركز على أوروبا وآسيا، إذ تذهب حوالي 51% منها إلى أوروبا، وحوالي 40% إلى آسيا، لتتوزع الـ 9% الباقية بين بقية القارات: 3% إلى أمريكا الشمالية (وهناك مرجع آخر يضع الصادرات الروسية إلى الولايات المتحدة الأمريكية وحدها عند 3.6% من المجموع عام 2021)، وأقل من 2% إلى أمريكا الجنوبية، و3% إلى إفريقيا.

ومن البديهي أن تجربة العقوبات على روسيا ستدفعها إلى زيادة تجارتها مع آسيا وغيرها، وتخفيضها مع أوروبا وشمال أمريكا، حتى لو انتهت أزمة أوكرانيا غداً، لا سيما مع تعليق عشرات الشركات الغربية أعمالها في روسيا.  لكنْ، هل يستطيع الغرب، والاقتصاد العالمي، الاستغناء عن الصادرات الروسية حقاً؟

تترسخ صورة غلبة التوجه الأوراسي للصادرات الروسية، إذا أخذناها بحسب الدولة.  وتشير إحصاءات عام 2021 إلى أن أكبر 20 سوقاً للصادرات الروسية بالدولارات الأمريكية كانت، بالتوالي، في: الصين (68 ملياراً)، هولندا (أكثر من 42 ملياراً)، ألمانيا (حوالي 30 ملياراً)، تركيا (26.5 مليار)، روسيا البيضاء (22.8 مليار)، المملكة المتحدة (22.3 مليار)، إيطاليا (19.3 مليار)، كازاخستان (18.5 مليار)، الولايات المتحدة الأمريكية (17.7 مليار)، كوريا الجنوبية (نحو 17 مليار)، بولندا (16.7 مليار)، اليابان (10.7 مليار)، فرنسا (حوالي 10 مليارات)، فنلندا (9.7 مليار)، الهند (9.1 مليار)، بلجيكا (8.7 مليار)، أوكرانيا (8.1 مليار)، البرازيل (5.3 مليار)، أوزبكستان (5.2 مليار)، وسلوفاكيا والإمارات العربية المتحدة (5.1 مليار لكلٍ منهما، في المرتبة الـ 20 والـ 21 على التوالي).

وتتربع الصين على عرش تلك القائمة طبعاً، وتشير التوقعات إلى تزايد التبادل التجاري (أي مجموع الصادرات زائداً الواردات) بين روسيا والصين خلال السنوات المقبلة، إذ بلغ حوالي 147 مليار دولار بينهما عام 2021، بحسب بيانات الجمارك الصينية.  وهناك توجهٌ رسميٌ صيني-روسي لزيادة التبادل بينهما إلى 200 مليار، أو حتى إلى 250 مليار دولار مع مجيء عام 2024، وهذا ما يزال أقل كثيراً من التبادل التجاري الصيني-الأمريكي، أو الصيني-الأوروبي، لكنه الاتجاه الصاعد في التجارة (والسياسة) الدولية.

الميزة النسبية لروسيا في كثيرٍ من السلع عالمياً

 

إن صعوبة خنق الصادرات الروسية لا تتعلق، فحسب، بقيمتها الدولارية، أو حجمها الكبير، أو تنوعها، أو حتى بنوعيتها الخاصة، كما في حالة المعادن النادرة، بل برخص ثمنها أيضاً مقارنةً بغيرها من المصادر، وبقربها الجغرافي من البلدان المستوردة، ما يخفض من كلفة شحنها، خصوصاً في المحيط الأوراسي.

