ارتفاع الدولار ينقذ الولايات المتحدة على حساب حلفائها والعالم

July 7th 2022 | كتبها

 

إبراهيم علوش – الميادين نت 2/5/2022

يعني ارتفاع قيمة الدولار، مقابل العملات الأخرى، انخفاض عدد السنتات اللازمة لشراء وحدة واحدة من تلك العملات. وعندما بدأت العملية الروسية الخاصة في أوكرانيا في 24/2/2022، على سبيل المثال، كانت قيمة اليورو 1.1 دولار أمريكي.  أما في نهاية شهر نيسان/ أبريل الفائت، فقد بلغت قيمة اليورو 1.05 دولار، ضمن اتجاهٍ عامٍ لانخفاض اليورو مقابل الدولار، بالرغم من تأرجح السعر، صعوداً وهبوطاً، بين يومٍ وآخر.  ويذكر أن اليورو كان يساوي حوالي 1.4 دولار أمريكي عشية استعادة روسيا للقرم، وبدء فرض العقوبات على روسيا، في آذار/ مارس 2014، ثم بدأ الانهيار الكبير في اليورو.

قد تبدو مثل هذه الفروق بسيطةً بالنسبة إلى من يتعاملون بمئات، أو حتى آلاف، الدولارات في الشهر الواحد.  أما إذا أخذنا في الاعتبار أن حجم التداول العالمي بالعملات الأجنبية يبلغ 6.6 ترليون دولار يومياً، نكرر، يومياً، بحسب آخر الإحصاءات الموثوقة، وهي تعود إلى مرحلة ما قبل كورونا، وإذا أخذنا في الاعتبار أن صفقة العملة الأجنبية الواحدة تراوح عادةً ما بين 200 إلى 500 مليون دولار، وأن ربح الصفقة الواحدة يعتمد على تدوير مئات ملايين الدولارات من عملة إلى أخرى، بكبسة زر، استناداً إلى فروق أسعار صرف بين أسواق العملة المختلفة في المنزلة الخامسة والسادسة بعد الصفر أحياناً، عدداً كبيراً من المرات في السنة الواحدة، فإن مثل هذا الانخفاض لليورو مقابل الدولار يصبح قصة كبيرة جداً، كما تصبح المراهنة بالعقود الآجلة لليورو على انخفاضه أكثر في المدى المنظور أحد أسباب انخفاضه فعلاً.

سوق العملات الأجنبية كملعبٍ رئيسيٍ لرأس المال المالي

كان الحصول على سعر صرف الجملة في أسواق العملات الأجنبية، منذ عشرين عاماً، يتطلب تبديل أكثر من مليون دولار في الصفقة الواحدة، أما من كان يدخل السوق بأقل من مليون دولار، فكان يشبه ولداً صغيراً يلبس بنطالاً قصيراً ويلعب في الشارع بالكرات البلورية الصغيرة المسماة “القلول”، أو “البنانير”، ولذلك لا يحصل إلا على سعر صرف المفرق.

إنه عصر رأس المال المالي.  وتداول العملات الأجنبية المختلفة لأغراض المضاربة، أي للمراهنة في سوق القمار الدولية الكبرى على ارتفاع هذه وانخفاض تلك، بعد حينٍ قريبٍ أو بعيد، بات ملعباً رئيسياً من ملاعب رأس المال المالي الدولي.  ففي الماضي، كان تبديل العملات وسيلةً، لا هدفاً بحد ذاته، وكان يجري بغرض التجارة أو الاستثمار أو السياحة إلخ… أما منذ بدأت الرأسمالية تتحول أكثر فأكثر إلى مشروع مضارِب، أي مقامر، وربوي، فإن مبادلة شكلٍ من النقد بآخر، أو أصلٍ ماليٍ بآخر، بات الشكل الرئيسي، غير المنتج، لنشاطها.  وهو ليس غير منتجٍ فحسب، بل يمكن أن يرفع عملات واقتصادات وصناعات بأكملها، أو يحطمها، في أيامٍ أو لحظات، بناءً على ما يستقر عليه نرد البورصات المختلفة في أسواق العملات، أو حتى في بورصات البيع الآجل للسلع الرئيسية، مثل النفط والقمح والبن والكاكاو والسكر، وغيرها كثير.

