ثلاث كلمات على هامش اللحظة الغزية الراهنة

December 30th 2023 | كتبها

 

إبراهيم علوش – الميادين نت

 

الكلمة الأولى: بابوا غينيا الجديدة

الكلمة الثانية: خط التجارة العربي كغطاء لرفع الحصار اليمني عن العدو الصـ.ـهـ.ـيـ.ـوني

الكلمة الثالثة: حقيقة الخلاف المزعوم بين إدارة بايدن وحكومة نتنياهو بشأن غزة

ظهر اسمها في وسائل الإعلام سريعاً قبل أيام، مع إعلان وزير خارجية الكيان الصهيوني إيلي كوهين عن عزمها افتتاح قنصلية لها في الضفة الغربية (“يهودا والسامرة” بحسب تعبيره)، قالت تقارير إعلامية إنها ستكون على الأرجح في مستوطنة “أرييل”، التابعة أراضيها لسلفيت، جنوبي قلقيلية ونابلس، وشمالي رام الله والبيرة.

أن يأتي مثل ذلك الإعلان في خضم العدوان الصهيوني على غزة، وعدوان موازٍ، لا يقل خطورةً سياسياً، على الضفة الغربية، هو أمرٌ لافتٌ بالضرورة، خصوصاً عندما يكون المعني دولةً فقيرةً جنوبي شرقي المحيط الهادئ، هي أيضاً واحدة من الجزر التي احتدت المنافسة عليها مؤخراً بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية.

الكلمة الأولى: بابوا غينيا الجديدة

اسمها بابوا غينيا الجديدة، أو “دولة بابوا غينيا الجديدة المستقلة” ) The Independent State of Papua New Guinea)، سوى أنها ليست مستقلة تماماً، فهي تتبع التاج البريطاني أولاً، منذ “استقلالها” عن بريطانيا عام 1975، وهي رهينة “عقد ارتباط حر”، ثانياً، مع الولايات المتحدة الأمريكية جرى توقيعه مع وزير الخارجية الأمريكي أنطوني بلينكن في 22/5/2023 تؤول شواطئها الطويلة و”المستقلة” ودفاعها الخارجي بموجبه إلى البنتاغون في مقابل 45 مليون دولار فقط، كـ”مساعدات” لتحديث بنيتها الأمنية أساساً.

كان ذلك “العقد” أحد العقود التي وقعتها الولايات المتحدة مع جزر “بالاو” و”ميكرونيزيا” و”مارشال” لثبيت سيطرتها على المحيط الهادئ خصوصاً بعد الاتفاق الأمني بين جزر سليمان والصين عام 2022، و”الجائزة” الأمريكية الموعودة هي نحو 20 مليار دولار لكل تلك الجزر على مدى 20 عاماً.

أما بابوا غينيا الجديدة فليست جزيرة صغيرة، إذ إن حجمها يبلغ نحو 463 ألف كيلومتر مربع تقريباً، وتحدها أندونيسيا غرباً، وأستراليا جنوباً، وجزر سليمان شرقاً، وكثيرٌ من المحيط ثم جزر ميكرونيزيا شمالاً، أي أن موقعها حساس استراتيجياً في المحيط الهادئ.

يبلغ عدد سكان بابوا غينيا الجديدة أكثر من 10 ملايين رسمياً، وتضع بعض المصادر التعداد عند أكثر من 17 مليوناً، وسبب الاختلاف هو انتشار السكان في الأرياف وبمحاذاة الغابات الاستوائية المطيرة في قرى تقليدية  فيما يعد أحد أقل البلدان تمدناً في العالم، إذ يبلغ عدد سكان المدن فيه نحو 13% فحسب.

افتتحت بابوا غينيا الجديدة سفارةً لها في القدس العربية المحتلة في 5/9/2023، لتصبح خامس بلد، بعد الولايات المتحدة الأمريكية وكوسوفو وهندوراس وغواتيمالا، تؤسس سفارةً في قدسنا.