وتشير دراسة منهجية موثقة منشورة في 29/3/2022، في موقع Mining Technology، بعنوان: “هل تستطيع البلدان المعتمدة على التجارة مع روسيا البحث في مكانٍ آخر؟”، إلى أن روسيا تتمتع بميزة نسبية في إنتاج عددٍ من المواد الأساسية للاقتصاد العالمي (الميزة النسبية تعني إمكان الإنتاج بتكلفة أقل مقارنةً بالمنتجين الآخرين).  ومن هذه المواد، من الميزة النسبية الأعلى إلى الأدنى عند روسيا: النيكل ومنتجاته، الأسمدة الزراعية، النفط والغاز والفحم ومشتقاتهم، الحبوب، الأخشاب ومنتجاتها، الحديد والصلب، المعادن، اللؤلؤ الطبيعي والمستنبت، الأسماك والقشريات، الزيوت النباتية والحيوانية، النحاس ومنتجاته، المتفجرات، الألمنيوم ومنتجاته، معدن الرصاص ومنتجاته، الكيمياويات غير العضوية، الملح، وأخيراً، سكك الحديد والمقطورات.

فلنأخذ الحديد الخام مثلاً الذي صدّرت منه روسيا حوالي 30% من المجموع العالمي، بعائد مقداره 1.3 مليار دولار، كما صدّرت حوالي 23% من المجموع العالمي من الحديد والصلب بعائد مقداره حوالي 5 مليار دولار، وصدرت أكثر من 22% من خامة النيكل والنيكل المصنّع بعائد مقداره 3 مليارات من الدولارات، و 18.6% من الزيوت النباتية في العالم بعائد مقداره 2.5 مليار دولار، و 17.7% من القمح وخليط القمح والشعير meslin بعائد مقداره حوالي 8 مليارات دولار (منها 2 مليار دولار من مصر، و2 مليار دولار من تركيا، عام 2020).

ومن لفَتَه وضع السمك والقشريات في قائمة المنتجات التي تتمتع فيها روسيا بميزة نسبية، نشير إلى أن روسيا باعت الصين مليار دولار من السمك، و666 مليون دولار منه لكوريا الجنوبية، عام 2020.  ومن البديهي أن كوريا شبه جزيرة، والصين لها شواطئ طويلة على عدة محيطات وبحار، إنما العبرة بانخفاض التكلفة، والصين صدّرت 12% من الأسماك عالمياً عام 2020 على أية حال.

تُعد الصين من أكثر الدول اعتماداً على الصادرات الروسية، لا سيما نوعيات محددة، منها بذار دوار الشمس والفحم والنفط والخشب والسمك وغيرها.  ولكن حتى الولايات المتحدة الأمريكية تستورد بلاتين (بقيمة 2 مليار دولار عام 2020) وخامات حديد (بقيمة 417 مليون دولار عام 2020) من روسيا، وهو أكثر مما تستورده من أي بلد آخر من هاتين المادتين.  وتعتمد تركيا كذلك على خامات الحديد الروسية وبذار دوار الشمس والقمح الروسي إلى حدٍ كبير.

وبالإجمال، هناك 31 بلداً يُعد كلٌ منها أحد أكبر ثلاثة مشترين لصادرات روسية تتمتع بميزة نسبية عالمياً.  ولن نتحدث هنا عن شدة اعتماد ألمانيا وإيطاليا على الغاز الروسي، ولا عن دولٍ مثل بلغاريا وفنلندا ولاتفيا، ولا عن شراء أوروبا 42% من النفط الروسي المصدّر، واعتماد بعض الدول الأوروبية الشرقية عليه بدرجة أكبر، ولا عن مسارعة الهند لشراء 6 ملايين برميل من النفط الروسي بأسعار تفضيلية، بعد اندلاع الأزمة الأوكرانية.  ولن تتوانى الصين عن اللحاق بركب الهند بكل تأكيد.

 