فلنلاحظ هنا أن الناتج المحلي الإجمالي، لكل بلدان العالم مجتمعة، لم يكد يبلغ 95 ترليون دولار عام 2021، فما هي الحاجة لتداول عملات أجنبية بمقدار 6.6 ترليون دولار في اليوم، بما يعادل أكثر من 2400 ترليون دولار سنوياً عام 2022، بحسب موقع  FOREX، الموقع الرئيسي المتخصص بالمتاجرة بالعملات الأجنبية.

وهكذا نجد القيم المالية، مثل العملات الأجنبية، وقد تحولت مجدداً إلى أصولٍ ذات آليات حركة منفصلة عن حركة الواقع الاقتصادي، المتمثل في التجارة الدولية بالسلع والخدمات (ومنها السياحة)، وبالاستثمار الدولي.  ولا غرو، فإن ترليوني دولار فقط، من الـ6.6 ترليون التي جرى تداولها يومياً، بحسب بنك التسويات الدولية Bank of International Settlements، تصرّف فورياً من عملة إلى عملة أخرى، أو “يداً بيد”، بحسب تعبير الفقهاء، أي مباشرةً، أما الباقي، فعقود آجلة بأنواعها، ومنها الـforwards، بقيمة ترليون دولار يومياً، وعقود المبادلات بأنواعها swaps، بقيمة 3.3 ترليون دولار يومياً، ثم عقود الخيار options، بقيمة بضع مئات مليارات الدولارات يومياً.

كل هذه الأخيرة، بالمناسبة، اسمها “مشتقات مالية”، أي أصول مالية مشتقة، مرتبطة بالعملات الأجنبية.  وهناك من الفقهاء من يدينها ويحرمها، باعتبار أن مبادلة مال بمال آجل ربا، وربما يكون في ذلك بعض الصحة، إنما جوهر تلك المبادلات، في الواقع، هو المقامرة، لا بمالٍ فحسب، بل بشعوب وبلدان واقتصادات.  ولعل مناهضة مثل هذا الشكل من المقامرة بالذات يصبح نقطة لقاء بين من يتبنون منهجيات إسلامية واشتراكية وقومية في الوطن العربي، على طريق تأسيس جبهة عالمية لمناهضة الإمبريالية، التي لا يمكن فهم طبيعتها من دون فهم طبيعة رأس المال المالي الدولي.

خريطة المراكز الرئيسية لتبديل العملات الأجنبية في العالم

 

تشير إحصاءات موقع Statista، بالمقابل، إلى أن تداول العملات الأجنبية وعقودها والمشتقات المالية المرتبطة بها، بلغ 8.3 ترليون دولار يومياً، بحسب تقرير منشور في 11/1/2022 عن نهاية عام 2019، كما أن ذلك التقرير يقلص تقدير حصة التبادل الفوري، أو المباشر، من العملات الأجنبية، إلى 1.1 ترليون دولار يومياً فحسب (وليس ترليونين).  ولعل تقرير Statista اعتمد على تعريف أشمل للمشتقات المالية المرتبطة بالعملات الأجنبية.  وهو ما يزيد من نسبة التبادل الآجل، وبالتالي يزيد من صدقية استنتاجنا بأن حركة العملات الأجنبية تزداد انفصالاً عن حركة التجارة والاستثمار الدوليين، وتزداد تعظيماً للقيم المالية على حساب القيم الحقيقية التي يفترض أن تعكسها.

لكنّ ما يهمنا بصورة أكبر هنا هو الخريطة الجغرافية التي يعرضها تقرير Statista ذاته لحركة تلك العملات الأجنبية، دولياً، والتي تجعل من بريطانيا، ولندن بالذات، عاصمة تبديل العملات الأجنبية في العالم بدون منازع، إذ يمر عبرها حوالي 3.6 ترليون دولار يومياً من حركة صفقات العملات الأجنبية، تليها الولايات المتحدة الأمريكية، بما يقارب 1.4 ترليون دولار يومياً، تليها سنغافورة وهونغ كونغ، بما يعادل 640 و630 مليار دولار يومياً، تليهما اليابان (طوكيو)، ثم سويسرا، ثم باريس، ثم الصين ثم ألمانيا.  أما بقية بلدان العالم الأخرى، مجتمعة، فيمر عبرها ترليون دولار يومياً فحسب.