جاء إعلان تأسيس قنصلية لبابوا غينيا الجديدة في الضفة الغربية مثيراً للانتباه بالفعل في وجه حملة التضامن الأممي الواسعة وغير المسبوقة مع فلسطين على خلفية العدوان الصهيوني على غزة.

لكنّ ما دفع كاتب هذه السطور للبحث في الصلة بين الكيان الصهيوني وبابوا غينيا الجديدة كان شريط فيديو جرى تداوله مؤخراً، يظهر أعداداً من شبان قبائل ذلك البلد يرقصون رقصة حرب ملوحين بالأعلام الصهيونية.  شعرت أن ذلك الفيديو كان رداً إعلامياً صهيونياً على انتشار أشرطة لسكان أمريكا الأصليين، والذين سماهم المستعمر الأوروبي زوراً “الهنود الحمر”، وهم يؤدون رقصات حرب دعماً لفلسطين وغزة.

كان لا بد إذاً من البحث في تاريخ بابوا غينيا الجديدة وفي أحوالها وما يمكن أن يدفعها للانحياز إلى صف العدو الصهيوني بمثل هذه الصورة المستفزة على النقيض من أغلبية شعوب الأرض، حتى في البلدان الغربية ذاتها.

يُظهِر البحث في تاريخ بابوا غينيا الجديدة الحديث أنه بلدٌ اكتشفه الإسبانيون والبرتغاليون في القرن السادس عشر، وأنه اشتهر لدى المستعمرين الأوروبيين بأكل لحوم البشر و”صيد الرؤوس”، وهو طقس بلوغ للمراهقين يتطلب منهم، حرفياً، اصطياد رؤوس أعضاء قبائل أخرى منافسة كي يُعترف بهم رجالاً محاربين.

بقيت عادتا أكل لحوم البشر وصيد الرؤوس شائعتين عبر القرن الـ20، حتى جرى اجتثاثهما في نهايته فقط.  وما زالت تشتهر بابوا غينيا الجديدة حتى اليوم بانتشار العنف، وبأحد أعلى معدلات الاغتصاب في العالم نساءً وأطفالاً، بحسب تقارير دولية من عامي 2018 و2019.

بدأت الإرساليات الأوروبية تنصّر أهل البلد في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وتداول المستعمرون الأوروبيون حكم البلاد، حتى آل إلى البريطانيين، مع فترة قصيرة جداً لليابانيين خلال الحرب العالمية الثانية.

لكن تجربة التنصير في بابوا غينيا الجديدة اتخذت شكلاً متصهيناً، على غرار المسيحية المتصهينة في الغرب، ويبدو أنها كانت تجربة بريطانية سياسية-دينية أتت أكلها اليوم، ولم تكن المرة الأولى التي يوظف فيها البريطانيون التدين سياسياً.

يدور الحديث هنا عن طوائف مسيحية متهودة، هي يهودية أكثر منها مسيحية، وهناك أيضاً قبيلة الـ”غوغودالا” في بابوا غينيا الجديدة مثلاً التي تؤمن بأنها إحدى قبائل “إسرائيل” المفقودة، وأفرادها صياديون يعيشون في جوار نهر آراميا ممن  يستعملون القوارب المحفورة في جذوع الأشجار، ويُعرفون بأنهم من أكلة لحوم البشر (سابقاً؟)، وبأنهم يلتزمون الديانة اليهودية وطقوسها.  وثمة عدة فيديوهات قديمة لهم في قناة “يوتيوب” ملوحين بالعلم “الإسرائيلي”.

المهم أن تهويد العقل والفؤاد يعني صهينتهما، حتى بالنسبة لشعوب مسحوقة، كما في بابوا غينيا الجديدة.  وهذه رسالة صغيرة لمن يروجون لما يسمى الديانة “الإبراهيمية”، أي مشروع تهويد الإسلام والمسيحية.