لماذا يواجه الغرب صعوبةً في خنق الصادرات الروسية؟

نظرياً، ثمة دولٌ أخرى تمتلك مزايا نسبية أيضاً في بعض المنتوجات التي تصدرها روسيا: الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وفرنسا بالنسبة للقمح؛ أوكرانيا بالنسبة لبذار دوار الشمس (40% من الصادرات العالمية من زيتها)؛ ألمانيا ثم روسيا البيضاء بالنسبة لقاطرات السكك؛ كندا والنرويج بالنسبة للنيكل المصنع؛ وزيمبابوي وكندا بالنسبة للنيكل الخام؛ البرازيل ثم أوكرانيا بالنسبة لخامة الحديد؛ وأوكرانيا ثم البرازيل بالنسبة للحديد المصنع؛ أستراليا وإندونيسيا بالنسبة للفحم؛ كندا وروسيا البيضاء بالنسبة لأحد أنواع الأسمدة؛ والصين والمغرب بالنسبة لنوع آخر من الأسمدة؛ والمغرب والأردن بالنسبة لنوع ثالث من الأسمدة الزراعية؛ المملكة المتحدة وجنوب إفريقيا بالنسبة للبلاتين؛ كندا والسويد (حيث تأسست IKEA) بالنسبة للأخشاب؛ الصين وتشيلي بالنسبة للأسماك؛ كندا والهند بالنسبة لأسلاك الألمنيوم؛ وأخيراً، الولايات المتحدة الأمريكية والإمارات بالنسبة للمشتقات النفطية.

بيد أن ما سبق لا يعني بالضرورة أن كل تلك البلدان لديها الاستعداد والقدرة على زيادة إنتاجها للتعويض عن نقص المعروض الروسي بسبب العقوبات أو رد روسيا عليها.  وعلى صعيد الاستعداد، هناك منتجون يستفيدون من ارتفاع أسعار صادراتهم من جراء نقص المعروض الروسي، مثل الإمارات والسعودية بالنسبة للنفط والغاز.  وهناك منتجون لهم مصلحة سياسية في زعزعة هيمنة القطب الواحد موضوعياً، مثل الدول المنضوية في البريكس، مثل الصين والهند والبرازيل وجنوب إفريقيا.  وعلى صعيد القدرة، هناك دول تفتقد للطاقة الإنتاجية لتعويض الفاقد الروسي في الأسواق العالمية، حتى لو أرادت، وقد أعلنت الجزائر مثلاً أنها لا تستطيع حالياً تعويض الفاقد الروسي.  كذلك ظهر أن الولايات المتحدة ذاتها غير قادرة على تعويضه، على الأقل على المديين القصير والمتوسط، بسبب مشاكل لوجستية أساساً، مثل عدم توفر مرافق أوروبية كافية للغاز المسال، وعدم وجود شبكة أنابيب نفط وغاز كتلك الموجودة بين روسيا وأوروبا.

بشأن “الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية”

إن التحليل السياسي للشأن الراهن، على أهميته، ليس الجانب الأهم فيما ورد أعلاه، بل الحقيقة الاقتصادية السياسية التي يكشفها اعتماد الغرب والاقتصاد العالمي على الصادرات الروسية (والصينية، والبرازيلية، والهندية إلى حدٍ أقل).  فالاقتصادات الصاعدة كوّنت بنى إنتاجية، صناعية وزراعية وتجارية وعلمية وتكنولوجية، ذات سوية عالية، فيما المنظومة المالية الدولية يحكمها رأس المال المالي، أي المصارف وبيوت الاستثمار والكتل المالية والدولار.  وقد انفجر هذا الصراع بين الاقتصادين الحقيقي والنقدي بشكلٍ مفتوح في أوكرانيا، لكن أوكرانيا هي محركه أو سببه المباشر فحسب، لا جوهره.

إن جوهر الصراع بين الاقتصادات الصاعدة، المتمثلة بالبريكس أساساً، وبين منظومة العولمة المالية التي يسيطر عليها الغرب وحلفاؤه (مثل اليابان) هو حالة نموذجية على صعود قوى إنتاجية كبيرة مثل الصين وروسيا والهند والبرازيل، تستند إلى اقتصاد قومي، على هامش منظومة العولمة، وإن بالاشتباك معها، وبين مؤسسات وبنية قانونية ولوجستية، أي مؤسسة علاقات اقتصادية دولية، يسيطر عليها رأس المال المالي الدولي، من خلال صندوق النقد الدولي والبنك الدولي مثلاً، أو منظومة “سويفت”، أو الدولار ذاته، أو المنظومة المصرفية وغير المصرفية الدولية.