وما سبق بشأن المسارات الجغرافية للحركة اليومية للعملات الأجنبية مهمٌ جداً لمعرفة مراكز الثقل الاقتصادي-السياسي في ذلك البعد المهم، وغير الوحيد، من بنية رأس المال المالي الدولي، وبالتالي من تجليات الهيمنة الإمبريالي، كما أنه يفسر لمَ تصبح عملات دويلات صغيرة، مثل سنغافورة وهونغ كونغ، عملات دولية صعبة، فما هي إلا حصونٌ أو مراكز شيدت عند عقد التقاء مسارات حركة رأس المال المالي الدولي، ومنه حركة تبديل العملات الأجنبية، الحالية والآجلة، فكون التبادل يجري في الفضاء الإلكتروني، فإن ذلك لا يغير من حقيقة وجود من يحركه ويطلقه ويلتقطه ويستفيد منه على الأرض، في مواقع جغرافية محددة، تماماً كما يمكن تحديد موقع حاسوبك أو هاتفك النقال جغرافياً.

لكنْ، مع أن لندن هي أهم محطة لحركة مرور العملات الدولية، في الأسواق الحالية والآجلة، لا يجوز أن يرقى الشك إلى هوية من يسيطر على المنظومة المالية الدولية برمتها: البنوك الأمريكية العابرة للحدود.  ويشير تقرير لموقع Euromoney، صدر في 25/6/2020، إلى أن 6 من أكبر 10 مؤسسات مصرفية تمر صفقات العملات الأجنبية عبرها هي بنوك أمريكية، أولها JP Morgan.  أما البنوك الأربعة الأخرى، فأهمها UBS السويسري، الذي يأتي في المرتبة الثانية بين العشرة الأوائل، ثم شركة المتاجرة الإلكترونية البريطانية XTX في المرتبة الثالثة، ثم “دويتش بانك” الألماني في المرتبة الرابعة، ثم HSBC البريطاني في المرتبة السادسة، بعد Citi الأمريكي في المرتبة الخامسة.  ففي هذا الميدان، يبقى الأمريكان هم المسيطرون.

الدولار الأمريكي كمخزن عالمي للقيم المالية   

من البديهي أن الحجم المهول لتبادل العملات الأجنبية يومياً، وانتفاخ القيم المالية لمثل ذلك التبادل، في ديناميكيات ومسارات ما برحت تزداد انفصالاً عن حركة رأس المال المنتِج، وبالتالي عن مراكز ثقل الاقتصاد الحقيقي الصاعدة في العالم، وعلى رأسها دول البريكس، وأهمها اقتصادياً هو الصين بالطبع، لا يمكن أخذه بمعزل عن الجوانب الأخرى لحركة رأس المال المالي الدولي، ومنه مثلاً لا حصراً المتاجرة بأذونات الخزينة والسندات الحكومية الأمريكية وغير الأمريكية.

سبعة ترليونات من الدولارات تقريباً هي قيمة أذونات الخزينة والسندات الحكومية الأمريكية التي يملكها غير أمريكيين، وشراء مثل تلك الأدوات المالية لا يمول الدين العام الأمريكي فحسب، ويزيد بالتالي من قدرة الولايات المتحدة على أن تنفق أكثر من إمكاناتها، بل يقوي الدولار الأمريكي، بما أن تلك الأذونات والسندات تشترى بالدولار الأمريكي، وبالتالي تزيد من الطلب عليه.  فإذا أضفنا إليها أذونات خزينة وسندات الدول الغربية، أو التي تدور في فلك الغرب، مثل اليابان، وهي النسبة الساحقة من الديون العالمية (كما أوضحنا في مادة “الدين العام الأمريكي: عكازٌ مفخخٌ يتوكأ عليه الاقتصاد العالمي”، في الميادين نت، في 26/4/2022)، فإن عملات تلك الدول تزداد قوةً بمقدار ما يُقبِل المستثمرون الماليون على شراء سنداتها وأذونات خزينتها بالين واليورو إلخ…

بالمقابل، لنلاحظ أن الدول النامية، عندما تريد الاستدانة في الأسواق الخارجية تصدر سنداتها وأذونات خزينتها بالدولار، وأحياناً باليورو، وكذلك قد تصدِر الدول والشركات الغربية سندات بعملات دول غربية أخرى أحياناً تستقطب المستثمرين الماليين من كل أنحاء العالم، وكل هذا يعزز الطلب العالمي على العملات الرئيسية، وعلى رأسها الدولار واليورو.  ويشير تقرير للمصرف المركزي الأوروبي صدر في تموز/ يونيو 2021، بعنوان “الدور الدولي لليورو”، إلى أن حوالي 63% من السندات وأذونات الخزينة عالمياً مقومة بالدولار الأمريكي، و23% منها باليورو؛ وإلى أن حوالي 55% من قروض البنوك بالعملات غير المحلية خارج الولايات المتحدة مقومة بالدولار، وحوالي 17% من قروض البنوك بالعملات غير المحلية خارج الاتحاد الأوروبي مقومة باليورو.