بعيداً عن المغزى السياسي المتصهين لافتتاح قنصلية في الضفة الغربية، وهو أن الضفة الغربية يهودية، لا توجد جالية من بابوا غينيا الجديدة في سلفيت أو في مستوطنة “أرييل”، كي تفتتح قنصلية لها هناك، وربما يسعى الصهاينة لجلبها لتنضم إلى شذاذ الأفاق من سائر الأرض، فإن فعلوا، لا يلومن أحدٌ شبابنا إن أكلوهم أحياء.

الكلمة الثانية: خط التجارة العربي كغطاء لرفع الحصار اليمني عن العدو الصهيوني

لا يوجد عربيٌ واعٍ لا يدرك مصلحة الأمة العربية في تعزيز العلاقات البينية بين أقطارها، ولا يوجد أدنى شك في أن إنشاءَ سوقٍ عربيةٍ مشتركةٍ مفتاحُ حلِ أزمة التنمية الاقتصادية عربياً ومشاكل المواطن العربي المعيشية، كما يمكن أن نثبت رياضياً، وبالتالي في تعزيز الأمن القومي العربي.

لكنّ توقيت الإعلان مؤخراً عن تفعيل خط التجارة العربي بين بلدان الخليج والأردن ومصر، على نحوٍ ما يتجاوز الحاجة للشحن البحري عبر البحر الأحمر، في ظل الحصار اليمني الخانق على مرفأ “إيلات” (أم الرشراش)، ولد مشبوهاً بصورةٍ غير طبيعية.

لعل ما زاد الأمر شبهةً تصويره في بعض وسائل الإعلام كأنه “عمل قومي عربي جاد” في مواجهة العدو الصهيوني، في حين تحجم الأنظمة العربية عن قطع علاقاتها مع ذلك العدو، في ظلال عدوانه المستمر على غزة والضفة الغربية، وإحجامها عن فتح معبر رفح، وإبقائه خاضعاً للمزاجية “الإسرائيلية”.

سبق ذلك ما جرى مع نفي الحكومة الأردنية استخدام شركات شحن أراضيها لتمرير السلع إلى الكيان الصهيوني، ليتبين أن خطّي الإمارات-الأردن-فلسطين المحتلة، ومن البحرين بنفس الاتجاه، مفتوحان على قدمٍ وساق، كما يثبت موقعا شركة Truck net “الإسرائيلية” وشركة Pure Trans الإماراتية حتى هذه اللحظة.

جاء ذلك كله إذاً ليعزز الشكوك في أن تفعيل الصلة بين ميناءي العقبة ونوبيع، ومن ثم الشحن عبر سيناء إلى المرافئ المصرية، في ظل العدوان الصهيوني، يمكن أن يكونا أي شيء سوى “عملٍ قوميٍ عربيٍ مناهضٍ للكيان الصهيوني”.

لكنْ، لماذا نتيه في تحليل النوايا عندما يمكن الحصول على أدلة من مصادر العدو الصهيوني ذاته تقطع الشك باليقين؟

فإذا فعلنا سنكتشف فوراً أن الإعلام الصهيوني يقدم خط العقبة-نوبيع-سيناء بديلاً للشحن البحري عبر باب المندب اتقاءً لضربات حركة “أنصار الله” للسفن “الإسرائيلية” وتلك المتوجهة إلى الكيان الصهيوني.  أنظر مثلاً، لا حصراً، تقرير موقع “تايمز أوف إسرائيل” في 27/12/2023، والمعنون “شركة لوجستية إسرائيلية ناشئة تنشئ طريقاً تجارياً برياً لتجاوز أزمة الحوثيين في البحر الأحمر”.

في التفاصيل، نجد أن شركة Truck net “الإسرائيلية” إياها وقعت اتفاقيتين في الشهر الجاري مع شركة Pure trans الإماراتية، ومع شركة DP World التي تشغل مرفأ جبل علي، لنقل البضائع من ميناء جبل علي في الإمارات وميناء سلمان في البحرين عبر السعودية والأردن إلى ميناء حيفا، و… وهنا بيت القصيد، إلى مصر.