حتى وسائل الإعلام والتواصل العالمية، ما برحت 9 من أكبر 10 منها، أمريكية، ما عدا شركة صينية واحدة في المرتبة الرابعة عالمياً.  أما شركات مثل “ألفابت”، التي تملك محرك بحث غوغل وغيره، وقيمتها السوقية 1.82 ترليون دولار، ومثل “ميتا”، التي تملك فيسبوك وانستغرام وغيره، وقيمتها السوقية حوالي ترليون دولار، وشركة “والت ديزني”، التي تملك استديوهات أفلام عملاقة في هوليود وشبكة قنوات ABC وغيرها، وشركة “نتفلكس”، وشركة “كومكاست”، وغيرها من الشركات الأمريكية التي تبلغ القيمة السوقية للواحدة منها بضع مئات مليارات الدولارات فحسب، فهي التي باتت تشكل الوعي والثقافة عالمياً، لا اتجاهات الرأي العام العالمي السياسية الراهنة فحسب.

المعركة على الصعيد الإعلامي والثقافي، في الفضائين الحقيقي والافتراضي، ما زلنا فيها، كدعاة عالم متعدد الأقطاب، وكمناهضين لليبرالية، في مواقع دفاعية صعبة، على عكس ميزان القوى الاقتصادي والسياسي بين القوى الصاعدة دولياً وإقليمياً الذي انتقل من حالة هيمنة غربية إلى شبه توازن.  والحذر الحذر من التسرع في القول إن الغرب أفل وانتهى ولم يعد له من الأمر شيء، لأن ذلك خداعٌ مدمرٌ للذات، في وقتٍ ما برحت تنتظرنا معارك كبرى.

إن فهم الإمبريالية، مثل فهم أي ظاهرة، غير ممكن بدون الاطلاع على أهم المراجع حولها.  ولا يمكن فهم الاقتصاد الرأسمالي المعولم من دون العودة للفكر النيوليبرالي المعولم، وكذلك لا يمكن فهم نقد الرأسمالية المعولمة منهجياً من دون العودة إلى أمهات مراجع ذلك النقد، ومنها كتاب لينين “الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية” (1917)، سواء كان المرء قومياً أم إسلامياً، أم لا هذا ولا ذاك، إن أراد أن يفهم الظاهرة.

إن البيئة التي صدر فيها كتاب “الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية” كانت بيئةً خصبة نظرياً في تحليل ظاهرة الإمبريالية علمياً، فقد سبقه كتاب رودلف هِلفَردينغ Hilferding “رأس المال المالي” (1910)، وكتاب روزا لكسمبورغ “تراكم رأس المال: مساهمة في التفسير الاقتصادي للإمبريالية” (1913)، وكتاب نيقولاي بوخارين “الإمبريالية والاقتصاد العالمي” (1915).  وكان هلفردينغ هو الذي بلور مفهوم سيطرة المصارف على الصناعة والإنتاج، وسيطرة الاحتكارات على القطاعات المنتجة، واتحاد تلك الاحتكارات في الدولة على شكل “رأسمالية دولة”، وكانت روزا لكسمبورغ هي التي بلورت مفهوم “المنافذ” الاستثمارية عبر الحدود كمخرج من أزمة الرأسمالية.

عندما ندعو للعودة إلى المراجع، فإن ذلك لا يعني تقبل كل ما فيها جملةً وتفصيلاً، إذ أن فكرة سيطرة الاحتكارات على القطاعات المنتجة، وجد رأس المال المالي ذاته، الذي يملك مثل تلك الاحتكارات أو يسيطر عليها، أنها قد تكون ضارة بالإنتاجية والتنافسية.  لذلك، كثيراً ما يقوم هو بتفكيكها، أو بتحويل قسم من عملياتها الإنتاجية إلى شركات أصغر خارجها outsourcing ، لأن المهم هو تعظيم أرباح الجهات المالكة، أي تعظيم احتكارات مالكي رأس المال المالي، لا الحفاظ على الاحتكارات في القطاعات المنتجِة كهيكلٍ بائدٍ ربما يصبح عائقاً بحد ذاته أمام تعظيم الربح.  ويمكن إيجاد كثيرٍ من الأبحاث الغربية بشأن هذا في مجال علم التنظيم الصناعي Industrial Organization، وفي أدبيات قوانين مكافحة الاحتكار Anti-trust Law.