ويشير تقرير المصرف المركزي الأوروبي أيضاً إلى أن 44% من القيمة الصافية لحركة العملات الأجنبية يومياً تجري بالدولار، وأقل من 17% منها باليورو، وأكثر من 8% منها بالين الياباني (موقع FOREX يقول إن 88% من حركة العملة الأجنبية عالمياً تجري بالدولار، لكنها طريقة أخرى لحساب الشيء ذاته، إذ أنه يقول أيضاً إن حوالي 33% منها يجري باليورو، وحوالي 17% منها بالين، وحوالي 13% بالجنيه الاسترليني، إلخ… إذ أن كل عملية تبديل عملة تتضمن طرفين، من-إلى، وبالتالي فإن الدولار يمكن أن يظهر كمنطلق أو كهدف، والقيمة ذاتها التي يتحول الدولار منها أو إليها تظهر أيضاً على شكل عملات أخرى غير الدولار، وعليه فإن تلك النسب هي من 200% بحسب تقرير بنك التسويات الدولية).

ما سبق مهمٌ جداً لفهم بعض مصادر الطلب العالمي على العملات الرئيسية، وعلى رأسها الدولار الأمريكي طبعاً، ومن ثم اليورو (ولمزيدٍ بشأن هذه النقطة، الرجاء مراجعة “السباق الاقتصادي الأمريكي-الصيني ووطأة الدولار الأمريكي”، الميادين نت، 28/2/2022).  وتلك العملات الرئيسية، على الرغم من تضعضع مواقعها في السنوات الفائتة، بحكم صعود الصين وقوى دولية وإقليمية أخرى، لأن الاقتصاد الحقيقي يبقى الأساس، في المحصلة، فإنها تبقى المهيمنة دولياً، وستبقى مهيمنة حتى يتبلور نظامٌ اقتصاديٌ عالميٌ جديدٌ لا يعتمد على تداول الدولار واليورو والين وما شابه لتسيير شؤونه.

الدولار يرتفع على بساط الأزمة العالمية

اللافت طبعاً هو أن الدولار الأمريكي لم يرتفع إزاء اليورو فحسب، بل ارتفع بمقدار 8%، بحسب تقرير لـ”رويترز” في 29/4/2022، مقابل سلة من العملات الرئيسية الأخرى منذ بداية العام الجاري. لكنّ معدل ذلك الارتفاع تصاعد خلال شهر نيسان/ أبريل الفائت، وبلغ أشده إزاء الين الياباني ثم الكرون النرويجي ثم الدولار النيوزيلندي ثم الدولار الاسترالي ثم الجنيه الاسترليني ثم اليورو ثم الفرنك السويسري ثم الكرونا السويدي ثم الدولار الكندي.

ما من شكٍ إذاً في أن الدولار يصعد.  أما اليورو، فلم يهبط إزاء الدولار الأمريكي فحسب، بل إزاء الجنيه الاسترليني، منذ منتصف شهر نيسان/ أبريل الفائت، وهو هبوط يعزز هبوطه العام إزاء الجنيه خلال العام الفائت، بالرغم من التذبذب اليومي.  ونرى الاتجاه ذاته في هبوط اليورو خلال العام الفائت إزاء الفرنك السويسري، وهو الاتجاه الذي تعزز، رغم الصعود والهبوط، منذ بدء العملية الروسية الخاصة في أوكرانيا.  الين الياباني هنا هو الاستثناء، إذ أنه يشهد هبوطاً أكبر من هبوط اليورو إزاء الدولار الأمريكي.