نجد في موقع شركة Truck net “الإسرائيلية” أيضاً أنها وقعت اتفاقية لتنفيذ شق استخدام الموانئ المصرية “إسرائيلياً” للشحن إلى أوروبا وأمريكا، مع شركة WWCS، وهي شركة خدمات لوجستية متخصصة بنقل الحاويات مقرها الإسكندرية، للتصدير إلى مصر ذاتها، كمستقر أو كممر.

يقول حنان فريدمان، مؤسس شركة Truck net “الإسرائيلية” ومديرها، إن الهدف من المسار البري الجديد ليس تجاوز قناة السويس، بل إنشاء خط سريع مكمل لها لاستخدامه في حالة الطوارئ.

يلاحظ طبعاً لدى الدخول لموقع بورصة “تل أبيب”، أن سعر سهم شركة Truck net نما نمواً انفجارياً منذ نهاية الشهر الفائت.

ويبدو أن الاتفاق الأخير مع مصر لإعطاء الشركة “الإسرائيلية” حصة في سوق خدمات الشحن إلى مصر، في مقابل إعطاء الشركة المصرية حصة في سوق خدمات الشحن “الإسرائيلية”، هو اتفاق حصري احتكاري بين الشركتين، كما نفهم من تقرير في موقع Israel National News في 24/12/2023، بعنوان “مصر تنضم إلى الجسر البري الذي يتجاوز البحر الأحمر، بسبب تهديد الحوثي”. ويضيف أيضاً أن الاتفاق الموقع مع رئيس الشركة المصرية ومؤسسها هشام حلمي حاز على الموافقات الضرورية من الحكومة “الإسرائيلية” ووزارة الحرب فيها.

بناءً على كل ما سبق، نقول بأريحية إن ما يسمى “خط التجارة العربي” يجب أن يسمى “خط التجارة العبري”، وأن القومية العربية ومناهضة الصهيونية منه براء، وأن ما يجري يشجع العدو الصهيوني على المغالاة في عدوانه، وهذا بدوره يظهر لا عقلانية ومحدودية التفكير القُطري، لأن المهدد بتهجير غزة هو سيناء ومصر أساساً، والمهدد بتهجير الضفة الغربية هو الأردن، وإذا ثبت أن الكيان الصهيوني ينوي استقدام أكلة لحوم البشر والمغتصبين من بابوا غينيا الجديدة إلى الضفة الغربية فإن ذلك يكون للإسهام في تهجيرها.

الكلمة الثالثة: حقيقة الخلاف المزعوم بين إدارة بايدن وحكومة نتنياهو بشأن غزة

يشكل الحديث عن خلاف بين الإدارة الأمريكية والحكومة “الإسرائيلية” مساحةً رماديةً لطالما ازدهرت فيها أوهام التسوويين العرب عن “كسب أمريكا إلى صفنا في مقابل تقديم بعض التنازلات الإضافية لها”.

لذلك، لا بد من التذكير أن إدارة بايدن وقفت مع الكيان الصهيوني، وخصوصاً منذ عملية “طوفان الأقصى”، بصورةٍ جليةٍ لا يرقى إليها الشك تجعلها في الآن عينه شريكةً في العدوان، كما نرى من الآتي، والذي أقدمه على سبيل المثال لا الحصر:

أ – إرسال 230 طائرة و20 سفينة محملة بالأسلحة والمعدات العسكرية الأمريكية إلى الكيان الصهيوني بين 7/10/2023 و25/12/2023.

ب – إرسال مجموعتي حاملات طائرات، هما “جيرالد فورد” و”دوايت أيزنهاور”، إلى شرق المتوسط دعماً للكيان الصهيوني.

ج – استخدام حق النقض 5 مرات منذ عملية “طوفان الأقصى” ضد أي مشروع قرار ينص على وقف إطلاق النار في غزة.

د – اعتراض الصواريخ والمسيرات اليمنية في البحر الأحمر وخليج عدن، والتي تستهدف السفن “الإسرائيلية” أو المتوجهة إلى “إيلات”.