كذلك، لا تنسجم النظرية الماركسية التقليدية في الإمبريالية، والمستندة إلى رأسمالية دولة متحدة بالاحتكارات، مع تفاقم ظاهرة حرب الشركات الكبرى ضد الدولة وصلاحياتها، حتى في دول المركز الإمبريالي ذاتها، لا الأطراف فحسب، وهو جوهر الطرح النيوليبرالي سياسياً، لأن الشركات متعدية الحدود باتت تنظر لذاتها ككيانات “ما بعد الدولة” وما فوقها.

كما أن تلك النظرية في الإمبريالية لا تنسجم أكثر مع تفلت الشركات الكبرى متعدية الحدود من الإطار القومي، الأمريكي أو البريطاني أو الفرنسي إلخ…، إلى الحيز المعولم، الما فوق قومي.  وكان الوحيد الذي تطرق إلى إمكانية نشوء “إمبريالية عليا” Ultra-imperialism، ما فوق قومية، هو كارل كاوتسكي Kautsky عام 1912، وإن كان قد فعل ذلك في سياق انتهازي فكرياً تحدث فيه عن سلام عالمي بين الإمبرياليات المختلفة، وفي ظل المنظومة الإمبريالية ذاتها، وهو ما استجلب نقداً حاداً من لينين.  لكن ثبت في ظل العولمة المعاصرة أن نشوء إمبريالية عليا ما فوق قومية هو الاتجاه التاريخي، وما الاتحاد الأوروبي إلا دليلٌ عليها، ولكنْ ضاعت للأسف المساهمة النظرية المهمة لكاوتسكي في وحول انتهازيته الفكرية التي كان يبحث من خلالها عن صيغة تفاهم وتعايش وتسويغ للإمبريالية.

“حديدٌ عتيقٌ لكونٍ جديد”

ما يتبقى هنا هو مفهوم رأس المال المالي، أي سيطرة كازينوهات صكوك الملكية على قوى الإنتاج، وأنه تحول من الاعتماد على الإنتاج إلى الاعتماد على الربا والمضاربات والقمار.  وهو ما رسخ وتعزز، ثم اتخذ طابعاً عالمياً عابراً للحدود والأمم، وأنشأ منظومة مؤسسية تعزز هيمنة رأس المال المالي، المستعد حتى لتفكيك المؤسسات المالية والمصرفية ذاتها إن وجدها أكبر مما يجب، فالمهم هو تعظيم ربح الكتل المالية الكبرى.  فالإمبريالية، في مستهل القرن العشرين، كانت أعلى مراحل الرأسمالية في ذلك الوقت، ولا يجوز فهم تعبير “الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية” بشكلٍ مطلقٍ عابرٍ للزمن، إذ أن طبيعة الإمبريالية ذاتها مرت بتحولات جذرية.

وتملك هذه المنظومة الإمبريالية أن تجمد ودائع روسيا في الخارج “قانونياً”، وهي 300 مليار دولار، ناهيك عن الودائع الخاصة الروسية البالغة حوالي 800 مليار دولار.  وهي تملك حجب الدولار (والعملات الرئيسة الأخرى)، وإخراج الشركات الروسية من بورصاتها فعلياً، وحظرها من منظومة “سويفت”، إلخ… ولكنها اصطدمت اليوم بواقعٍ جديدٍ هو وزن الدول الصاعدة في الاقتصاد المنتج.  ذلكم هو جوهر الصراع بين القديم والجديد في زماننا.