لكنّ الاتجاه العام لهبوط اليورو ينسحب على عملات الاقتصادات الصاعدة والنامية عموماً، لا على الروبل الروسي واليوان الصيني والروبية الهندية والريال البرازيلي (هبط اليورو حوالي 20% مقابل الريال البرازيلي منذ بداية عام 2022) والراند الجنوب إفريقي والروبيا الأندونيسية فحسب، بل أيضاً إزاء البيزو المكسيكي والكولومبي والتشيلي والفيلبيني وغيرها من العملات.  والطريف أن اليورو لم يرتفع إلا إزاء عملات تسابق اليورو في الهبوط إزاء الدولار، مثل الزلوطي البولندي والفورينت الهنغاري والليرة التركية والجنيه المصري.

حتى الحرب الاقتصادية ضد روسيا، تخوضها الولايات المتحدة باقتصادات حلفائها، وهو أمر يفترض بأولئك الحلفاء أن يتأملوه جيداً، لا سيما في حين أن الدولار يزداد قوةً، على صعيد عالمي، بالرغم من ضخ النقد الأمريكي بكميات مهولة، ما عدا، ولننتبه جيداً، في مقابل الريال البرازيلي والروبل الروسي!  فقد ارتفع الريال البرازيلي حوالي 11%، وارتفع الروبل الروسي حوالي 4%، منذ بداية عام 2022 مقابل الدولار الأمريكي… وجاء ارتفاع كليهما لأنهما منتجان رئيسيان للسلع الأساسية في العالم، من جهة، أي يعتمدان على الاقتصاد الحقيقي، ولأنهما اتبعا سياسة رفع أسعار الفائدة لمحاربة الضغوط التضخمية، من دون خوف على الأساس الاقتصادي.

ومن البديهي أن الاقتصاد البرازيلي ليس محاصراً كالروسي، ومن هنا جاء أداء مؤشراته أعلى من الروسي، لكن البرازيل تبقى قوة عالمية صاعدة ومكوناً مهماً من منظومة البريكس.   وبشكلٍ عام، هناك تحسن مقابل الدولار في أمريكا اللاتينية منذ الأزمة الأوكرانية، لا سيما في كولومبيا التي تصدر النفط الخام ومشتقاته والفحم والبن والذهب، ولكن ذلك جاء على خلفية دورة من الانكماش الاقتصادي الشديد منذ عام 2014.

الولايات المتحدة تحل مشكلتها على حساب حلفائها

 

سبقت الإشارة إلى أن السلع الرئيسية في العالم مسعرة بالدولار، وبالتالي فإن ارتفاع قيمته مقابل العملات الأخرى سيخلق ضغوطاً تضخمية في معظم البلدان حول العالم التي ستجد تلك السلع أغلى ثمناً بعملاتها المحلية.  حتى في اليابان المعتمدة على التصدير، حيث يفترض أن يؤدي انخفاض سعر الصادرات إلى زيادة عائداتها منها، ثمة قلق كبير من ارتفاع تكلفة حوامل الطاقة والغذاء على كلف الإنتاج.  والمعضلة أن اليابان والاتحاد الأوروبي لا يرغبان برفع معدلات الفائدة لاحتواء غول التضخم النهم خوفاً من خنق فرص التعافي الاقتصادي بعد أزمة كورونا.

بالمقابل، تعد الولايات المتحدة الأمريكية اقتصاداً مستورِداً، لا بل تمثل السوق الأمريكية أكبر سوق للواردات في العالم، لأن الولايات المتحدة تستطيع أن تستهلك أكثر مما تنتج بفضل الطلب العالمي على الدولار الأمريكي.  لذلك، فإن ارتفاع قيمة الدولار يخفض أسعار السلع المستوردة في الولايات المتحدة، ويحتوي التضخم، أو يقلل منه على الأقل، بمقدار ما يعتمد الأمريكيون على السلع المستوردة في استهلاكهم.

يشير تقرير “رويترز”، المنشور في 29/4/2022، والمذكور أعلاه، استناداً إلى خبراء اقتصاديين، إلى أن الدولار الأمريكي، رغم صعوده الأخير مقابل سلة من العملات الأجنبية، ما يزال أدنى 2% مما كان عليه قبل دخول أزمة كوفيد على الخط.  فإذا عاد إلى المستوى الذي كان عليه في آذار/ مارس عام 2020، أو تجاوز ذلك المستوى، فإن ذلك قد يقلل من اضطرار الاحتياطي الفيدرالي لرفع معدلات الفائدة لكبح معدل التضخم.  وهو ما يتيح للولايات المتحدة بأن تنعم بمعدلات فائدة لا تعيق النمو الاقتصادي، وبمعدلات منخفضة للتضخم، في آنٍ واحد، بفضل هيمنة الدولار على المنظومة المالية الدولية، ما عدا في الدول ذات الاقتصادات: 1) المستقلة، و2) المنتِجة، في آنٍ واحد.  ومن البديهي أن حيز هيمنة الدولار يتقلص بمقدار ما يتسع حيز الدول المنتِجة والمستقلة.