هـ – إعلان موقف سياسي داعم للعدوان على غزة لا لبس فيه، وتجنيد الأنظمة العربية في مد شرايين حياة للاقتصاد “الإسرائيلي” كما رأينا أعلاه.

وعلى الرغم من التقارير الإعلامية بشأن “خلافات” بايدن ونتنياهو، استخدم بايدن صلاحية “سلطة الطوارئ” في 8/12/2023 لبيع الكيان الصهيوني 14 ألف قذيفة دبابة من دون موافقة الكونغرس.

يأتي ذلك طبعاً تتمةً للاحتضان الأمريكي التقليدي للكيان الصهيوني، مع 158 مليار دولار قدمها الأمريكيون لـ”إسرائيل” منذ “تأسيسها”، واستخدام حق النقض 42 مرة حتى عام 2022 ضد قرارات أممية تدينها.

لا يوجد أدنى شك إذاً في التزام إدارة بايدن، وكل الإدارات الأمريكية من قبلها، بالكيان الصهيوني مالياً ودبلوماسياً وعسكرياً وسياسياً.  وما سبق لا يشمل كل أشكال الدعم الأمريكي لـ”إسرائيل”، كما سبقت الإشارة، فتطوير منظومة “القبة الحديدية” مثلاً جرى بدعم تكنولوجي ومالي أمريكي، ناهيك بإعطائها أحقية الوصول غير المقيد إلى أكثر التكنولوجيات العسكرية الأمريكية تطوراً.

يمكن القول، بعد ذلك كله، إن أي خلافات بين إدارة بايدن وحكومة نتنياهو تتعلق بطريقة إدارة الصراع و”إخراجه” سياسياً، لا بأهدافه.  سبقت ذلك مثلاً خلافاتٌ بين إدارة الرئيس الأسبق جيرالد فورد ووزير خارجيته هنري كيسنجر بسبب ضغوطها على حكومة إسحق رابين لتوقيع اتفاقية فك الارتباط الثانية مع مصر عام 1975، وخلافات إدارة الرئيس الأسبق جيمي كارتر مع حكومة مناحيم بيغن حول تفكيك مستعمرات سيناء على طريق توقيع معاهدة السلام المصرية-“الإسرائيلية” عام 1979، وخلافات الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الأب ووزير خارجيته جيمس بيكر مع حكومة إسحق شامير بشأن ضمانات القروض، تمهيداً لمحادثات مدريد عام 1991.

أما خلافات إدارة بايدن مع حكومة نتنياهو فتسبق عملية “طوفان الأقصى”، وهي تتعلق بعددٍ من الملفات، مثل مستعمرات الضفة الغربية، والتفاوض مع إيران، والموقف بشأن ما يسمى “الدولة الفلسطينية”، وبشأن السلطة الفلسطينية، ومن ملف “التعديل القضائي” في “إسرائيل”، والأهم من ذلك كله، مدى قرب نتنياهو من خصم بايدن الانتخابي، دونالد ترامب.

ليكن واضحاً أن كل تلك الخلافات، وفوقها الخلاف حول طريقة “إخراج” العدوان على غزة مؤخراً، لا تؤثر في التزام الولايات المتحدة بالمشروع الصهيوني، كما أنها تنبع دوماً من التناقض بين التشدد الصهيوني من جهة، وحاجة الإدارات الأمريكية المتعاقبة لحفظ شيء من ماء وجوه المطبعين والتسوويين العرب، في سياق جعل المنطقة العربية أكثر أمناً واستقراراً لوجود “إسرائيل” وتوسعها اقتصادياً وسياسياً وثقافياً فيها.

لكن الخلاف هذه المرة تصاعد أيضاً نتيجة اعتبارات انتخابية متضاربة لبايدن ونتنياهو، إذ إن هناك إجماعاً في الداخل “الإسرائيلي” على وجاهة العدوان الصهيوني على غزة.