نقول إن الجديد سيسود لأن القديم بات عائقاً أمام إنتاجية الاقتصاد في الدول الغربية ذاتها.  مثال: يمكن نظرياً لشمال أمريكا أن تسد حاجة العالم من القمح والحبوب بما يعوض عن القمح الروسي وأكثر.  لكن ما حدث هو أن العقود الآجلة في بورصات القمح الدولية قفز فيها سعر “البوشل” (أكثر من 25 كغم) من القمح إلى أكثر من 13 دولاراً، في أعلى مستوى له منذ 45 عاماً، نتيجة المضاربات على القمح (رأس المال المالي) في البورصات على خلفية الأزمة الأوكرانية.  ولذلك لم يقبل مشترو القمح في آذار شراء الإنتاج مسبقاً بانتظار ما ستسفر عنه الأزمة الأوكرانية، خوفاً من انخفاض أسعار القمح لاحقاً.  لكن هذا يعني أن المزارعين لم يتوفر بأيديهم المال الآن الذي يمكن أن يستخدموه لشراء البذار والأسمدة (التي ارتفع سعرها 17% في العام الفائت، ويتوقع أن يرتفع سعرها 12% هذا العام، لا سيما أن روسيا أحد أهم مصدري الأسمدة في العالم)، وبالتالي لن يتمكنوا من زيادة الإنتاج.  والقصة تداولها الإعلام الاقتصادي الغربي بالتفصيل (انظر مثلاً تقرير رويترز في 21/3/2022).

هذا هو معنى سيطرة رأس المال المالي على الإنتاج، ومعنى أن يكون عائقاً له.  ومثل هذه المنظومة لا يمكن أن تستمر، حتى لو جاءت لمصلحة روسيا في هذه الحالة.  وكما قال بدر شاكر السياب في قصيدة “الأسلحة والأطفال”، التي تلخص فكرة صراع القوى المنتجة مع علاقات الإنتاج البائدة في أجمل تصوير شاعري:

“وأنَّ الدواليبَ في كلِّ عيد

سترقى بها الريحُ.. جذلى تدور

ونرقى بها من ظلامِ العصور

إلى عالمٍ كلُّ ما فيهِ نور

رصاصٌ، رصاصٌ، رصاصٌ، حديد، حديدٌ عتيق

لكونٍ جديد”

https://www.almayadeen.net/articles/وجه-آخر-للصراع-العالمي:-حديد-عتيق-لكون-جديد

للمشاركة على فيسبوك:

https://www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=840436750691746&id=100041762855804

 

الموضوعات المرتبطة

إشكالية الموقف من تركيا عقائدياً وسياسياً

  إبراهيم علوش  - صباح الخير/ البناء    شكلت شبه هضبة الأناضول تاريخياً كتلةً جغرافيةً-سياسيةً شديدةَ الوطأة على الميدان الشامي، وعبره، على الوطن العربي كله.  فمنذ الحثيين، حتى الرومان [...]

خطوط الصراع في الانتخابات النصفية الأمريكية

  إبراهيم علوش  - الميادين نت تجري في الولايات المتحدة الأمريكية في 8 تشرين الثاني / نوفمبر المقبل انتخاباتٍ نصفية حاسمة يُقرَر فيها مصير كامل مقاعد مجلس النواب الـ435، و35 مقعداً من أصل 100 في [...]

هل يفرض الغرب سقفاً سعرياً على النفط الروسي؟

  إبراهيم علوش – الميادين نت الخبر الاقتصادي الدولي الأهم في الأيام الفائتة كان قرار الاتحاد الأوروبي، المدعوم أمريكياً، في الثاني من أيلول / سبتمبر الفائت، فرض سقف أعلى على سعر النفط [...]

نهج المــقــاومة والعمل القومي: هل يقوم أحدهما مقام الآخر؟

  إبراهيم علوش – المستقبل العربي* شخصت الأبصار إلى غزة ثم إلى نابلس في شهر آب / أغسطس الفائت، ولطالما احتضنت عيون الشرفاء كلَ حالةِ مـ.ـقـ.ـاومةٍ متميزة، ولو كانت تحدياً للهيمنة الغربية، أو [...]

تايوان والصراع على جبهة أشباه الموصلات

  إبراهيم علوش – الميادين نت ربما تبدو الجبهة الأوكرانية أكثر صخباً، وتداعياتها الاقتصادية على أوروبا والعالم أبلغ أثراً، وتناولها إعلامياً أشد إثارةً، لكنّ الجبهة الأكثر ضراوةً، هي، [...]
2022 الصوت العربي الحر.