كان لافتاً، في الواقع، أن سعر أونصة الذهب الذي ارتفع من حوالي 1887 دولار في 24/2/2022، عشية العملية الروسية في أوكرانيا، إلى أكثر من 2052 دولارٍ للأونصة بعدها بأسبوعين فقط، عاد للانخفاض صبيحة 2/5/2022 إلى حوالي 1883 دولار، أي إلى مستوى أقل مما كان عليه قبل دخول روسيا إلى أوكرانيا.

السبب هو أن الدولار يعد عالمياً عملة ملاذ آمن، مثل الذهب.  فهو والذهب، بهذا المعنى، سلعتان بديلتان، إذا استهلكت مزيداً من واحدة، فإنك تستهلك أقل من الأخرى، تماماً كنوعين من معجون الأسنان أو القهوة والشاي مثلاً.  وبالرغم من أن الأزمة تترع إناء الاقتصاد العالمي، وبالرغم من ارتفاع معدل التضخم الأمريكي، الذي يفترض، بحسب كل قوانين علم المالية الدولية، أن يخفض سعر العملة، وبالرغم من أكثر من 6 ترليون من الدولارات التي ضخها الاحتياطي الفيدرالي في شرايين الاقتصاد الأمريكي بين شباط/فبراير 2020 وبين شباط/فبراير 2022، فإن الدولار راح يزداد قوةً، كأنه يخالف قوانين الطبيعة فعلياً، ولكن ليس حقاً، إذا أخذنا بعين الاعتبار مفهوم الهيمنة المالية؛ أي مفهوم الإمبريالية كما يتجلى في زماننا.  وزعزعة تلك الهيمنة بات مصلحة عامة للبشرية ككل، لا سيما الأمم المضطَهدة بينها، مثل الأمة العربية.

https://www.almayadeen.net/articles/ارتفاع-الدولار-ينقذ-الولايات-المتحدة-على-حساب-حلفائها-والعال

للمشاركة على فيسبوك:

https://www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=860573502011404&id=100041762855804

الموضوعات المرتبطة

إشكالية الموقف من تركيا عقائدياً وسياسياً

  إبراهيم علوش  - صباح الخير/ البناء    شكلت شبه هضبة الأناضول تاريخياً كتلةً جغرافيةً-سياسيةً شديدةَ الوطأة على الميدان الشامي، وعبره، على الوطن العربي كله.  فمنذ الحثيين، حتى الرومان [...]

خطوط الصراع في الانتخابات النصفية الأمريكية

  إبراهيم علوش  - الميادين نت تجري في الولايات المتحدة الأمريكية في 8 تشرين الثاني / نوفمبر المقبل انتخاباتٍ نصفية حاسمة يُقرَر فيها مصير كامل مقاعد مجلس النواب الـ435، و35 مقعداً من أصل 100 في [...]

هل يفرض الغرب سقفاً سعرياً على النفط الروسي؟

  إبراهيم علوش – الميادين نت الخبر الاقتصادي الدولي الأهم في الأيام الفائتة كان قرار الاتحاد الأوروبي، المدعوم أمريكياً، في الثاني من أيلول / سبتمبر الفائت، فرض سقف أعلى على سعر النفط [...]

نهج المــقــاومة والعمل القومي: هل يقوم أحدهما مقام الآخر؟

  إبراهيم علوش – المستقبل العربي* شخصت الأبصار إلى غزة ثم إلى نابلس في شهر آب / أغسطس الفائت، ولطالما احتضنت عيون الشرفاء كلَ حالةِ مـ.ـقـ.ـاومةٍ متميزة، ولو كانت تحدياً للهيمنة الغربية، أو [...]

تايوان والصراع على جبهة أشباه الموصلات

  إبراهيم علوش – الميادين نت ربما تبدو الجبهة الأوكرانية أكثر صخباً، وتداعياتها الاقتصادية على أوروبا والعالم أبلغ أثراً، وتناولها إعلامياً أشد إثارةً، لكنّ الجبهة الأكثر ضراوةً، هي، [...]
2022 الصوت العربي الحر.