حتى يائير لابيد، الذي يدعو إلى تنحية نتنياهو الآن، والذي يمثل كتلة علمانية ليبرالية في “المجتمع الإسرائيلي” مناهضة لليمين الديني، اتصل بعدد من ممثلي الحزب الديموقراطي في الكونغرس الأمريكي محاولاً إقناعهم بوجاهة عملية “سيوف من حديد” في غزة، ومشروعية وحشيتها اللامتناهية.

يجد الرئيس بايدن نفسه، في المقابل، ممزقاً بين تنافسه مع الحزب الجمهوري في إبداء دعمٍ غير محدود للعدوان الصهيوني على غزة، كما فعل منذ بداية الحرب، وبين الانشقاق الذي طرأ على صفوف حزبه الديموقراطي، من جراء الفظائع التي يرتكبها الصهاينة في غزة والضفة، وهو تطور مهمٌ وجديدٌ، يمكن اعتباره أحد منجزات عملية “طوفان الأقصى”، إعلامياً وسياسياً، إذ لم يسبق أن رأينا في البلدان الغربية إدانة شعبيةً للكيان الصهيوني كما في الشهرين الأخيرين، وهذا يهدد بايدن، الذي يواجه استحقاقاً انتخابياً في العام القادم، أي أن نتنياهو هو الذي يهدد بايدن سياسياً هنا، بمقدار ما يسعى بايدن لإيجاد بديل لنتنياهو يمكن القبول فيه من طرف الديموقراطيين المناهضين لنتنياهو، وهو حتى الآن بديل غير موجود.

للمشاركة على فيسبوك:

https://www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=pfbid0yCmLjhXjStiYPsRW3dtRqpsnoo2KwXz1NB2ALXohi8cqCuHWSLP4azNYXkHpxDE5l&id=100041762855804

https://www.almayadeen.net/research-papers/%D8%AB%D9%84%D8%A7%D8%AB-%D9%83%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%AA-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D9%87%D8%A7%D9%85%D8%B4-%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%AD%D8%B8%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%B2%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A7%D9%87%D9%86%D8%A9

الموضوعات المرتبطة

قضية للنقاش في هوامش الخطاب الإعلامي المقاوم

  إبراهيم علوش – الميادين نت حقق الخطابُ المقاومُ، في مختلف تنويعاته، اختراقاتٍ حقيقيةً بموازاة عملية "طوفان الأقصى" التي شكلت رافعة مادية له، وشكل بدوره غطاءً وامتداداً إعلاميين لها، [...]

القرار الأولي لمحكمة العدل الدولية بشأن غزة في ميزان الصراع

  إبراهيم علوش – الميادين نت   كان من المفهوم تماماً أن ينفعل البعض تحمساً لرفع جنوب إفريقيا قضية ضد الكيان الصهيوني في محكمة العدل الدولية تتهمه فيها بممارسة الإبادة الجماعية في غزة، [...]

تمرد ولاية تكساس: هل تتفكك الولايات المتحدة الأمريكية؟

  إبراهيم علوش – الميادين نت ربما يبدو الخلاف بين ولاية تكساس، ممثلةً بحاكمها منذ عام 2015، غريغ آبوت، وبين الحكومة المركزية في واشنطن، ممثلةً بإدارة الرئيس جو بايدن، خلافاً جزئياً فحسب [...]

إحياء عظام “حل الدولتين” وهي رميم

  إبراهيم علوش- الميادين نت هناك شبحٌ يجول في الغرب والشرق، هو شبح "حل الدولتين".  الغريب في أمره، هذه المرة، أنه شبحٌ اجتمعت على التلويح ببردته الملحاء قوىً لطالما خاضت معارك ضاريةً فيما [...]

العدوان الأنغلوساكسوني على اليمن

  إبراهيم علوش – الميادين نت كانت القوة الضاربة الأساسية في العدوان على اليمن أمريكيةً وبريطانية.  وأظهر بيان تحالف العدوان، المنشور في موقع "البيت الأبيض"، والمؤرخ في 11/1/2024، تشكيلةً من [...]
2024 الصوت العربي الحر.